![]() |
|
المناهج والمنهجية - مقاربة الى تصنيف مناهج البحث ومعالمها/12
"دراسة أكاديمية تحليلية ومنهجية"
د.هيثم الحلي الحسيني "الحلقة الثانية عشر" مقاربة الى تصنيف مناهج البحث ومعالمها
موقع الإمام الشيرازي تصنيف مناهج البحث يعبر منهج التصنيف, عن الاتجاه الذي يكشف عن الحقيقة ويبرهن على صحتها, وبناءاً عليه يقوم تصنيف المناهج عادة على معيار ما, يستوعبه أو يختص به أو ينتمي اليه, وذلك لتفادى الخلط والالتباس بين التصنيفات، وعادة تختلف التقسيمات بين المنظّرين في تصنيف أي موضوع، وتتنوع التصنيفات للموضوع الواحد باختلاف معيار التصنيف، وينطبق ذلك على التصنيف في مناهج البحث, وربما يرد نفس العنوان للمنهج في أكثر من معيار تصنيفي, لانتماء ذلك المنهج لأكثر من معيار. يحدد الباحث نوع المنهج الذي ينتهجه حسب نوع البحث, نظرياً أو تطبيقياً أو بالأسلوب العلمي التراتبي, وبحسب طبيعة الموضوع, أو عنوان البحث أو الدراسة التي يقوم بها وأهدافها, والتي يتم تحديدها مسبقاً وفقاً لمعضلة البحث، وتثبت في صدره ومقدمته, ويمكن القول أن اختيار المنهج من قبل الباحث, يخضع إلى ظروف خارجية أكثر منها إرادية.
تصنيف المناهج وفقاً لأنواع البحوث 1. مناهج البحوث النظرية وهي المناهج المتبعة في البحوث التي يقوم بها الباحث من أجل إشباع حاجته للمعرفة, أو من أجل توضيح غموض يحيط بالظاهرة, دون النظر إلى تطبيق نتائجه في المجال العلمي, مثل البحث العلمي في الرياضيات الذي قد لا يؤدي إلى نتيجة مباشرة, لكنه يلقي الضوء على الأوضاع القائمة، ويعتبر أساساً نظرياً تقوم عليه البحوث التطبيقية في ميادين عدة. عليه يعد منهج الرياضيات "العلم" البحت الذي ينهج لذاته, دون النظر الى مجال التطبيق لقوانينه المستنبطة, وهو السبب في اعتبار المنهج العقلي قسماً من البرهان الرياضي. 2. مناهج البحوث التطبيقية وهي المناهج المتبعة في الأبحاث التي يقوم بها الباحث بهدف إيجاد حل لمشكلة قائمة, أو التوصل إلى علاج لمعضلة معينة, ويبدأ فيها البحث عادة بتحديد مشكلة تستوجب الحل, فيحصر الباحث اهتمامه في البحث عن علاج لتلك المشكلة, ويعتمد هذا النوع من البحوث على التجارب المخبرية في دراسات ميدانية, للتأكد من إمكانية تطبيق النتائج في الواقع, ولذا يطلق على هذه المناهج بالتجريبية, وأحياناً الحسية "الإمبريقية". 3. مناهج أبحاث الطريقة العلمية وهي المناهج التي تخدم أبحاثاً شائعة الاستخدام في العلوم الطبيعية, وتقوم بشكل رئيس على إجراء التجارب, بحيث يضع الباحث فرضية، بعد تحديد المعضلة وأبعادها, ثم يجمع لها البيانات حتى يخلص إلى نتيجة, تؤدي الى تاكيد أو نفي الفرضية, ويطلق على هذه المناهج عموماً بالمناهج العلمية. يشرع البحث النظري بالجزئيات ليستمد منها القوانين، في حين يبدأ التطبيقي بقضايا عامة ليتوصل منها إلى الحقائق الجزئية, أي يستعمل التفسير التطبيقي الذي يتمثل في تحقيق "تفسير" ظاهرة خاصة من نظرية أو قانون, أو ظاهرة عامة، كما يستخدم المنهج التطبيقي للطريقة الاستنتاجية, التي تتمثل في استخلاص قانون أو نظرية أو ظاهرة عامة من مجموعة ظواهر خاصة.
تصنيف المناهج وفقاً لمعيار العمليات العقلية التي توجهها 1. المنهج الاستدلالي أو الاستنباطي وفيه يربط العقل بين المقدمات والنتائج، وبين الأشياء وعللها, على أساس المنطق والتأمل الذهني، فهو يبدأ بالكليات ليصل منها إلى الجزئيات. 2. المنهج الاستقرائي وهو يمثل عكس سابقه، حيث يبدأ بالجزئيات ليصل منها إلى كليات أو قوانين عامة، وهو يعتمد على التحقق بالملاحظة المنظّمة, الخاضعة للتجريب والتحكم في المتغيرات المختلفة. 3. المنهج الاستردادي يعتمد هذا المنهج على عملية استرداد ما كان في الماضي, ليتحقق من مجرى الأحداث، ولتحليل القوى والمشكلات التي صاغت الحاضر, فهو منهج تاريخي تحليلي وتجريبي.
1. المنهج التجريبي, وهو الذي يعتمد على إجراء التجارب تحت شروط معينة, ويتميز عنه "المنهج الإمبريقي"[1] الذي يعتمد التجربة التلامسية الحسية المادية, وتسجيل نتائجها المباشرة. 2. منهج المسح, survey الذي يعتمد على جمع البيانات "ميدانياً" بوسائل متعددة, وهو يتضمن الدراسة الكشفية والوصفية والتحليلية. 3. منهج دراسة الحالة، case study الذي ينصب على دراسة وحدة معينة، فرداً كان أو وحدة اجتماعية، ويرتبط باختبارات ومقاييس خاصة. 4. المنهج التاريخي[2]، الذي يمكن اعتباره شكلاً من مناهج دراسة الحالة, فهو يعتمد على الوثائق والآثار والمخلفات الحضارية المختلفة[3]. ويتفرع عنه دراسة الآثار والتنقيب فيها "الأركيولوجي" Archeological [4] الذي يتبع دراسة الآثار وفحصها وتسجيل المعلومات المستخلصة عنها, فيما يعده البعض باباً للدراسة في علم الإنسان "الأنثروبولوجيا"Anthropology , التي تعنى بالكشف عن أصول ثقافات وسلوكيات الشعوب والمجتمعات, من خلال دراسة الإنسان من جميع الأوجه المؤثرة فيه.
تصنيف مناهج البحث حسب البعد الزمني 1. المنهج التاريخي, وهو الذي يضطلع بدراسة "الماضي", باتباع تدقيق المصادر النقلية, وإعمال المقاربة المنطقية التحليلية للنصصوص المنقولة, مع اتباع المذهب التجريبي في دراسة الوثائق المادية الموروثة إستقراءاً. 2. المنهج الإمبريقي, وهو الذي يضطلع بدراسة "الحاضر", من خلال التجريبية أو الخبرة المسجلة آنياً في داخل التجربة, بفعل الحواس وأدوات الرصد الآنية, لكامل مجتمع البحث, أو للظاهرة المرصودة بالكامل. 3. المنهج التنبؤي, وهو الذي يضطلع بدراسة "المستقبل", وفق برامج وآليات التنبوء, من خلال دراسة التغيرات في مسلك الماضي وخط سيره, وإسقاطاتها على المقابل المستقبلي لها.
تصنيف مناهج البحث حسب حجم المبحوث 1. منهج دراسة الحالة. ويعتمد على دراسة وحدة معينة لمجتمع البحث, تكون فرداً أو وحدة مجتمعية. 2. منهج الأصل الإحصائي العام. ويعتمد على اخضاع مجتمع البحث بالكامل للدراسة الإحصائية الشاملة, وهو يتماهى والمنهج الإمبريقي في الدراسة الاجتماعية الميدانية, أو في الدراسات السكانية العامة, في الإحصاء الشامل الذي يهدف الى الحصول على بيانات حقيقية ضمن اتجاهات الاهتمام. 3. منهج العينة. وتخضع الدراسة فيها لعينة من مجتمع البحث, يجري اختيارها وفق ضوابط محددة, أو عشوائياً حسب احتياجات البحث, ومنها الدراسات الميدانية, وقياس الرأي العام.
تصنيف مناهج البحث حسب المتغيرات المستخدمة 1. المنهج البعدي. 2. المنهج التجريبي.
تصنيف مناهج البحث حسب الهدف منه 1. المنهج الوصفي. 2. المنهج التفسيري. 3. المنهج الارتباطي.
تصنيف المناهج وفق اختصاص البحث 1. مناهج البحث العلمي الخاصة[5] وهي مجموعة من القواعد وضعت لتستخدم في حقل خاص من حقول المعرفة، أو علم خاص من العلوم، وبذلك فهي تتباين باختلاف المعارف والعلوم[6]. 2. مناهج البحث العلمي العامة وهي المناهج التي لا تتحدد بفرع معين من فروع المعرفة أو علم خاص من العلوم, بل تسلكها البحوث على اختلاف تخصصاتها العلمية وفروعها المعرفية, استنادا لاختياراتها[7].
تصنيف مناهج البحث العامة حسب طبيعة الدراسة 1. المنهج النقلي طريقة دراسة النصوص المنقولة، وهو يعتمد على توثيق إسناد النص إلى قائله، والتحقق من سلامة النص، وفهم مدلول النص, وبذلك يستخدم هذا المنهج في دراسة كل المعارف التي يكون مصدرها النقل, ولأن الأسطورة حكاية تروى أو تنقل بوساطة الرواية، يكون منهجها هو النقل, وهذا بدوره يكشف بأن المنهج النقلي أقدم المناهج وأسبقها من ناحية تاريخية. 2. المنهج العقلي طريقة دراسة الأفكار والمبادئ العقلية، ويقوم على قواعد المنطق الأرسطي، فيلتزم الحدود والرسوم في التعريف، والقياس والاستقراء والتمثيل في الاستدلال. وهذا المنهج هو المتّبع في الدرس الفلسفي، والدرس الكلامي، والدرس الأصولي الفقهي. 3. المنهج التجريبي طريقة دراسة الظواهر العلمية في العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، وهو المنهج العلمي الحديث الذي يقوم على الاستقراء عن طريق الملاحظة والتجربة. 4. المنهج الوجداني طريقة الوصول إلى معرفة التصوّف والأفكار العرفانية، والوجدان، وهو يوازي الحصول، ذلك أن الحصول على المعرفة يعني إعمال الفكر، بينما الوجدان يعني وجود المعرفة من غير إعمال الفكر, ويعتمد على الرياضة الروحية، بغية أن تسمو النفس فترتفع إلى مستوى الأهلية والاستعداد الكافي لأن تلهم ما تهدف إليه, ويستخدم هذا المنهج في طريقتي العرفان والتصوف. 5 . المنهج التكاملي ويعني استخدام أكثر من منهج في البحث، بحيث تتكامل فيما بينها في وضع وتطبيق مستلزمات البحث. 6. المنهج المقارن وهو الطريقة التي يتبعها الباحث في الموازنة بين الأشياء, ويتبع في بحوث ودراسات القانون المقارن والفقه المقارن وما شاكلها. 7. المنهج الجدلي وهو يعني وفق المنطق الأرسطي, المناظرة أو القياس المؤلف من المشهورات والمسلمات.
المنهج العلمي في البحث وهو السياق العلمي لحل المعضلة, أو الاسلوب العلمي للوصول الى تفسيرات للمعضلة "explanation", أو نظريات ثم قوانين لتفسير الظواهر الطبيعية والإنسانية والمجتمعية, بعد اختبارها وتجريبها واشباعها في البحث والدراسة, وهو المذهب العلمي الذي يتماهى و"المنهج التجريبي" في البحث العلمي المعاصر, الذي ترجع له عموم التطورات في تأسيس العلوم الحديثة وتقنينها. تبدأ خطوات الأسلوب العلمي في التفكير بالشعور "بمشكلة", أو الإحساس "بمعضلة", أو "تساؤل" يحيّر الباحث أو يسترعي اهتمامه، فيضع لها حلولاً محتملة أو إجابات محتملة، تتمثل في "الفروض" أو "فرضيات البحث", وهي بمثابة حلول تخمينية تعبّر عن علاقة بين متغيرين أو أكثر سلباً أو إيجاباً, ثم تأتي بعد ذلك الخطوة الثالثة، وهي اختبار صحة الفروض والوصول إلى "نتيجة" معينة. وهذه الخطوات الثلاث الرئيسية, تقود الباحث في مراحل دراسته المختلفة, ما دام قد اختار المنهج العلمي كسبيل لوصوله إلى نتائج دقيقة وموضوعية، ومن الطبيعي أن تتخلل هذه الخطوات الرئيسية عدة خطوات إجرائية تنفيذية مثل، "تحديد طبيعة المشكلة" المراد دراستها، كخطوة أولى في السياق العلمي, ثم وضع الفروض التمهيدية الأولية, و"جمع البيانات" التي تساعد في اختيار الفروض المناسبة وصياغتها، والبيانات التي تستخدم في اختبار الفروض الأولية للوصول الى تحديد الفروض، والوصول إلى "تعميمات" بصدد النتائج المفترضة والمستنتجة استنباطاً, ثم يجري استخدام هذه التعميمات أو التفسيرات, بشكل "نظريات" تطبيقياً. ويتضمن السياق خطوة إجرائية مهمة, تتمثل في فحص الحقائق التي أفضت الى الاستنتاجات, لبيان سلامتها وصحتها, ففي حالة التوصل في الفحص الى نتائج خاطئة, عندها تجري إعادة النظر في خطوة "صياغة الفرضية", ثم يعاد السياق حتى يفضي إجراء الفحص الى صحة النتائج, وبذا تثبت الفروض وصياغتها, عندها يجري تعميم النتائج والتفسيرات, وهو ما يعبر عنه "بالتغذية المرتدة" Feed Back لفحص النتائج, ويمكن إعادة السياق بدءاً من الخطوات الأولى المتعلقة بتحديد المعضلة والفروض التمهيدية, إن تطلب ذلك بنتيجة فحص التغذية المرتدة, حتى الوصول الى نتائج مقنعة "لحل المعضلة". وبذلك يسير المنهج العلمي، على شكل خطوات "مراحل", لكي تزداد عملياته وضوحاً، إلا أن هذه الخطوات لا تسير دائماً بنفس التتابع، كما أنها ليست بالضرورة مراحل فكرية منفصلة، فقد يحدث كثير من التداخل بينهما، وقد يتردد باحث بين هذه الخطوات، كذلك قد تتطلب بعض المراحل جهداً ضئيلاً، بينما يستغرق البعض الآخر وقتاً أطول، وهكذا يقوم استخدام هذه الخطوات على أساس من المرونة الوظيفية, بمعنى العمل بأكثر من مسلك بديل.
اختيار منهج البحث تختلف مناهج البحث من حيث طريقتها في اختبار صحة الفروض، ويعتمد ذلك على طبيعة وميدان المشكلة موضوع البحث، فقد يصلح مثلاً المنهج الوصفي التحليلي في دراسة مشكلة ما, بينما لا يصلح في دراستها المنهج التاريخي أو منهج دراسة الحالة وهكذا. وفي حالات كثيرة تفرض مشكلة البحث, اختيار المنهج الذي يستخدمه الباحث، وإن اختلاف المنهج لا يرجع فقط إلى طبيعة وميدان المشكلة، بل أيضاً إلى إمكانات البحث المتاحة، فقد يصلح أكثر من منهج في تناول دراسة بحثية معينة، ومع ذلك تحدد الظروف والإمكانات المتوفرة وأهداف البحث ونطاقه والمجال والتخصص الذي ينتمي اليه, نوع المنهج الذي يختاره الباحث .
مقاربة لمفهوم "الاستقراء العلمي" وإسقاطه على منهج البحث يعرف الاستقراء بأنه الاستدلال على المجهول من المعلوم، أو هو انتقال الذهن من حكم خاص إلى حكم عام, وهو قسمان, استقراء تام, يقوم على فحص الحالات الجزئية, واستقراء ناقص, يكتفى فيه ببعض الحالات الجزئية, ويعرف أيضاً بالاستقراء العلمي. كان الاستقراء العلمي مهملاً عند القدماء حتى بداية العصر الحديث, نتيجة اتجاه الدارسين للمنطق إلى التركيز على القياس وإهمال الاستقراء، وقد ظهرت بداية التغيير في الادراك, مع عالم الفلسفة "فرنسيس بيكون" في القرن الثالث عشر الميلادي، حين انتقلت الروح العلمية للثقافة العربية الإسلامية عبر البحر المتوسط إلى أوربا [8]. إطّلع "بيكون" على علوم الحضارة العربية الإسلامية، فتأثر بها ليدرك حاجة ماسة إلى منهج علمي جديد، ينقض دعائم المنهج القديم، فأنشأ منهجاً جديداً أوضحه في كتابه "الأورجانون الجديد" أي المنطق الجديد, إشارة الى أوروجون آرسطو "القديم". وقد شاب منهج بيكون بعض القصور, لكن تلاميذه من بعده من طبقة العالمين "مل" و"برنارد", استطاعا أن يصححا أخطاءه, ويعالجا مكامن القصور فيه, وقد قسم الاستقراء العلمي الى ثلاث مراحل, مرحلة البحث, مرحلة الكشف أو الإختراع, ومرحلة التحقيق والبرهان. لقد أدرك بيكون أهمية التجربة والملاحظة، فكانت خطوة رائدة على الطريق, برغم انكفائها لاحقاً, لمحاربة رجال الدين لها بدعوى مخالفتها لفلسفه أرسطو, واستمر الأمر كذلك حتى القرن السادس عشر. وفي هذه الفترة تخمرت هذه الفكرة وتبلور استيعابها في أذهان الباحثين, حتى أتى "دي فتشي" 1515م, الذي يعد من طلائع عصر النهضة, الذي ساعدت الظروف على نجاحه, ومنها نمو روح النقد، وإدراك أهمية التجربة، وظهور الطباعة, والإطلاع على علوم العرب المسلمين وثقافاتهم، وأفاد منها "دفتشي" حتى أعاد إلى الحياة روح التجربة، غير أنه لم يوضح معالم المنهج، ولم يستطع مناهضة منطق أرسطو، لكنها كانت خطوة في الطريق. وبرغم اعتماد الاسلوب العلمي بالأساس على الاستقراء, الذي يختلف عن الاستنباط والقياس المنطقي، فذلك لا يعني أن الأسلوب العلمي يغفل أهمية القياس المنطقي، ولكنه حين يصل إلى قوانين عامة, يستعمل الاستنباط والقياس في تطبيقها على الجزئيات للتثبت من صحتها.
دور التبادل الحضاري في تطوير مناهج البحث شهد البحر المتوسط ولا يزال, عمليات النقل والتبادل الحضاري, العلمي والثقافي, عبر سواحله الشمالية من جهة والشرقية والجنوبية من جهة ثانية, وقد أثّرى ذلك في المخزون الإنساني الثقافي, وجرى بمراحل تاريخية, شكلت الدورات المرحلية لتوليد ونقل الحضارة الانسانية, وبدأ ذلك من النقل العلمي لحضارة بين النهرين ووادي النيل في كل من العراق القديم ومصر القديمة, الى الساحل الشمالي وسواحل بحر إيجة, حيث ازدهار الحضارة الهيلينية اليونانية, أواسط الألفية الأولى قبل الميلاد. ثم شهد الناقل الحضاري ذاته, انتقال الفكر العلمي والفلسفي عبر شواطئه جنوباً وشرقاً, الى جسم الحضارة العربية الإسلامية وثقافتها, والتي كان أوج ازدهارها مع حركة الترجمة خاصة في بيت الحكمة, في الحاضرة العربية الإسلامية العظمى بغداد, إذ لعب المترجمون السريان واليهود, دوراً رئيساً في الترجمة عبر لغة ثالثة, من الهيلينية اليونانية القديمة, والعبرية والسريانية الى العربية, الى جانب الفرس عن الهندية. ومن ثم وبعد أفول الحضارة اليونانية, ودول مدنها وثقافتها, دخلت أوربا بمرحلة ظلامية حتى نهايات عصر الدولة العربية الإسلامية في الأندلس, حيث بدأت أوربا نقل الثقافة العربية الإسلامية إليها, بحركة ترجمة حثيثة ومنهجية, خاصة لكتب ابن سينا وابن رشد وابن الهيثم وابن النفيس, وكي لا تفقد شيئاً من نفائس الإرث العربي الإسلامي, فقد حرص الفرنجة على اصطحاب المترجمين في غزوهم الأندلس, الذي انتهى بسقوط غرناطة, آخر المعاقل العربية الإسلامية فيها, في القرن الخامس عشر الميلادي[9]. وقد ساهم المترجمون السريان واليهود في الترجمة الى الإفرنجية من العربية هذه المرة, مثل كتاب العالم ابن رشد, "جوامع سياسة أفلاطون”, الذي فقد أصله العربي وبقيت منه ترجمة عبرية، والذي يجري إعادة نقله إلى العربية ضمن مشروع إحياء التراث العلمي[10]. وتستمر الجامعات الأوربية بتدريس هذه المصادر العلمية الى الوقت الحاضر, خاصة كتابات ابن رشد في فلسفة المعرفة وتاريخ الفكر العلمي, في "كلياته" في الطب والفلسفة وسائر العلوم, التي تعد فتحاً لمنهج التفكير العلمي, والتي أسس عليها الفيلسوف "بيكون" فكره في الإيبستيمولوجيا "فلسفة العلم أو بنية المعرفة".
المنهج العلمي التجريبي في التراث العربي الإسلامي خلصت الحركة العلمية والبحثية في الثقافة العربية الإسلامية, الى إعتماد المنهج التجربيبي العلمي, مبكراً عن تبنيه في النهضة العلمية الأوربية, بعدة قرون, وقد انتهج هذا المنهج في البحوث العلمية الصرفة, فضلاً عن الفكر العلمي الذي اعتمدته المدارس الفقهية والعلمية, وقد خلصت هذه المدارس مبكرا الى ان الحِسّ هو المصدر الأوّل للمعرفة البشرية. ومن ذلك فقد ذهب العلّامة الحلّي الى "إن الله تعالى قد خلق النفس الإنسانية في مبدأ الفطرة, خالية عن جميع العلوم بالضرورة، قابلة لها بالضرورة، وذلك مشاهد في حال الأطفال، ثمّ خلق الله تعالى للنفس آلات بها يحصل الإدراك، وهي القوى الحسّاسة، فيحسّ الطفل في أوّل ولادته بحسّ لمس ما يدركه من الملموسات، ويميِّز بواسطة الإدراك البصري على سبيل التدرّج بين أبويه وغيرهما، وكذا يتدرّج في الطعوم، وباقي المحسوسات إلى إدراك ما يفعله بتلك الآلات، ثمّ يزداد تفطّنه فيدرك بواسطة إحساسه بالاُمور الجزئية الاُمور الكلية من المشاركة والمباينة، ويعقل الاُمور الكليّة الضرورية بواسطة إدراك المحسوسات الجزئية، ثمّ إذا استكمل الإستدلال وتفطّن بمواضع الجدال أدرك بواسطة العلوم الضرورية العلوم الكسبية، فقد ظهر من هذا أن العلوم الكسبية فرع على العلوم الضرورية الكليّة، والعلوم الضرورية الكلّيّة فرع عن المحسوسات الجزئية، فالمحسوسات إذاً هي أصول الإعتقاد، ولا يصحّ الفرع إلاّ بعد صحّة أصله"[11]. وهذه النظرية، كما يذهب بعض المفسِّرين، مؤسّسة على قوله تعالى "وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُم لاَ تَعلَمُونَ شَيئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُم تَشْكُرُون"[12], وتشكِّل هذه النظرية نقلة كبرى في التفكير البشري، فهي تنطلق من الواقعية العلمية، ذلك لأن مصدر المعرفة هذه حقيقة حسِّيّة لا سبيل لإنكارها، ويشهد بها الحسّ والتجربة, بمعنى أن الحسّ هو مصدر المعرفة, ينسحب على المعرفة العقلية أيضاً. وإن دور العقل ينسجب على المعرفة الجزئية, عن طريق الحواس وإدراكها, وانتزاع الكليات منها, ثم تعميمها والاستنتاج منها "الاستقراء والقياس", وهذا يعني أن التوالد الفكري, تارة يكون توالداً ذاتياً, وأخرى توالداً موضوعياً[13].
الدراسات والبحوث في تاريخ تطور الفكر العلمي وهنا لابد من التمييز بوضوح بين التأريخ للعلوم, الذي موضوعه تتبع الكشوف العلمية, وممارسة هذا العلم أو ذاك عبر التاريخ وفي الحضارات المختلفة، وبين التأريخ لتطور الفكر العلمي، رؤيةً ومفاهيمَ ومناهجَ, الأول هو "تاريخ العلم" وهو السائد عموماً، وهو وحده المعروف في الثقافة العربية المعاصرة, عبر أبحاث المستشرقين الذين كانوا السباقين في هذا المجال إلى الاستفادة من المخطوطات الطبية العربية, وكتب "تراجم الأطباء" التي تزخر بها المكتبة العربية القديمة, أما الثاني وهو "تطور الفكر العلمي"، فالاهتمام به حديث نسبياً، في الثقافة العربية والعالمية عموماً. إن "الكليات في الطب" لابن رشد, الى جانب "كلياته" الأخرى, قد فتح الباب لموضوع الفكر العلمي, ذلك أن فيلسوف قرطبة ابن رشد، اتخذ لنفسه في هذا الكتاب، بالفعل وبالوعي وإلالحاح، موقف المفتي فيما يجب أن يكون عليه "علم" الطب, حتى يرتفع به من مجرد مجموعة معارف تراكمت عبر الممارسة التي تقوم على الخبرة، إلى مرتبة العلم الذي تؤسسه "كليات"، أي أسس ومبادئ ومناهج، يجب أن تعرف وتؤخذ كأساس للفكر الطبي. من هذه الزاوية يمكن القول, إن هذا النموذج من مخرجات التراث العلمي العربي الإسلامي, غير مسبوق، ولم يظهر ما يماثله في موضوعه إلّا في القرن التاسع عشر، حين أصبحت فلسفة العلم موضوع اهتمام, وإذن فكتاب "الكليات", يعد فتحاً في فلسفة العلم وبنية المعرفة، أو "الإيبستيمولوجيا"، بالمعنى المعاصر. وعليه فإن الفكر العربي الإسلامي, لا زال عالة على المستشرقين في موضوع "دور العلم العربي الإسلامي في النهضة الأوروبية"، وأن ما أنجزه هؤلاء المستشرقون في هذا المجال مازال، رغم أهميته، دون ما يجب أن يكون, في ظل الحركة الثقافية العربية البطيئة للدراسات والبحوث المنصرفة, الى كشف وتوثيق وسبر أغوار التراث العلمي العربي الإسلامي. إن دور العلم العربي الإسلامي والفلسفة العربية الإسلامية في النهضة الأوروبية, لا يمكن جلاؤه إلا على أيد باحثين عارفين للغتين اللاتينية والعبرية, ومتخصصين في ثقافة القرون الوسطى, وعلى إلمام كاف بالتراث العربي في العلم والفلسفة[14]. www.alshirazi.com [1] الحلقة الدراسية الموسومة, "مقاربة في مناهج البحث العامة" تنشر لاحقاً. [2] الحلقة الدراسية الموسومة " منهج البحث التاريخي ودراسة المخطوطات", تنشر لاحقاً. [3] محمد زيان عمر, مناهج البحث العلمي, ص48- 49 . [4] الحلقة الدراسية الموسومة " الدراسات الاثارية والأنثروبولوجية ومناهج البحث في التراث العلمي", تنشر لاحقاً. [5] الحلقة الدراسية الموسومة " المناهج الخاصة والبحث في التراث العلمي", تنشر لاحقاً. [6] عبد الهادي الفضلي, الاستاذ الدكتور, أصول مناهج البحث. [7] الحلقة لموسومة " مناهج البحث العامة", تنشر لاحقاً. [8] هيثم طالب الحلي الحسيني, البحر المتوسط والاستراتيجية البحرية العربية الاسلامية, بحث, مجلة الدفاع, جامعة البكر للدراسات العليا, بغداد, 1996. [9] هيثم الحلي الحسيني, مداخلات في الحضارة العربية الاسلامية والتبادل العلمي الحضاري الإنساني عبر المتوسط, الحلقة الدراسية الثامنة الموسومة "الإعلام المقابل والدور الحضاري", سلسلة بحوث "في التعددية والرأي العام والاعلام", مقالات حول العالم, موقع الإمام الشيرازي, 2010. [10] أد محمد عابد الجابري, "نحن والتراث الفلسفي". مهرجان الألفية للفيلسوف الفارابي, بغداد, 1980. و "ابن رشد", الفقيه الفيلسوف, دراسة, مركز دراسات الوحدة العربية, الدار العربية للثقافة والنشر, بيروت. وقد اضطلع المفكر العربي الراحل, الاستاذ الجابري, بمشروع الترجمة العكسية الرائد لهذا الكتاب, الى أصله في العربية. [11] نهج الحق وكشف الصدق, ص 39 . [12] النحل : 78 . [13] السيد محمّد باقر الصدر, المرجع الديني, كتاب "الاُسس المنطقيّة للاستقراء". [14] عبد السلام بن ميس, "الابستيمولوجيا الهيومية, وجهها النقدي وأساسها المنطقي", بحث, الحوار المتمدن, محور الفلسفة. والدكتور محمد عابد الجابري, كتاب "الكليات في الطب لابن رشد", تحقيق . و "بن رشد سيرة وفكر", مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت, 1995. 8/رجب/1432 |