المناهج والمنهجية - مقاربة تحليلية في مناهج البحث العامة/13


 

"دراسة أكاديمية تحليلية ومنهجية"

 

         د.هيثم الحلي الحسيني

"الحلقة الثالثة عشر"

مقاربة تحليلية في مناهج البحث العامة

 

موقع الإمام الشيرازي                                            

مقاربة في المنهج العقلي "المنطقي"

يعود المنهج العقلي الى "الفلاسفة العقليين", الذين جعلوا من العقل, القول الفصل في الحكم على الأشياء، وهو عندهم أصل المعرفة, وأبرز هؤلاء الفلاسفة "ديكارت، وسبينوزا، ولايبتز", ويمثل المنهج العقلي "التحليلي المنطقي" منهجاً استنباطياً, يربط فيه العقل بين المقدمات والنتائج، وبين الأشياء وعللها, على أساس المنطق والتأمّل الذهني، فهو يبدأ بالكليّات ليصل منها إلى الجزئيات.

ويعتمد هذ المنهج على التسلسل المنطقي في البحث والتفكير, ابتداءاً من العموميات الى الخصوصيات, حيث يعتمد البحث فيه على فروض وبديهات وقواعد عامة مسلم بها, ويتسلسل في سلّم هذه الفروض والبديهات والقواعد, التي تتشكل بهيئة حقائق ومقدمات ومعطيات, حتى يصل الى استنتاجات معينة ومحددة, عن طريق استخدام الأسس النظرية لتفسير الوقائع القائمة.

وهذه الطريقة في البحث تسمى أيضاً, بالطريقة التحليلية الاستنباطية, كونها تسلك اتجاهاً في التحليل, يبدأ بالمقدمات وينتهي الى استنتاجات محددة, وهي من الطرق العامة للبحث التي تشمل كل علم, والتي تضع بين يدي الباحثين, القواعد العامة لوضع العلم في هيكله العام, وتنظيم عناصر بحثه, بما يربط بعضها ببعض, وتأليف أجزائه تأليفاً متناسقاً ومتكاملاً, متبعاً قوانين التفكير الصحيح, التي تبعد البحث عن العقم, والفكر عن الوقوع بالخطأ, ويتخذ المنهج المنطقي من موضوعات التعريف "بيان حقيقة الشيء أو إيضاح معناه", والاستدلال "إقامة الدليل لاثبات المطلوب", وما إليهما من التقسيم والتصنيف والتحليل والتركيب, أدوات سالكة نحو مخرجات البحث.

يعتبر فلاسفة منهج العقل, أنه هو مصدر المعرفة, وإن الحقيقة تنبع من العقل, وقد أفصح عن ذلك الفيلسوف "روني ديكارت", مؤسس المنهج العقلي, وينطلق الفلاسفة العقليون في نقدهم للحواس, أي المعرفة الحاصلة من جراء الحس, أنها كثيراً ما تخدع ولا يجب الثقة في حكمها, وأنها يمكن أيضاً أن تقدم عالماً خارجياً لا يمكن أن تكون حقيقته مطابقة لمظهره, وإن أقرب العوالم الى الحقيقة هو العالم الذي تصفه الطبيعة "الفيزيقية" الرياضية, وليس العالم التقريبي الذي تمد به الإدراكات الحسية.

وقد وضع ديكارت كتابه "مقالة في المنهج", الذي أثبت فيه القواعد العامة للمنهج العقلي المنطقي, باعتماد عناصر "البداهة" بأن لا يتلقى الباحث شيئاً على أنه بديهي، بل يجب البرهان عليه بعد الشك فيه, و"التحليل" بتفكيك الكل الى أجزاء, والأجزاء الى عناصر صغيرة, ليسهل الفهم والادراك, و"التركيب" بتقديم مقررات نهائية واستخلاص نتائج الانتقال من النظري الى العملي, و"الاحصاء" أو الاستقصاء العام, وهو المرحلة الأخيرة في البحث, وتتمثل في مراجعة خطواته وتثبيت مخرجاته, على شكل قوانين أو معارف, فالمعارف اليقينية في المنهج العقلي المنطقي, هي نتاج لمعارف سابقة, زائداً الشك بها.

أما خطوات البحث، في المنهج العقلي, وقد يطلق عليها اسم "النظر" أو "الفكر"، فتلخّص بأن النظر أو الفكر, المقصود منه هو إجراء عملية عقلية في المعلومات الحاضرة لأجل الوصول إلى المطلوب, والمطلوب هو العلم بالمجهول الغائب[1], وبتعبير آخر أدق, فإن الفكر هو حركة العقل بين المعلوم والمجهول[2].

 

التحليل والتركيب في مناهج البحث

التحليل هو تقسيم الشيء الى أجزائه, من عناصر أو صفات أو خصائص وقوانين, أو عزل بعضها عن بعض, ثم دراستها واحداً للوصول الى معرفة العلاقة بينها, وبين غيرها, والتحليل يكون مادياً "طبيعياً" بتقسيم الشئ الى أجزائه, أو عزل أجزائه بعضها عن بعض في الواقع الخارجي, كما في التحليل الكيمياوي, أو أن يكون التحليل عقلياً "منطقياً", بعزل أجزاء الشيء أو صفاته أو خصائصه, بعضها عن بعض في الذهن, كما يسلك البحث في علوم الطبيعة وعلم النفس.

أما التركيب, فهو جمع أجزاء الشيء أو ربط صفاته وخواصه بعضها ببعض, للوصول الى قوانين عامة, ويكون التركيب "مادياً", بجمع أجزاء الشيء, لتكون مترابطة ترابطاً تظهره مؤلفاً كاملاً في الواقع الخارجي, أو "عقلياً", بربط صفات الشيء أو خواصه بعضها ببعض في الذهن, كما في العلوم الرياضية, فهو يتماهى مع "الاستقراء" بكونه أداة الحصول على حكم كلّي, بعكس التحليل الذي ينهج الحصول على العلاقة بين الأجزاء, بما يتماهى مع الاستنباط.

 

نشأة و مفهوم المنهج العلمي "التجريبي"

تندرج مرحلة العلم Science, ضمن التطور التاريخي للمنهج, ويراد "بالعلم" المعرفة النظامية المنسقة, المبنية على الملاحظة والاختبار، وهوما يعرف بالعلم التجريبي في مقابل العلم بمعناه العام, القائم على أصل المعرفة أو العقل, وتقتصر عناية العلم التجريبي على دراسة العناصر التي تتألف منها الأشياء وظواهرها, على اختلاف أنماطها العلمية, وقد مهد لولوج مرحلة العلم, في اعتماد العلم التجريبي ومنهجه, بدلاً من اعتماد المنهج العقلي, حلول عصر الفلسفة الحديثة  Philosophy modern.

في هذا العصر, ظهر "الفلاسفةُ التجريبيون", الذين قالوا بأن أصل المعرفة, التجربة لا العقل, وفي طليعتهم "جون لوك ودايفيد هيوم", وفي القرن السادس عشر، ومع العالم "غاليلو"[3] على وجه التحديد, بدأ عصر العلم التجريبي Experimental Science, ومنذ ذلك الحين طبّق الإنسان طرائق المنهج العلمي "التجريبي" Scientific method في البحث.

تقضي الطريقة العلمية الحديثة, التي يعبر عنها علم المناهج, بالمنهج العلمي التجريبي في البحث

 Scien. method Experimental, بدراسة الوقائع المشاهدة والظواهر المرصودة ميدانياً أو مخبرياً، بما يعرف بتحديد المعضلة, state of problem, ثم تفسير هذه الوقائع أو الظواهر بفرضية, بما يعرف بصياغة الفرضية of Hypothesis Formulate التي تتخذ منطلقاً لمزيد من البحث.

فإذا أريد الاختبار المكثف لهذه الفرضية, على نحو يخلو من جميع الثغرات الهامة, أصبحت الفرضية نظرية theory, حتى إذا قام الدليل القطعي على صحة النظرية, بحيث يتعذر وضع أية نظرية أخرى قادرة على تعليل نفس المعطيات, أصبحت النظرية قانوناً Law, ولكنها تبقى مع ذلك مجرد تعميم لبيّنة تجريبية، لا تقريراً لحقيقة ثابتة "سرمدية", وكان هذا هو النضج الفكري الذي تبلور في جوّه وبوضوح المنهج التجريبي.

ويتاكيد هذا المسلك البحثي العلمي وفق المنهج التجريبي, الذي بات ملازماً لجميع الفتوح العلمية ومباني العلوم المختلفة, وخاصة في تأسيس قواعدها وأصولها وقوانينها, وطرائق تداولها وتطور وسائلها, إذ يذكر الفيلسوف كلود برنار "إن الطب العلمي لا يمكن أن يتأسس، مثله مثل العلوم الأخرى، إلا عن طريق التجربة، أي بالتطبيق الآني والصارم للإستدلال المنطقي raisonnement, على المعطيات التي تمدّ بها الملاحظة والتجربة.

إن المنهاج التجريبي منظوراً إليه في ذاته, ليس شيئاً آخر غير الاستدلال الذي به تخضع الأفكار، وبصفة منهجية، لتجربة الظواهر[4], فهو يمثل منهجاً استقرائياً، حيث يبدأ بدراسة الجزئيات, ليصل منها استقراءاً إلى كليات أو قوانين عامة، في الاعتماد على التحقق بالملاحظة المنظمة, الخاضعة للتجريب والتحكم في المتغيرات المختلفة.

 

طرائق المنهج العلمي التجريبي

النتيجة المراد تثبيتها من قبل التجريبيين, هي أن المعارف العلمية أو الأخلاقية التي يحملها الإنسان, إنما هي من التجربة, وذلك لأن نشاط العقل بأتمه ينطلق من العالم الخارجي, فضلاً عن حياة الناس ومشاكلها, فالأمر الذي آل إليه المذهب التجريبي هو أن التجربة أولاً, ثم العقل ثانياً, وهكذا تتأكد مسلمات المذهب التجريبي في القول أن العقل لا يستطيع أن يبتدع بفطر المعاني والتصورات, وليست له القدرة على خلع صفة الصدق على ما يبتدعه من معرفة, وإن العلم في كل صوره يرتد إلي التجربة.

وقوانين الإستقراء التي وضعها "جون ستيوارت مل" في كتابه "مذهب المنطق", لضبط عمليات البحث التجريبي لتؤدي إلى نتائج سليمة ومعرفة علمية صحيحة، تستخدم في الخطوة الأخيرة من السياق التجريبي العلمي, وهي مرحلة النتيجة, والتي يسبقها تحديد المشكلة موضوع البحث, وصياغة الفرضية، وهي مقولة مؤقتة عن صلة بين حادثتين أو أكثر، أو متحولين أو أكثر, وإجراء الملاحظة أو التجربة, ومن ثم يجري وضع "النتيجة" وفق مجموعة من طرائق المنهج التجريبي, التي يعبر عنها "مل" بكتابه بطرق الإستقراء.

أول الطرائق منهج الاتفاق Method of agreement, الذي ينظر في مجموع الأحوال المولّدة لظاهرةٍ ما لدراسة أسبابها, فإذا وجد أن هناك عاملاً واحداً يظل موجوداً باستمرار, على الرغم من تغيّر بقية العناصر أو المقومات، فيعد هذا الثابت الواحد هو علّة حدوث هذه الظاهرة.

ومنهج الافتراق Method of difference, وهو منهج مضاد في الصورة، لمنهج الاتفاق, لكنه مؤيد له في النتيجة، بما يسمى بالبرهان العكسي, فإذا اتفقت مجموعتان من الأحداث من جميع الوجوه إلاّ وجهاً واحداً، وتغيّرت النتيجة من مجرد اختلال هذا الوجه الواحد، فإن ثمة صلة عليّة "أو سببية" بين هذا الوجه وبين الظاهرة الناتجة, يعد الصلة بين العلّة والمعلول.          

ومنهج التغيرات المساوقة Method of concomitant variations, فلو حصلت سلسلتان من الظواهر فيها مقدمات ونتائج، وكان التغير في المقدمات في كلتي السلسلتين من الظواهر, ينتج تغيراً في النتائج في كلتي السلسلتين كذلك، وبنسبة معينة، فلابد أن تكون ثمة صلة عليّة بين  المقدمات وبين النتائج, أي بين العلّة والمعلول.    

المنهج المشترك للاتفاق والافتراق The joint Method of agreement and difference

فإذا كان شاهدان أو أكثر من الشواهد التي تتجلى فيها الظاهرة تشترك في ظرف واحد، بينما شاهدان أو أكثر من الشواهد التي لا تتجلى فيها الظاهرة, ليس فيها شيء مشترك غير الخلو من هذا الظرف، فإن هذا الظرف الذي فيه وحده تختلف مجموعتا الشواهد, هو المعلول أو العلّة أو جزء لا غنى عنه من الظاهرة.      

ويطلق على هذه الطريقة أو المقاربة في البحث, بالتركيبية "الاستقرائية", كونها تتجه وفق تسلسل علمي لتركيب نتيجة نهائية, استناداً الى حالات انفرادية ملاحظة, والاستقراء نوعان, الأول مبني على أساس المشاهدة الجزئية المتيسرة في مسار البحث, لجزء وعينة بحثية من المفردات المشمولة بمجتمع البحث, ويسمى بالاستقراء الناقص, بينما يكون "الاستقراء التام", مبنياً على أساس المشاهدة التامة لجميع مفردات الظاهرة, وتكامل البيانات والمعلومات عن جميع الوحدات البحثية, وهو ما سيجري مناقشته في مبحث المنهج الإمبريقي.

 

الإمبريقية والمنهج الإمبريقي في البحث

"الإمبريقية"[5] أو المنهج الإمبريقي في البحث, تعني اكتساب المعرفة من خلال الملاحظة, في التعرف على الأشياء والظواهر وتجريبها بواسطة الحواس, وهذه التقنية قديمة منذ قدم الحضارة, وفي الأدبيات المعاصرة تعرف بالمنهج الإمبريقي Empirical method, وهو لا يكتفي في التعرف على الأشياء والظواهر وفهمها من خلال الفكر أو التشبث أو الحدس أو السلطة, بل من الضروري فيه اختبارها بالحواس الخمسة, التي تشكل المقدمة للتوثق بها, والتي يعبر عنها بالمفاهيم أو القيم أو المقادير الإمبريقية, الخاضعة للتجربة والملاحظة المباشرة باللمس أو التحسس المادي المباشر.

 

الجذر اللغوي لمفردة "الإمبريقية"

تطلق بعض الأدبيات المنهجية العربية على "الإمبريقية" بالتجريبية, ترجمة لها عن اللاتينية experientia  بمعنى الخبرة أو التجريبية, وباليونانية[6]“Emperismos”. 

إن المفردة الإنجليزية  empiricمشتقة عن المفردة اليونانية القديمة emperia[7] المتشكلة من مفردتي "έυ"in , وتعني من داخل أو في, زائداً[8] "peira" وهي بالإنجليزية trial, experiment, وتعني الخبرة أو الاختبار أو التجريب والمحاولة, وقد تحول أول المفردة الى الحرف m بما يشبه الإدغام في العربية.

وبذا يكون المعنى الحرفي للمفردة هو الاختبار الضمني في داخل التجربة, ومن الخطأ في التجربة, أو من أخطاء التجربة, وهي تتماهى مع المفردة اللاتينية القديمةa posteriore    وتعني "ما بعد التجربة" مقابل المفردة اليونانية الإغريقية القديمة"[9] proempericos  ومرادفتها اللاتينية القديمة a priori, التي تعني "ما قبل التجربة".

 

مقاربة لمفهوم الإمبريقية والمنهج الإمبريقي

إن الإمبريقية توجه فلسفي, يؤمن أن كامل المعرفة الإنسانية تاتي بشكل رئيس عن طريق الحواس والخبرة, وتنكر وجود أية أفكار فطرية عند الإنسان, أو أية معرفة سابقة للخبرة العملية.

وعليه فإن الإمبريقية تفهم بالنقيض من الميتافيزيقية metaphysics, التي تعني ما وراء الطبيعة أو وراء الطبيعي, والتي هي صياغة لغوية عن اليونانية”metafisikos” [10] أو "metafisiky", المركبة من المفردة "meta" التي تعني بعد, و"fisikos" التي تعني الطبيعي, وهي الصفة المشتقة من المفردة "fisy " التي تعني "الطبيعة". ولذا عبر فلاسفة المنهج اليوناني عن الميتافيزيقية, إنها تبدأ حيث تنتهي الإمبريقية, وذلك للفصل بين المنهج المادي الحسي التلمسي, والمنهج التصوري التخيلي.

لقد بنى كل من "آرسطوطاليس، وأبيقراط، وغالن، وكوبرنيكوس, وغاليليو, وداروين", استنتاجاتهم حول الطبيعة إلى حد كبير، من خلال ملاحظاتهم, وقد رفضوا المفاهيم غير الإمبريقية، المعززة دينياً، التي كانت شائعة في عصرهم متجاوبة مع السلطة والعقلانية, إن الباحث الذي يتبع المنهج الإمبريقي, هو الذي تشير إليه حواسه, وتقوده إلى العمل الصائب, حسب اعتقاده.  

إن اعتماد المنهج الإمبريقي لوحده, في التوصل إلى المعرفة الحقيقية، غير كاف، وقد يؤدي بالبحث إلى استنتاجات خاطئة وأحياناً خطرة, بما يسمى بالإمبريقية "البسيطة" مقابل الإمبريقية "المتطورة", إذ إن اشتراط رؤية الأشياء وتحسسها بشكل مباشر كمقدمة لمعرفتها أو الإيمان بها, لا يستقم بالضرورة مع الكثير من المباحث واستنتاجاتها, إن هذا الإشكال البحثي, كان السبب في ظهور ما سمي بالإمبريقية "المتطورة". 

وفي حال اقتصار النشاط العلمي والبحثي في تجميع الوقائع فقط، باتباع المنهج الإمبريقي الصارم, فإن ما يخلص إليه البحث عندئذ, ليس بمقدوره التوصل الى كيفية ترابط هذه الوقائع وعلاقتها ببعضها، وماذا يمكن أن يكون معناها.

إن للوقائع والظواهر الملاحظة, فائدة كبيرة قي البحث العلمي, حينما يعتمد البحث في ملاحظته وتنظيمه لها على الاستدلالات الجاري استنتاجها, من خلال المعاني التي تساعد في التنبوء حول مسار المظاهر الكونية والمجتمعية المحيطة, وعليه كان على الأمبريقية أن تندمج مع العقلانية ومع التفكير المنطقي، بشكل يدعم كل منهما الآخر.

يعد المنهج الإمبريقي, من أقدم مناهج البحث في التاريخ القديم, غير أن الاستخدام المعاصر الأول لهذا المنهج, كان في دراسة التأثير المباشر لوسائل الإعلام والاتصال على جمهور المتلقين, من خلال المقاربة التجريبية الإمبريقية الامريكية لدراسة تأثير السينما في المجتمع, تحت عنوان "البحث في آثار وسائل الإعلام", فكانت الخطوة الأولى, تصنيف وتقسيم المشمولين بالبحث, في محاولة قياس الآثار المباشرة للاتصال على الجمهور, وهذا المنهج ظهر في أقسام الإعلام بالجامعات, بتمويل من الشركات والأحزاب السياسية, فكان هؤلاء الممولين يطلبون من الجامعات دراسة إشكاليات محددة, ثم انتشر هذا النوع من البحوث في مجالات وتطبيقات أوسع, شملت أيضاً الدراسات المناخية والاجتماعية.

 

المقارنة بين المنهج الإمبريقي والمنهج التجريبي "العلمي"

تقع الكثير من أدبيات المنهج في اللبس بين المنهجين المذكورين, حيث تترجم المنهج الإمبريقي أيضاً بالتجريبي أو التجريبية, وذلك بسبب التشارك في الجذر اللغوي بينهما, المشتق عن مفردة "التجربة" perama أو perea في اليونانية[11]. في حين أن المفردة بشكل حرفي أدق, تترجم عن اليونانية, بالمنهج "الفاعل في داخل التجربة وأخطائها", وبالتالي يحصل اختلاف الترجمة في المصادر باختلاف الأدبيات, مما يفضل ترك مفردة "الإمبريقي" دون ترجمة دفعاً للبس مع مفردة "التجريبي", التي تعود للمنهج العلمي التجريبي المعروفmethod  Experimental, ترجمة حرفية عن اليونانية”peramatiky methodos” [12]  .

وبمقاربة الفرق الدقيق بين المنهجين في المعنى والطريقة والأسلوب والنطاق البحثي, يتبين أن المنهج الإمبريقي بشكل عام يعتمد على جمع مجموعة بيانات, التي يؤسس عليها نظرية, أو تخلص لاستنتاجات في العلم, معروفة سلفاً, وهي الحقائق التي تعرف بالقيم الإمبريقية, فعند القيام مثلاً بتجربة قياس درجة غليان الماء, الذي هو معروفاً عند 100 درجة مؤية, فستخرج النتائج عن 101 مثلاً, فالرقم 100 هو القيمة الإمبريقية والأخرى هي التجريبية.

عليه فإن أية تجربة يقوم بها الباحث هي ضمن المنهج التجريبي, بينما المنهج الإمبريقي يعتمد على رزمة من  البيانات, تسبق أية تكهنات أخرى, أو بدون أية فكرة عن ما يمكن توقعه، ويكون مناقضاً لأكثر المناهج النظرية, مسترشدة بالتوقعات النظرية الأولية المستكشفة, إن المنهج الإمبريقي ضروري في دخول الحقول غير المستكشفة أو التي تتطلب استكمالاً.

يعبر عن النظرية وفق المنهج العلمي "التجريبي", بالمفاهيم التي يتوصل إليها الباحث بناءاً على ملاحظته لتجربة أو مجموعة تجارب أو حدث أو مجموعة أحداث, الهدف منها هو الوصول إلى استنتاجات علمية, تصف علاقات وظيفية بين متغيرات يتم قياسها أو استقرائها, ويسبقها "فروض" علمية يضعها الباحث, لمعرفة العلاقة بين تلك المتغيرات, بهدف الوصف أو التنبوء أو التحكم في الظاهرة المدروسة, وبالتالي التوصل الى قوانين أو مسالك مقترحة كمخارج للبحث.   

أما منهج "الامبيريقية" أو التجريبية, فيعبر عن الخبرة، التي مصدرها الحواس, وبالتالي فإن المعرفة الإنسانية تستمد شرعيتها من مرورها بهذه الحواس, حتى تصبح بذلك قابلة للتحقق من صحتها, وعليه وفق "الإمبريقية" يجري دراسة المجتمع الإنساني بالاحتكام إلى الواقع المحسوس, وليس لعيّنة معينة, سواء في اختيار المشكلة وجمع الحقائق, أو تصنيف البيانات وتحليلها.

 

الأداة "الإيبستيمولوجية" في البحث العلمي

إن التخصصات العلمية, هي الحقول العلمية للبحث والدراسة, كعلم الاجتماع وعلم الكيمياء وعلم النفس وعلم الطبيعة وعلم التاريخ وسواها, أما التخصصات المعرفية فهي التي تشكل أدوات البحث لدراسة هذه الحقول العلمية, مثل الاحصاء والإيبستيمولوجيا.

وتشكل "الإيبستيمولوجيا" أداة بحثية علمية مهمة في دراسات التراث العلمي, فمن خلالها تجرى البحوث والدراسات في التراث العلمي باتباع مناهج البحث التاريخي, سواء النقلي بدراسة البيانات المجمّعة من المصادر, أو التجريبي بعرض وتحليل الوقائع والأحداث, والاتجاهات الخاصة بحقبة زمنية أو ظاهرة معينة, واستقراء النتائج منها, لإدراك الفكر فيها ولفهم الحاضر وتشخيص كينونته, بالإفادة من الوثائق وعلم الأركيولوجيا "دراسة الاثار".

وتجري الدراسة باستخدام المنهج التحليلي والنقدي والمقارن وغيرها, وفقاً لطبيعة البحث, فيما يجري محاكمة التراث العلمي ضمن الأدوات الإيبستيمولوجية, لدراسة مقدماتها ونتائجها, وما أفضت إليه, وفق البحث في "فكر العلم" أو المعرفة العلمية, فيما ينصرف "تاريخ العلم" في البحث في العلم ومراحله دون فكره.

الإبيستيمولوجيا  Epistemologyهي أداة بحثية لدراسة المعرفة في العلوم وتطورها, وهي دراسة نقدية لمبادئ العلوم المختلفة وفرضياتها ومناهجها ونتائجها, تهدف إلى تحديد أصلها المنطقي وقيمتها الموضوعية[13], وهي قد تطلق على نظرية المعرفة بوجه عام, فتكون أحد فروع الفلسفة الذي يبحث في أصل المعرفة, وتكوينها ومناهجها وصحتها.

 

الجذر اللغوي لمفردة "الإبيستيمولوجية"       

لا تتفق أدبيات المناهج البحثية وعلم المنهج methodology في تحديد المعنى الدقيق لمفهوم الإبستمولوجيا, ولأجل تحديد الإطار اللفظي والعرفي العام لهذا المفهوم, ستجري مقاربته في جذره اللغوي, من خلال الأصل اللغوي الاشتقاقي لهذا اللفظ من اليونانية القديمة.

إن المصطلح في العموم مستحدث, وجديد الاستخدام, وهو غير متضمن في المعاجم الفلسفية مثل معجم "لاروس وروبرت", في حين أنه ظهر في ملاحقها, مما يؤكد حداثة المفردة, غير أن الصياغة اللغوية لها, مشتقة من مفردات يونانية قديمة, انتقلت الى اللغة اليونانية المعاصرة منسجمة مع الاستخدام المعاصر. 

مصطلح الإيبستيمولوجيا, مركّب من مفردتين, "إبستيمي"epistemy [14] وتعني العلم, و"لوجوس"[15] logos والتي تعني الكلام والنطق في اليونانية القديمة, وفي اللغة المعاصرة تدل في المركب اللغوي على العلم والمعرفة  والنطق أو المنطق والنظرية والدراسة.

وبذلك تتضح علاقة المصطلح بنظرية المعرفة عند تحليله لغوياً, وبالتالي فإن كلمة "إبستمولوجيا" تعني حرفياً علم العلم، أو الكلام في العلم, أو منطق العلم, أو نظرية العلم .

ولميل العربية نحو ترجمة المفردات الداخلة إليها, فقد عرّبت الإيبستيمولوجية الى "نقد العلوم"، باعتبار النقد "إيضاح وتقويم يصدر حكماً في أمر, بما له وما عليه معاً"، فهي نقد للعلم أكثر منها "علم للعلم"، الذي ينزع عنها صفتها الفلسفية، وكذلك فإن التعريب الى "نظرية العلم" يبدو حطّاً من مكونها الفلسفي، إذ يُلحقها بالعلم فينزع عنها رؤيتها الفلسفية.

كما وعبرت عنها بعض الأدبيات المنهجية العربية بأنها "فلسفة العلوم", ترجمة عن اللفظ الذي شاع تعبيراً عنها, خاصة في بدايات استخدامها, غير أنها ليست بوجه خاص, دراسة للطرائق العلمية، التي تجري في علم المناهج "الميثودولوجيا", مما يسقط أيضاً سلامة هذا التعبير.

كما أنها ليست منهجاً لتركيب وانتاج قوانين علمية, أو استباقها بالافتراض, بما يتماهى والمنهج "العلمي" التجريبي, والذي يشتبه بينهما بسبب وحدة الجذر اللغوي في اليونانية من مفردة "العلم" "ايبستيمو", لجهة إطلاق تعبير العلمي عادة, حصراً للمنهج التجريبي, ولذلك عرّبت أيضاً "بالمعارفية" ضمن اختيار وسطي للمعنى, لا يستقم أيضاً بالدقة البحثية.

ويثبت الموروث العلمي الثقافي العربي, إنه قد استخدم الايبستيمولوجيا بسابقة بعيدة, حيث أن كتاب بن رشد "الكليات في الطب" المصنف في القرن الثاني عشر, يثبت أن الثقافة العربية الإسلامية, هي الأسبق الى فلسفة العلم في التأليِف والتصنيف, ولم يظهر ما يماثله في موضوعه إلا في القرن التاسع عشر، حين أصبحت فلسفة العلم موضوع اهتمام, وإذن فكتاب بن رشد هو أقرب أن يكون كتاباً في فلسفة علم الطب، وتطور الفكر العلمي فيه, أو "الايبستيمولوجيا"، بالمعنى واللفظ المعاصر[16].

غير أن مباحث فلاسفة الغرب, يرجعون الإبستيمولوجية المعاصرة الى الفيلسوف هيوم (1711-1776)[17], وذلك لارتباط التأليف تقليدياً بتأريخ العلم, الذي موضوعه تتبّع الكشوف العلمية وممارستها عبر التاريخ وفي الحضارات المختلفة، بينما تهتم فلسفة العلم بتأريخ تطور الفكر العلمي، رؤيةً ومفاهيمَ ومناهجَ, كما عبر عنها الفيلسوف هيوم, وهو الذي نقل الى الثقافة العربية المعاصرة, عبر أبحاث المستشرقين السباقين بالاستفادة من المخطوطات العربية.

وعليه يخلص المبحث, أن جميع الأدبيات المعاصرة في اللغات الأوربية وغيرها, تستخدم المصطلح "الايبستيمولوجية" كما هو في الصيغة اليونانية دون تغيير, لأسباب تتعلق بالدقة في الدلالة اللفظية, وعليه، فإن الأدبيات العربية, يفضل لها عدم التعريب لهذه المفردة حصراً, للسلامة العلمية والبحثية, بالرغم من توفر الإمكانية اللغوية في العربية لذلك.

 

المفهوم المعاصر للأداة "الايبستيمولوجية" والبحث في التراث العلمي

استقر مفهوم "الايبستيمولوجية" في صيغته المعاصرة, ليعني الدراسة النقدية للعلم أو نظرية المعرفة العلمية، وبمعنى آخر فإن هذه الأداة المعرفية تختص بدراسة منتجات المعرفة العلمية ومبادئها وأصولها، من منظور نقدي، ولذا تعرف بأنها معالجة نقدية لمبادئ العلوم المختلفة وفروعها ونتائجها, بهدف التوصل إلى إرساء أساسها المنطقي، كما وتنشد تحديد قيمة هذه العلوم ودرجة موضوعيتها.

فهي تتخذ العلم موضوعاً لها، لتتناوله بالبحث والاستقصاء, للوقوف على مبادئه وقضاياه النظرية الأولية وقيمه ومعاييره، وعلى مقارباته للواقع، وهي بهذا تتناول أصوله التاريخية، بتتبع مراحل وعوامل تقدمه، وتحاول الكشف عن أسباب وفترات تقهقره[18].

وهي تسعى ضمن هذا التناول التاريخي التتابعي للمعرفة العلمية, لتجاوز التتبع السردي والانتقال إلى الفحص النقدي الثاقب, لتشكل المفاهيم المعرفة العلمية, وتطور مدلولاتها وقضاياها النظرية.

إن دراسة الحياة الداخلية لأي علم تتم في مختبر الإبستيمولوجية, ضمن منهج تاريخي ووفق مقاربات نقدية, فهي أداة بحثية علمية لدراسة حقول التخصصات العلمية والمعرفية, وهنا قد تشترك الإبيستيمولوجيا في المقاربة مع تاريخ العلوم وتاريخ الفلسفة, غير أن البحث التاريخي العام لا ينصرف الى دراسة الفكر أو النتاج الفكري للعلم, مما يؤكد أهمية اتباع الأداة الإيبستيمولوجية في دراسة التراث العلمي, لمحاكمة مخرجاته الفكرية ونتائج تاثيره في الحياة والمجتمع وحركة التاريخ[19].  

وإن الإبستمولوجيا، دراسة نقدية لمبادئ مختلف العلوم وفرضياتها ونتائجها بغية تحديد أصلها المنطقي وليس النفسي, وقيمتها ومداها الموضوعي, فهي نظرية المعرفة العلمية حصراً, فتختلف عن نظرية المعرفة التي تنصرف الى تكوين المعرفة الإنسانية من حيث حدودها, في حين تنحصر الإيبستيمولوجيا في المعرفة العلمية فقط, لذا فإن الأولى إطلاقية عامة وشاملة, في حين تضع الثانية محدد تاريخي دون إجابة مطلقة, وبذا فإن الإيبستيمولوجيا ترى في نظرية المعرفة عائقاً في تطور المعرفة العلمية.

كما وأتت الإيبستمولوجيا على ما يعرف "بفلسفة العلم", التي تولدت من علاقة الفلسفة بالعلم, مثل علاقة العلم بالمجتمع وتأثيره في تكوين النظرة الفلسفية الى الطبيعة والكون, وهي تساهم في التمييز بين الانتاج العلمي والانتاج الأيديولوجي, بما يميزها عن فلسفة العلم.

 

الإبستيمولوجيا بين تاريخ العلم وتاريخ فكره

وتتميز الايبستيمولوجيا عن دراسة تاريخ العلم, لأنها تدرس تاريخ فكر العلم ومقدماته ونتائجه, فبينما يدرس تاريخ العلم أو البحث التاريخي, الأفكار بوصفها وقائع أو حقائق ضمن السياق السردي التاريخي, فإن الإيبستيمولوجيا تلزم الباحث بدراسة الوقائع بوصفها أفكار, ثم تدمجها بنظام تفكير معين. وعليه فإن الواقعة المفسرة خطأ بالنسبة للبحث التاريخي العام في أي عصر, تبقى مجرد واقعة, في حين أنها بنظر الإيبستيمولوجيا, تكون بمثابة عقبات للبحث والدراسة, أي إنها تشكل فكراً مضاداً[20], لذا فإن الباحث فيها يتبع المنهج التاريخي النقلي والتحليلي وحتى الإحصائي والتجريبي.

وكما أن أية نظرية للمعرفة لا ترتبط بالإبستيمولوجيا, تصبح عبارة عن تأملات في فراغ، فإن أية محاولة في الإبستيمولوجيا لا تربط نفسها بتاريخ العلم, تصبح عبارة عن ظل بدون معنى للعلم, الذي تزعم الحديث عنه ودراسة مقدماته ونتائجه. 

ومن هذا المنطلق فإن دراسات التراث العلمي لابد أن تتبع المنهج الإيستيمولوجي المتكامل مع مناهج البحث المنسجمة والمفروضة في مذاهبه, مع الأدوات الإيبستيمولوجية, في البحث والدراسة, من خلال تاريخ فكر التراث العلمي ونتاجه, والبحث في مقدماته ونتائجه.

 

مفهوم الإيبستيمولوجيا والسلوك الفردي والمجتمعي

ومن وجهة بحثية أخرى, ينظر للإيبستيمولوجيا على أنها البنية المعرفية والمخزون الثقافي والاعتقادي والنفسي, الوظيفي والتاريخي, للجماعات البشرية عموماً, التي تؤثر وتحدد لديهم طبيعة الاستجابة للحدث, ورد الفعل أزاءه, من لدن الفرد والجماعة والمجتمع والدولة, أو المنظمة بشكل عام في مفهوم علوم الإدارة الحديثة.

إن مفردة "الثقافة" في العربية, قد تتحدد معناها بمجموعة المعارف المكتسبة, أو يفهم منها الخزين المعرفي والقدرة الابداعية للفرد[21], أما المفردة الإنجليزية المرادفة culture  فهي تنصرف لمفهوم أوسع, لا يستوعب نفس المفهوم والادراك اللغوي العربي للمفردة بدقة, ليشمل في الإنجليزية, مجموعة التقاليد والعقائد والموروث التاريخي والديني والحضاري, والأعراف المجتمعية, والمستوى الفكري العلمي والابداعي الفردي والمجتمعي المتشكل من الإرث التاريخي الحضاري[22].

وعليه يشكل "الحدث" المدخل الى وعاء المعالجة, الذي وفق طبيعة الإيبستيمولوجيا تتحدد المخارج منه بشكل ردود الأفعال لدى المستجيب, فرداً أو جماعة, وعليه تكون الإيبستيمولوجيا, المادة النظرية المعرفية التي تفرض اختلاف الاستجابة لدى الأفراد والمجتمعات لنفس الحدث, وفق البنية المعرفية للمستجيب, فالإيبستيمولوجيا العربية والإسلامية عموماً, تحمل الكثير من الممنوعات والتحديدات والمحرّمات, والرهبة أو الإنكفاء والحياء الأخلاقي التربوي والسلوكي, أو المخاوف "التابوهات" الإعتقادية والدينية والتراثية الموروثة, ما لم تتوفر في الشعوب والثقافات الأخرى, في الزمن "الإمبريقي" المعاصر على الأقل, مما تنعكس على السلوك الفردي والمجتمعي العربي والإسلامي, الذي يميزه عن سواه من المجتمعات والثقافات الأخرى.

وعليه فإن هذه المقاربة للإبستيمولوجيا, تشكل مادة للبحث ومعطيات للدراسة المنهجية, التي تؤشر مخرجاتها اتجاه السلوك العام, وطبيعة القرارات المتوقعة للشعوب والمجتمعات والأفراد, إزاء المتغيرات والتحديات.

 

المنهج النقلي في البحث    

وهو المنهج البحثي العام الثالث, بعد المنهجين المنطقي العقلي الاستنباطي, والتجريبي الاستقرائي, وهو يتخذ  طريقة دراسة النصوص المنقولة, ويعتمد بشكل واسع في المناهج البحثية التاريخية الاستردادية, بقدر تعلق البحث في التراث العلمي, لجهة التحقيق في المخطوطات, والموروث الثقافي والفكري.

ويقوم هذا المنهج على عناصر عامة, من بينها توثيق إسناد النص إلى قائله, بمعنى التأكيد على صحة صدوره, ويتأتى هذا بالرجوع إلى المنهج البحثي الخاص, في المجال المعرفي الخاص به، كعلم الرجال في دراسة أسانيد أحاديث الأحكام الفقهية، وتاريخ الرواة العاربة والحاضرة في دراسة اللغة والأدب, وفي المقابلة بين النسخ المتيسرة من الموروث المخطوط في دراسات التراث العلمي, ضمن علم دراسة المخطوطات[23], واعتماد مصادر متنوعة في البحث.

وكذا يتوجب فيه التحقق من سلامة النص, بمعنى التأكد من أن النص لم يدخله التحريف أو التصحيف أو الزيد أو النقص, بمعنى انه على صورته الأولى عند تحريره, كما قاله قائله.    

ويتوجب في المنهج النقلي أيضاً فهم مدلول النص, ويتأتى هذا بالرجوع إلى الوسائل والأدوات العلمية المقرر استخدامها لذلك، وتعرف في ضوء المنهج الخاص بحقله المعرفي كعلم أصول الفقه بالنسبة إلى معرفة مداليل النصوص الفقهية من آيات وروايات, أو الرجوع الى الوثائق المادية في البحث التاريخي. وإن مجال استخدام هذا المنهج, هو كل معرفة مصدرها النقل.


المنهج الوجداني في البحث

هو طريقة الوصول إلى معارف التصوف والأفكار العرفانية, والوجدان يوازي الحصول على المعرفة، عند مريدي هذا المذهب في المنهج, ذلك أن الحصول على المعرفة يعني إعمال الفكر والروية، بينما الوجدان يعني وجود المعرفة من غير إعمالٍ لفكرٍ أو روية, وهو نوع من الإلهام معتضداً بالنصوص المنقولة في إطار ما تؤّول به على اعتبار أن دلالتها من نوع الإشارة لا من نوع العبارة. وقد لا يعتد بهذا المنهج في البحث العلمي, وانما يتبع في نقل الصور الجمالية والروحانية, وقد تطلب إدراجه استكمالا للتصنيف العلمي.فضلا إنتظر...

www.alshirazi.com


[1]   الشيخ محمد رضا المظفر, الاستاذ الشيخ, كتاب المنطق.

[2]  عبد الهادي الفضلي, الاستاذ الدكتور, كتاب مصادر أصول البحث.

[3]  غاليليو جاليلي, عالم فلكي وفيلسوف وفيزيائي، ولد في بيزا في إيطاليا في العام  1564 وفيها درس الطب والهندسة والرياضيات, نشر نظريته في الحركة والكون ودافع عنها بقوة على أسس فيزيائية، وقام بذلك عن طريق الملاحظة والتجربة, وهو أول عالم أوربي يطبق طرق التجريبية "المنهج العلمي التجريبي" في البحوث العلمية. توصل الى فتوحات علمية تقاطعت مع الافكار السائدة في الكنيسة, مما تسبب بالحكم عليه بالموت, ثم نفي وتوفى في سجنه في العام 1642. وقد مهد ذلك وغيره الى الولوج بعهد النهضة الاوربية, التي تمثلت في فصل الكنيسة عن سلطة الدولة, وانهاء سطوتها على الحياة العلمية والثقافية والفنية. وقد قدمت الكنيسة اعتذاراً لغاليلو في العام 1983.

[4]   محمد عابد الجابري, الاستاذ الدكتور, "ابن رشد سيرة وفكر", مركز دراسات الوحدة العربية , بيروت, 1995.

[5]  Empirical في الإنجليزية, بالتكييف اللغوي, والنقل الحرفي عن المفردة اليونانية Empeirikós وفي الأبجدية اليونانية Εμπειρικός. جيورجي بامبينيوتي, "أستاذ )بروفيسور( علوم اللغات", معجم اللغة اليونانية المعاصرة, وبحث في المفردات اللغوية, جامعة أثينا, 2008

[6]    تكتب بالأبجدية اليونانية  εμπειρισμός

[7]     تكتب بالأبجدية اليونانية   έμπειρία

[8]   تكتب بالأبجدية اليونانية , πεἳρα

[9]   اللغة اليونانية القديمة  Greek ancient التي تطورت عنها اليونانية المعاصرة, بتغيير في بعض الأبجدية وظهور مفردات لغوية جديدة معاصرة, واندثار أخرى, ومن المفردات التي لم تعد متداولة في المعاصرة, وكذا في أدبيات المنهج proempericos    ومرادفتها اللاتينية القديمة a priori.

[10]   تكتب باليونانية Μεταφυσικός  , وتم ادراج المفردة اليونانية بالابجدية اللاتينية "تجاوزاً"وكذا المفردات التي سترد لاحقا, لأجل ان يتسنى قراءتها لغير المطلّع على الأبجدية اليونانية "الاغريقية الهيلينية".

[11]   في الأبجدية اليونانية تكتب πείραμα, جيورجي بامبينيوتي, "بروفيسور علوم اللغات", مصدر سابق.

[12]   perameky methodos , وفي الابجدية اليونانية تكتب πειραματική μέθοδο. المصدر السابق.

[13]   لالاند,  A. Laland, المعجم الفلسفي.

[14]   تكتب بالأبجدية اليونانية επιστημη.

[15]  تكتب بالأبجدية اليونانيةλογοσ  وهي تعني باللغة اليونانية المعاصرة حرفياً "خطاب", فيما أن كلمة λογια logia”" في المعاصرة تعني "كلمات" بصيغة الجمع, وعن هذا الجذر اللغوي أيضاً, قد اشتقت مفردة "المنطق" logic, التي تكتب باليونانية المعاصرة λογικη "logiky", والمتداولة لغوياً في اللاتينية وسائر اللغات الأوربية للدلالة عن علم المنطق, في حين تعني "العلم" في معظم التسميات الدالة عن العلوم, مثل  psychologyعلم النفس, وanthropology علم الانسان, وmethodology علم المناهج, عن, المعاجم اللغوية, و جيورجي بامبينيوتي, "أستاذ علوم اللغات", مصدر سابق.

[16]   أد محمد عابد الجابري, "الكليات في الطب" لابن رشد, تحقيق, مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت .

[17]   عبد السلام بن ميس, "الابستيمولوجيا الهيومية, وجهها النقدي وأساسها المنطقي".

[18]    عبد السلام بن عبد العالي, سالم يفوت, درس الابستيمولوجيا, دار توبقال للنشر, الدار البيضاء, 2001.

[19]    روبير بلانشيه، نظرية المعرفة العلمية "الابستيمولوجيا"، ترجمة حسن عبد الحميد، مطبوعات جامعة الكويت،1987.

[20]   غاستون باشلار، تكوين العقل العلمي، مساهمة في التحليل النفساني للمعرقة الموضوعية، ترجمة خليل أحمد خليل، المؤسسة   الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط2, بيروت، 1982 .

[21]   يطلق على هذا التعبير في مباحث الالفاظ, ضمن البحوث الفقهية الاصولية, بالمعنى العرفي والفهم العرفي, وهو معنى المفردة لغوياً, الذي تنصرف اليه ذائقة ابناء اللغة حصرا, الذين تكون لغتهم الام, وعادة يصعب على المستخدم للغة دراسة, من كشف غمارها. ويهتم المراجع المحققون الأصوليون, وخاصة في المدرسة الفقهية التقليدية, في مباحث حجية النص اللفظية, التي تعتمد المنهج النقلي, ومباحث اللغة العربية وآدابها, باعتبارها علماً طريقياً للاستدلال, ضمن الأدلة الأربعة في البحث الفقهي الاصولي.

والى اهمية العرف اللغوي للعربية في البحث الفقهي, يؤكد الموروث البحثي في "الاصول ومباحث الالفاظ", للمجدد السيد محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي, و"المعالم الجديدة في الاصول والاستدلال", للسيد محمد باقر الصدر.   

[22]   والثقافة بهذا المعنى  تشكّل أيضاً إحدى المرتكزات الأساسية للعقيدة الوطنية, والتي تتشكل على أساسها الاستراتيجية العامة, أو ما يطلق عليها, الاستراتيجية الوطنية أو العلياGrand Strategy . عن, د. هيثم طالب الحلي الحسيني, الاتجاهات الحديثة في الاستراتيجية الوطنية العليا, بحث منشور, مجلة الدفاع, جامعة البكر للدراسات العسكرية العليا, بغداد, 1997.

[23]   "الفيلولوجيا", علم دراسة النصوص وتحقيقها في المخطوطات الموروثة, أما "الكودكولوجيا", فهو العلم الذي يدرس المخطوطات ماديا, بصفتها وثيقة ومادة أثرية موروثة, الحلقة الدراسية الموسومة "منهج البحث التتريخي ودراسة المخطوطات",  تنشر لاحقا.

15/رجب/1432