المناهج والمنهجية - المنهج التاريخي والبحث في التراث العلمي/16


 

"دراسة أكاديمية تحليلية ومنهجية"

 

         د.هيثم الحلي الحسيني

"الحلقة السادسة عشر"

المنهج التاريخي والبحث في التراث العلمي

 

موقع الإمام الشيرازي                                                                                                    

مقاربة تعريفية في منهج البحث التاريخي                                                                                      

يقصد بمنهج البحث التاريخي, طرائق الوصول إلى المبادئ والقوانين العامة، عن طريق البحث في أحداث التاريخ الماضية، وتحليل الحقائق المتعلقة بالمشكلات الإنسانية والقوى الاجتماعية التي شكلت الحاضر، ويرجع الباحث فيه إلى التاريخ, عبر محاولة تأكيد الحوادث الفردية أو المنفردة وغيرها, إلى تصوير الأحداث والشخصيات الماضية, بصورة تبعث فيها الحياة من جديد، ومحاولة تحديد الظروف التي أحاطت بجماعة من الجماعات وبظاهرة من الظواهر منذ نشأتها, لمعرفة طبيعتها وما تخضع له من قوانين، وينصرف منهج البحث التاريخي في دراسته للماضي, من خلال مروره بمرحلتين بحثيتين أساسيتين, وهما مرحلة التحليل ومرحلة التركيز.                                              

تبدأ المرحلة الأولى بجمع الوثائق ثم تصنيفها وتنقيحها وتمحيصها, ونقدها وتقييمها والتأكد من شخصية أصحابها ومنتجيها والمرتبطين بها, وتنتهي إلى تحديد الحقائق التاريخية الجزئية، ثم تدخل المرحلة الثانية, وينصرف فيها الباحث الى تصنيف هذه الحقائق, وتحديد النتائج من مقدماتها, ثم الخروج باستنتاجات منطقية عنها, في استقراء جزئياتها, وعرضها بشكل منطقي متسلسل, والتأليف حينها تأليفاً عقلياً.     

ومن أجل أن يصبح التاريخ دراسة, تستحق كل الجهد الذي يبذل فيه, هناك أربعة أسئلة, يحسن أن يجعلها الباحث في التاريخ نصب عينه, ثم محاولة الإجابة عنها، وهذه الأسئلة هي ما هو التاريخ, وما هو موضوعه, وما هو أسلوبه, وما هو هدفه, أو أهدافه.

 

مفهوم البحث التاريخي                        

إن التاريخ هو شكل من أشكال البحث العلمي, يندرج تحت ما نسميه "العلوم"، والعلم بصفة عامة, لا يخرج عن كونه محاولة لتركيز الجهد حول شيء لا نعرفه، فالعلم هو الكشف عن حقيقة الأشياء، وهذا هو المعنى المقصود من التاريخ بصفته علماً, في الكشف عن حقيقة الاحداث والوقائع, ودور العنصر البشري فيها.

والتاريخ يبحث عن أسباب تسلسل الظواهر, ويحاول ربطها إلى بعضها, وتعليلها تعليلاً يقبله العقل, والإنسان هو الوحدة التي يدور التاريخ حولها، وكل جهد لمحاولة عزل فئة من الناس, خارج تاريخ الإنسان، إنما هو جهد فاشل, والخلاصة أن التاريخ له منهج خاص, غايته بلوغ المعرفة, عن طريق تسلسل الحوادث, لا عن سبيل وضع القوانين المجردة, فهو علم بكافة مقوماته, ومفردات تقنينه.

والتاريخ يحتاج أيضاً إلى ملكة في الكتابة, وقدرات أدبية في الخيال والتعبير, فهو بذلك يلامس الأدب أيضاً, في استحضار أدواته النقدية والحفرية, وبخاصة لجهة دراسة النص التاريخي, ومخرجات التراث العلمي, وكشف الفكر الظاهر فيه, ثم الحفر في أعماق النص, لإظهار المسكوت عنه, وهذه الجزئية في المنهجين النقلي والمنطقي التحليلي في البحث التاريخي, ومن ثم استقراء الوثائق الموروثة, وفق منهج تجريبي, وحتى إمبريقي حسّي, لتشكيل كلّياتها, وعرضها كمقدمات لدراسات لاحقة. 

إن التاريخ بشكل عام كعلم, والمنهج التاريخي في البحث العلمي, تشكل الإجابة عن أسباب ومنشأ الحالة الحاضرة التي نعيشها, والأسباب التي أوصلتها إلى ما هي عليه الآن, وهذا الجهد العلمي, يتطلب اتباع المناهج البحثية ذات الصلة, فضلاً عن الأدوات العلمية التحليلية في البحث.

      

أهداف البحث التاريخي              

العلم عادة، هو الكشف عن فرع أو شكل معين من الحقائق، وكذلك علم التاريخ, وإنّ شكل الحقائق التي يتولّى علم التاريخ كشفها, هي المرتبطة بجهود الإنسان ومنجزاته في الماضي، وبتعبير آخر, فإن التاريخ هو العلم الذي يحاول الإجابة عن الأسئلة, التي تتعلق بما بذلته الإنسانية من جهود منذ كانت.       

إن الهدف من البحث التاريخي, هو انتاج معرفة علمية من الماضي الإنساني, ويعنى بالعلمية, أنها تستند إلى طرائق عقلية وعقلانية, توصل إلى الحقيقة, بقدر ما تسمح به الظروف التي تخضع لها, وهي ظروف تقنية, من خلال "طبيعة الوثائق المستخدمة ووجودها"، وظروف أخرى منطقية, من خلال "تلك التي تحللها نظرية المعرفة" أو "الإبيستيمولوجيا".

وقد لا ينصرف البحث التاريخي العام, الى دراسة الفكر أو النتاج الفكري للعلم, غير أن دراسات التراث العلمي, التي تتشكل فيه, وتعد فرعاً منه, تهدف الى هذه الغاية بكل أبعادها, وهي تشكل نقطة الاتصال بين البحث التاريخي من جهة, والأداة المعرفية الإيبستيمولوجية من جهة أخرى, في دراسة التراث العلمي, ومحاكاة مخرجاته الفكرية, ونتائج تاثيره في الحياة والمجتمع وحركة التاريخ[1].

وتتميز الدراسات التاريخية في التراث العلمي, عن دراسة تاريخ العلم, كونها تدرس تاريخ فكر العلم ومقدماته ونتائجه, وتلزم الباحث بدراسة الوقائع بوصفها "أفكار", ثم تدمجها بنظام تفكير معين, بينما يدرس تاريخ العلم أو البحث التاريخي العام, الأفكار بوصفها "وقائع" أو حقائق, ضمن السياق السردي التاريخي, وعليه فإنّ الواقعة, في دراسات البحث التاريخي في التراث العلمي, تكون بمثابة عقبات أو مشاهد محفّزة للبحث والدراسة, والكشف عن الفكر أو إعادة إنتاجه, لذا فان الباحث فيها, يتبع المنهج التاريخي النقلي والتحليلي, وحتى الإحصائي والتجريبي.

 

مميزات البحث التاريخي     

منهج البحث في الدراسات التاريخية, ذات الصلة بالتراث العلمي, هو بمثابة التفسير للوثائق، التي ينصرف لدراستها البحث التاريخي, والوثيقة هي الشيء الذي يرجع إلى زمان ومكان معينين، وتحمل معلومات ذات طابع خاص, يفكر المؤرخ فيه ويعمل على تفسيره, وبعبارة موجزة, هو وقوف الإنسان على حقيقة نفسه, وليس معنى هذا أن يعرف مميزاته الشخصية, التي تفرق بينه وبين غيره من الناس، وإنما المقصود هو أن يعرف الإنسان طبيعته كإنسان، وما يستطيع أن يعمل وأن يقدم لبني جنسه، وهذا غير ممكن إلا إذا عرف الإنسان ماذا قد فعل في الماضي، وما هي الجهود التي بذلها فعلاً, وعليه فإن قيمة التاريخ ترجع إلى أنه يعرّف بأعمال الإنسان في الماضي, ومن ثم بحقيقة هذا الإنسان.

إن علم التاريخ وسواه من العلوم, تعد أشكالاً من الحقول المعرفية, أما التخصصات المعرفية فهي التي تشكّل أدوات البحث لدراسة هذه الحقول العلمية, مثل الإحصاء والإيبستيمولوجيا, التي من خلالها تجرى البحوث والدراسات في التراث العلمي, باتباع مناهج البحث التاريخي, سواء النقلي بدراسة البيانات المجمّعة من المصادر, أو التجريبي بعرض وتحليل الوقائع والأحداث, والاتجاهات الخاصة بحقبة زمنية أو ظاهرة معينة, وإستقراء النتائج منها, لإدراك الفكر فيها ولفهم الحاضر وتشخيص كينونته, بالإفادة من الوثائق وعلم الأركيولوجيا "دراسة الآثار".


مقومات البحث التاريخي

إن البحث التاريخي, ضروري لفهم الشعوب والأفراد على السواء, وإن دراسة السلوك الفردي والمجتمعي مرتبط بتأثيرات الماضي وتراكماته، والتي تشكل الحاجة المعرفية لربط حاضر الشعوب بماضيها، ولتصبح جديرة بالحياة، ولا بد أن يجري البحث التاريخي, بشكل منهجي وعلمي, لأن دراسة الشعوب والمجتمعات والأفراد, والتعرف على سلوكياتها وأساليب حياتها, وثقافاتها ومتبنياتها الفكرية, يرتبط بالبحث المعمق في العاملين التاريخي والجغرافي, وهو ما تضطلع به الدراسات الأنثروبولوجية والأركيولوجية, التي تشكل امتدادات للبحث التاريخي. ومن اللزوميات أن تتم قراءة التاريخ على خير وجه, فيكون الباحث فيه دقيقاً, وباذلاً طاقته وجهده بصدق وأمانة وعدل, وهذا كله يؤدي إلى الوصول إلى الحقيقة قدر المستطاع, ومن هنا لا بد أن تتوفر فيمن يتصدى للبحث في التاريخ, مجموعة من الصفات والمميزات، وأن تتاح له الظروف التي تجعله قادراً على هذه الدراسة.                      

وأول صفة ينبغي أن يتحلى بها الباحث التاريخي, هي حب الدراسة والصبر, وأن يكون مولعاً ومؤمناً بعمله, فقد يكون البحث التاريخي وعراً وشاقاً، وقد تكون المصاعب التي تعترض الباحث أثناء عمله جمة وكبيرة, مثل ندرة المصادر وغموض الوقائع والحقائق.                 

ولا بد أن يكون الباحث أميناً شجاعاً, صادقا ونافذ البصيرة في عمله, وفي عرض الوقائع وتحليلها بمهنية رفيعية، في إنجاز مفردات البحث العلمي, وخاصة لجهة عناصره الأساس العلمية الحرفية من جهة, وفي المفردات الخاصة بأنسنة البحث العلمي من جهة أخرى, لأن البحث التاريخي ذو تأثير كبير في المجتمع, وفي نشر متبنياته وقناعاته الفكرية والسلوكية, ويتطلب هذا التأثير الخطير, الالتزام المتميز بشرائط أنسنة البحث العلمي[2], وان تكون الأسبقية لها, وإن تقاطعت مع الجانب العلمي المنهجي.                  

ومن الصفات التي لا غنى عنها في الباحث في المنهج التاريخي, هي الحيادية والأمانة العلمية, وعدم الميل الى الرأي والفكرة المنسجمة مع هواه ومتبنياته الفكرية, وفي التجرد تماماً عن عواطفه وميوله الشخصية, وأن يصدر أحكامه وتوصياته العلمية بصورة موضوعية, على أساس الأدلة والوثائق, واشتراطات المنهجية وأدوات البحث العلمي, وبذا تجري دراسة الأحداث والوقائع والسلوك البشري المرافق لها, كما هي حاصلة, وليس كما يرغب به الباحث أن تكون, منسجمة مع قناعاته الذاتية.

ومن صفات الباحث التاريخي, التحلي بالحس المرهف والعاطفة الإنسانية, ليكون متمكناً من إدراك نوازع الآخرين, وتفسير أعمالهم وسلوكهم, والدوافع اليها, وقد تكون مفردات "فلسفة التاريخ" مرجعيات في تحليل سير الوقائع وتحدياتها, وتعليل نتائجها والاستجابة التاريخية لها, فضلاً عن دراسة السلوك الفردي والمجتمعي فيها, وهي متماهية مع القوانين التي وضعها العالم "توينبي", في كتابه " فلسفة التاريخ".


العلوم والمعارف المساعدة في البحث التاريخي                    

يتصل التاريخ اتصالاً وثيقاً بكثير من صنوف العلوم الإنسانية والصرفة، وإن المتخصص في البحث التاريخي, لا بد له من تحصيل جلّ هذه المعارف أو بعضها, مع المعرفة الكافية بأصولها, وتعرف هذه  المعارف, بالعلوم المساعدة في البحث التاريخي.             

تعد اللغات في مقدمة العلوم المساعدة في البحث التاريخي، فمن الضروري معرفة اللغة الأصلية الخاصة بموضوع البحث التاريخي، وهو السبيل الأمثل, الذي يمكن الباحث الدارس, من قراءة النصوص الأصلية بلغتها الأم، وخاصة الوثائق التاريخية المادية والورقية, التي تبحث في الدراسات الاثارية "الأركيولوجية", ودراسة الإنسان "الأنثروبولوجية", فالباحث في موضوعات التاريخ الروماني القديم مثلاً, لا بد أن يكون مطلعاَ على اللاتينية, وكذا المتخصص في الدراسات الهيلينية أو الهيلينسية, لا غنى عنه من معرفة اللغة اليونانية القديمة.

والى ذلك كانت النجاحات التي حققها الباحثون في تاريخ العراق القديم وحضارة بين النهرين, من خلال الاتقان الكفوء للّغات العراقية القديمة, والتي كشفت الموروث الحضاري والثقافي فيها[3], في التعرف على أول كلمة خطّها الإنسان, في الكتابة الأولى في التاريخ[4], ليعلن بذلك بدء فجر التاريخ في هذه البلاد.

وينبغي على هذا الباحث أيضاً, أن يكون عارفاً بأكثر من لغة من اللغات  الحية, لأنها غنية بتراثها التاريخي, ليتمكن من استخدام المصادر الأولية الأصلية في بحوثه, وفقا للّغة الأصل التي كتبت فيها, دون الحاجة الى القبول بالمراجع الثانوية المترجمة لها, وتاتي اللغات الأوروبية العالمية في مقدمة تلك اللغات, لجهة الكم الكبير للبحوث والدراسات المنجزة فيها, بغض النظر عن الحقب التاريخية والرقعة الجغرافية, ثم اللغات الأخرى الشرقية, للباحث في المجالات ذات الصلة بها.                 

ويأتي بعد ذلك علم قراءة الخطوط Paleography[5], فهو علم لازم لدراسة التاريخ القديم والوسيط، بل ولدراسة الفترات المبكرة من التاريخ الحديث، وتبدو أهمية هذا العلم واضحة حين دراسة تاريخ العرب قبل الإسلام، وتاريخ العصور الوسطى, وعن طريق هذا العلم يجري تحديد تاريخ الوثيقة موضوع البحث، ومثال على ذلك (خط القيرمة), الذي دونت به وثائق النظم الإدارية والمالية في ظل الحكم العثماني, والذي يعد من أدوات الدراسة لتلك الحقبة التاريخية.                  

ومن العلوم المساعدة الضرورية, للباحث في التاريخ القديم والوسيط, وفي التاريخ العربي الإسلامي, هو "علم النوميات" أو "المسكوكات", وهو علم النقود المسكوكة, فالعملة القديمة تقدم معلومات موثقة, عن العهد الذي سكت فيه, وتشكل ملامحه الرئيسة, فهي تحمل عادة صوراً للآلهة, التي كان الناس يعبدونها بالنسبة للعصور الوثنية، كما تحمل صوراً للملوك والأمراء, وكذلك أسماء من سكّت تلك النقود في عهده، مع شعار أو عبارة تمثله, وتعكس حقبته في الحكم, وهذه كلها تمد الباحث بمادة أصلية, تمثل الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية لحقبة المسكوكة, وهي مؤشرات بحثية للدراسة, في العصور القديمة والعصور الوسطى على السواء.                        

أما الجغرافيا فإنها من المواد المساعدة, التي لا يستغني عنها الباحث في التاريخ، ذلك أن الارتباط بين الجغرافيا والتاريخ, ارتباط عضوي وثيق, فالأرض هي المسرح الذي مثِّلت فوقه الأحداث التاريخية, فيتفاعل الناس عادة في البيئة  تلقائياً, على الطبيعة الجغرافية لهذه البيئة، ومن ثم يتشكل تاريخهم الذي يرتبط ببيئتهم, ومن الأمثلة على أثر الطبيعة الجغرافية في تاريخ  الشعوب والبلدان, هو العراق ونهري دجلة والفرات, والتي شكلت تاريخه, وارتبط اسمه بهما, كبلاد بين النهرين, أو "الميسوبوتاميا", ومصر والنيل, الذي هو مصدر حياتها، وهو الذي شكل تاريخها.                   

وينبغي للباحث في التاريخ, أن يلمّ بعلم الاقتصاد, بما يمكنه من الوقوف على مدى تأثير العوامل الاقتصادية على مسار التاريخ, إن السياسة الداخلية والخارجية للدولة, تعتمد على الموارد الطبيعية والنشاط التجاري, وإن طريقة توزيع الثروة الطبيعية في بلد ما, تحدد عادة نوع الحكم فيها، وفضلاً عن ذلك فإن الرخاء الاقتصادي, يؤثر في نواحي الحياة السياسية, مما يتطلب تضمين العامل الاقتصادي ودراسته في البحوث التاريخية الرصينة, وهي بذلك تلامس الدراسات الإستراتيجية بشكل قريب, لجهة عناصرها التي تشكل المرتكزات الأساسية في بنيتها, وهي الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية الدفاعية أو العسكرية.             

ويعد الأدب من العوامل المساعدة التي يلزم على المؤرخ أن يحيط بها, فآداب الشعوب هي مرآة حياتهم وحضارتهم، وهي أدوات التعبير عن ثقافتهم وممتبنياتهم الفكرية وقيمهم وتقاليدهم, فضلا عن منفذ إفراغ عواطفهم الإنسانية, وقد عرف مثلا بانّ الشعر ديوان العرب, لجهة انه يجمل حياتهم ووقائعهم, اذ كان الشاعر صوت القبيلة والناطق عنها, ثم انتقل نفس السياق عند قيام الدولة العربية الاسلامية, فكان الشعر مضطلعاً بدور الاعلام والتوعية, والتثقيف السياسي والمجتمعي, وقد تكون القصة والحكاية, هي أدوات التعبير الثقافي لشعوب أخرى .                       

وينبغي على الباحث في التاريخ, الإحاطة بفنون الرسم والنحت والعمارة, التي تمثّل الجوانب الجمالية والإبداعية, عند البحث التاريخي في عصر محدد, وإن دراستها تظهر الحالة الثقافية ومستوى الإبداع والحضارة, التي تعكس الاستقرار السياسي والرخاء الاقتصادي, إن آثار العراق القديم ومصر القديمة مثلا, تقدم صوراً واضحةً لحضارات هذه البلاد, وتمد الباحث بفيض من المعلومات, عن جوانب الحياة الاجتماعية وتاثيراتها السياسية والاقتصادية وحتى الأمنية, وهي المربع الذي يشكّل المرتكزات الاستراتيجية في الدولة.

  

مقاربة في منهج البحث التاريخي

تبحث العلوم التاريخية في الإنسان من حيث حياته الفردية والاجتماعية, وما نتج عنها من حضارة ومدنية, في الفكر والثقافة, والتطور والإعمار والبناء, وقيام الدول ومخرجاتها, وإن المصادر العامة للدراسة في العلوم التاريخية, هي الوثائق المكتوبة, وهي المصادر النقلية, التي يبحث فيها في اتباع المنهج النقلي, ويتبع كذلك المنهج التحليلي, المنطقي أو العقلي, في تحليل وتفكيك النصوص الى جزئياتها, بصفتها كلّيات ومقدمات, ثم تثبيت النتائج عنها, التي تتشكل بصورة توصيات, أو قوانين للتعميم.

ويجري ذلك في التفسير العام للواقعة, وبيان أسبابها ونتائجها, ودور العامل البشري, الفردي والجمعي فيها, بما تفضي اليها مفردات "فلسفة التاريخ", التي عبّر عنها المؤرخ الفيلسوف توينبي, بنظرية "التحدي والاستجابة", بما يستوجب دراسة الفكر وتأريخه, وفق الأداة "الإبستيمولوجية" المعرفية.

وهذا يتطلب أيضاً اعتماد الأدوات المنهجية في دراسة الفكر وتشكيله وتفكيكه, أو ما يعبر عنه بكشف المسكوت عن الفكر, في النص المنقول, من خلال التوغل بحثاً في أعماق النص وطبقاته "الجيولوجية" المغمورة, ومن ثم إظهار صورته, ويجري ذلك في التفكيك للنص, أو المنهج الحفري "الأركيولوحي"[6].

والمصادر الأخرى في البحث التاريخي, هي المادية, وهي الآثار الموروثة الباقية, والتي يبحث فيها اعتماداً على المنهج التجريبي, حيث يجري رصد وتحسس وملاحظة هذه الوثائق, وسواها من  الموروث المادي, بشكل جزئيات يجري من خلال تركيبها, التوصل الى كليات عامة, بشكل قوانين للتعميم, وهذه المقاربة في هذا البحث تتماهى مع المنهج العلمي التجريبي, حيث تصنف الدراسات التاريخية وفقها في الحقول العلمية.

إن المنهجية العامة في البحث التاريخي تتضمن أولاً جمع المصادر, ثم التحقيق في هذه المصادر ثانياَ, والذي يتم بسلسلة من العمليات, منها التحقيق لمعرفة تاريخ المصدر ونسبته الى مؤلفه, ومن ثم التحقيق لتصحيح متون الوثائق, بمقابلتها مع الأصول الأخرى المقاربة لها, والتي جرى إنتاجها لنفس الأغراض, أو بنفس الحقب التاريخية, ومن ثم فحص مادة الوثائق, بتحليل حققائقها "مقدماتها", وترتيب موضوعاتها, وتصنيف حوادثها ووقائعها وشخوصها, زمانياً ومكانياً, لتتضح قيمتها من بين الوثائق الأخرى, أو تظهر منزلة وقيمة مؤلفها. وثالثاً يجري ما يعبر عنه في التعليل, وهو تفسير الحقائق التاريخية, للوصول الى النتائج المطلوبة, ويجري هذا الجهد بوسائل وأدوات علمية ودراسات محددة, من قبيل علم الآثار "الأركيولوجية", ودراسات علم الإنسان "الأنثروبولوجية", فضلاً عن علوم الاجتماع والدراسات في فكر التاريخ ومخرجاته الثقافية العلمية والفكرية في الأدوات "الإبستيمولوجية" في البحث والدراسة, وهي الخطوة المنتجة في البحث التاريخي, والتي يجري الاشتغال فيها ضمن دراسات وبحوث التراث العلمي, والتي يعبر فيها عن التنقيب الآثاري, إنه لايحفر فيها بهدف البحث والكشف عن الآثار, وإنما عن الإنسان.

وعليه فإن المنهج التاريخي, يعتمد الأسلوب العلمي في البحث, فالباحث يتبع خطوات الأسلوب العلمي المرتبة، وهي الشعور بالمشكلة، وتحديدها، وصياغة الفروض المناسبة، ومراجعة الكتابات السابقة، وتحليل النتائج وتفسيرها وتعميمها.

 

نطاق البحث في المنهج التاريخي

ينصرف منهج البحث التاريخي، الى إعادة للماضي بواسطة جمع الأدلة وتقويمها، ومن ثم تمحيصها, وأخيراً تأليفها, ليتم عرض الحقائق فيها وفق مدلولاتها وفي  تأليفها، وثم التوصل  إلى استنتاج مجموعة من النتائج, ذات البراهين العلمية الواضحة, فهو يتبع المنهجين التجريبي العلمي, والتحليلي المنطقي.

والمنهج التاريخي أيضاً, هو ذلك البحث الذي يصف ويسجل ما مضى من وقائع وأحداث, ويدرسها ويفسرها, ويحللها على أسس علمية منهجية ودقيقة, بقصد التوصل إلى حقائق وتعميمات, تساعد في فهم الحاضر على ضوء الماضي, والتنبؤ بالمستقبل.

كما يعرف بأنه ذلك المنهج المعني بوصف الأحداث التي وقعت في الماضي وصفاً كيفياً، يتناول رصد عناصرها وتحليلها ومناقشتها وتفسيرها، والاستناد على ذلك الوصف في استيعاب الواقع الحالي، وتوقع اتجاهاتها المستقبلية القريبة والبعيدة.

 

أهمية المنهج التاريخي في البحث

 يمكن إبراز أهمية المنهج التاريخي, كونه يستخدم في حل مشكلات معاصرة, على ضوء خبرات الماضي, مع أستقراء واستشراف وتنبوء علمي للمستقبل, فالفرع الأكاديمي المسمّى بالدراسات المستقبلية, لا يمكن أن يستكمل مساراته البحثية, دون تماه وتداخل منهجي, مع البحوث التاريخية.

عليه فإن البحث التاريخي, يساعد على إلقاء الضوء على اتجاهات حاضرة ومستقبلية, ويؤكد الأهمية النسبية للتفاعلات المختلفة التي توجد في الأزمنة الماضية وتأثيرها, وكذلك فهو يتيح الفرصة لإعادة تقييم البيانات بالنسبة لفروض معينة, أو نظريات أو تعميمات ظهرت في الزمن الحاضر دون الماضي.

وتكمن أهميته أيضاً في الوصول إلى المبادئ والقوانين العامة, عن طريق البحث في الأحداث الماضية، وتحليل الحقائق المتعلقة بالمشكلات الإنسانية والقوى الاجتماعية التي شكلت الإنسان, ويحاول كذلك تحديد الظروف التي أحاطت بالظاهرة منذ نشأتها, لمعرفة طبيعتها وما تخضع لها من قوانين.

ولا يمكن فهم الماضي إلا بالمرور بمرحلتين, هما التحليل والتركيب، تبدأ الأولى بجمع الوثائق ونقدها والتأكد من شخصية أصحابها، وتنتهي إلى تحديد الحقائق التاريخية الجزئية، ثم تأتي الثانية, وفيها يقوم الباحث بتصنيف هذه الحقائق والربط بينها ربطاً عقلياً.

قد تكون بعض الاكتشافات مثيرة، مثل قبر فيه حُلي ذهبية، أو بقايا معبد فخم, إلا أن اكتشاف قليل من الأدوات الحجرية, أو بذور من الحبوب المتفحمة، ربما يكشف بشكل أفضل عن جوانب كثيرة من حياة الشعوب, وتوثيق أنواع الغذاء المستخدمة فيها، بما يكشف أوجه الشبه بين الحياة القديمة والمعاصرة.

ان ما يكتشفه علم الآثار "الأركيولوجيا"، بدءًا من الصروح الكبيرة وانتهاء بالحبوب، يسهم في رسم صورة عن معالم الحياة في المجتمعات القديمة, وإن البحث الآثاري "الأركيولوجي", هو السبيل الوحيد لكشف حياة المجتمعات, التي وُجدت قبل اختراع الكتابة, منذ خمسة آلاف عام تقريبًا, كما أن البحث الآثاري نفسه, يشكِّل رافداً مهماً في إغناء معلوماتنا, عن المجتمعات القديمة التي تركت سجلات مكتوبة, وتعد هذه البحوث, حقلاً أساساً من الدراسات الأنثروبولوجية, التي تدرس الإنسان, وعلاقته في التاريخ والجغرافية, في المكان والزمان[7].

 

البحث التاريخي والمنهج الأركيولوجي الحفري                                             

إن من أولى مهام البحث التاريخي, هي الكشف عن مصادر الدراسات التاريخية، وأول شيء في الكشف عن هذه المصادر, هو تحقيق المخطوطات، ويقصد بذلك دراستها من مختلف الوجوه, بدءا بالدراسة المادية "الأركيولوجية" لها, بصفتها مادة أثارية, من خلال علم صناعة المخطوطات أو "الكوديكولوجيا", ثم دراسة الخطوط أو الرسوم الواردة فيها, لتحديد عائديتها وكينونتها, من خلال علم الخطاطة " الباليوغرافيا".

ثم المرحلة البحثية, والمنهجية النقلية المنطقية التحليلية, في دراسة المخطوط, من خلال علم دراسة وقراءة المخطوط أو "الفيلولوجيا", التي تنصرف الى قراءة النص, وإظهاره الى حالته الأولى, كما المصنف المؤلف قد وضعه, ثم اعادة القراءة للنص, والدراسة التحليلية والنقدية له, لاظهار وكشف المسكوت عنه في النص, وهي المهمة الأسمى في دراسة المخطوطات[8], والتي تتماهى أيضا والمنهج البحثي الحفري الأركيولوجي, في التداول الفكري, والثقافي النقدي المعاصر.

وإذا كانت هناك موضوعية علمية, فان المسؤولية الكبرى في تحمل أعباء التحقيق للمخطوطات وثقل مهامه, والعبئ الأكبر في جهوده العلمية المضنية, يقع على كاهل الناشط في البحث التاريخي, لأن المخطوطات تنتمي إلى التاريخ، ولأن مضمونها يدخل ضمن اطاره.

ولغرض مقابلة هذه المضامين العلمية البحثية المعاصرة, والفكر البحثي والثقافي الموروث في التراث العلمي العربي الاسلامي, يشار ان ابن خلدون في مقدمته[9], قد ذكر ان للتاريخ وجهان, ظاهر وباطن, ورغم أنه لم يستخدم مصطلح "المنهج الأركيولوجيي"[10] أو الحفري, إلا أن مضمون الفكرة لا يختلف بينهما، فما يكتب في التاريخ ليس سوى صورة "ظاهرية" لما يريد المؤرخ أن يعرف به.

وبالتأكيد فإن هناك "باطن" يختفي خلف ما كان يريده المؤرخون, وما قد أثبتوه, بإرادتهم أو بتأثير عليهم، وفق معطيات الحقبة الزمنية, ومعالمها السياسية والأمنية والعقدية والفكرية, مما يستدعي قراءة ثانية للنص التاريخي, وهو ما يكشفه منهج البحث الحفري الأركيولوجي, وهذا لا يتماهى مطلقاً, مع الدعوة لإعادة كتابة التاريخ, كونه قراءة ثانية وجدية للنص, وليس كتابة أخرى له, فهذه ليست مهمة الباحث التاريخي.

وتظهر القراءة الثانية للنص, كيف كُتب هذا التاريخ ومتى، وتحت أية ظروف, وما يتضمنه من أحداث مدونة ومؤرخة أو مسكوت عنها، أو أحداث أُقصيت بطريقة معينة ومقصودة، فعندما يقرأ التاريخ بطريقة "أركيولوجية", فإن البحث في هذا "المسكوت عنه", سوف لن يستهدف كتب التاريخ التي تعتمدها هيئات الدولة فقط، بل في تلك المعتمدة في بعض المؤسسات الأكاديمية أيضاً، ويبحث أيضاً في الوثائق بجميع أشكالها, سواء السياسية أو الاقتصادية أو القضائية أو الأدبية وغيرها.

www.alshirazi.com

23/شعبان/1432


[1]   مقاربة تحليلية في مناهج البحث العامة, الحلقة الرابعة عشر, "المناهج والمنهجية وطرائق جمع القاعدة المعلوماتية في البحث العلمي", مقالات حول العالم, 2011.

[2]   أنسنة البحث العلمي, الحلقة الثانية والعشرون, "المناهج والمنهجية وطرائق جمع القاعدة المعلوماتية في البحث العلمي", مقالات حول العالم, 2011.

[3]   من الأمثلة على ذلك, "ملحكة كلكامش", النص  الحضاري والثقافي الأدبي الأول, في تاريخ المنجز الإنساني, الذي وجد في جنوب العراق القديم, ابان الحقبة السومرية, وقد درسه وترجمه بحرفية علمية ,الاستاذ الأثاري, العلامة طه باقر, الذي كان يتقن اللغات العراقية القديمة, وكان يطلق عليها اللغات الجزرية العربية, لجهة أصولها التاريخية من شبه الجزيرة العربية, عدا السومرية, فهي نتاج حضاري عراقي, نشأة وتطوراً.

[4]   تعد الكتابة المسمارية, التي ظهرت في الوركاء جنوب العراق, ابان الحقبة السومرية, في دول المدن, هي الكتابة الأقدم في التاريخ, التي تعود الى الألف الثالثة قبل الميلاد, ويذهب بعض الباحثين, المتخصصين في الدراسات المصرية القديمة, الى الميل  لاعتبار الكتابة الهيروغليفينية, قد سبقت ذلك بأقل من مئة سنة, غير أن العوامل البحثية الأخرى, وخاصة لجهة الريادة العالمية الإنسانية, للحضارة السومرية, تؤكد الريادة لكتابتها أيضاً, بصفتها ضمن مخرجاتها الحضارية, وهو ما اتفقت عليه, سائر المرجعيات العلمية. عن, محاضرات التاريخ القديم, مرحلة الدكتوراه, معهد التاريخ العربي والتراث العلمي للدراسات العليا, بغداد, 1996.

[5]   παλαιογραφία, في الأبجدية اليونانية, والجذر اللغوي للكلمة, عن اليونانية القديمة, فالكلمة مكونة من مفردتي, παλα التي تعني القديم, ومفردة, γραφία,  التي تعني الخط أو الكتابة والرسم والوصف. وترد المفردة في الكثير من الجذور اللغوية لتسميات العلوم, مثل الجغرافية, γεωγραφία , " geographia ", والتي تعني وصف الأرض, من مفردتي γεω "gio" وهي الأرض, و  γραφίa “ graphia”, وهي الوصف والكتابة. المعجم اليوناني, جامعة اثينا, مصدر سابق.

[6]    مناهج البحث الأركيولوجي الحفري في الدراسات المعمقة في التراث العلمي, الحلقة السابعة عشر, المناهج والمنهجية وطرائق جمع القاعدة المعلوماتية في البحث العلمي, تحت النشر, مقالات حول العالم.

[7]    الدراسات الأثارية والأنثروبولوجية في مناهج البحث المعمَقة للتراث العلمي, الحلقة الخامسة عشر, سلسلة بحوث ودراسات "المناهج والمنهجية وطرائق جمع القاعدة المعلوماتية وفي البحث العلمي", مقالات حول العالم, 2011.

[8]   الأدوات العلمية والبحثية في الدراسات المعمقة للمخطوطات, سلسلة بحوث ودراسات "المناهج والمنهجية وطرائق القاعدة المعلوماتية للبحث العلمي", الحلقة السابعة عشر, تنشر لاحقاً.

[9]   مقدمة كتاب " المبتدأ والخبر في اخبار الترك والعجم والعرب", وقد اشتهرت هذه المقدمة لقيمتها العلمية والبحثية, ويشار لها بالمقدمة مطلقاً.

[10]   منهج البحث الأركيولوجي الحفري في التراث العلمي, الحلقة السابعة عشر, "المناهج والمنهجية وطرائق جمع القاعدة المعلوماتية في البحث العلمي", تنشر لاحقا.