المناهج والمنهجية - الأدوات العلمية البحثية في دراسة المخطوطات وإحياء التراث العلمي/17


 

"دراسة أكاديمية تحليلية ومنهجية"

 

         د.هيثم الحلي الحسيني

"الحلقة السابعة عشر"

الأدوات العلمية البحثية في دراسة المخطوطات وإحياء التراث العلمي

 

موقع الإمام الشيرازي

 

الأدوات العلمية المعاصرة في دراسة المخطوطات

تعد المخطوطات من أهم مصادر المعرفة وأصولها, لجهة البحوث المعمّقة في المنهج التاريخي, وسائر الدراسات المنصرفة, الى حقول المعرفة, وفروع العلوم المختلفة, في التراث العلمي, وقد كان الرواد في التراث العربي الإسلامي, قد أولوا اهتماماً كبيراً للتصنيف الموسوعي, في ترتيب العلوم وأسماء المصنفين وعناوين المؤلفات, وفق أبوابها وفصولها وتصنيفاتها الثانوية, وهي تعد المفتاح الرئيس في دراسة المخطوطات, والتنقيب عنها, ومقاربة النسخ المتوفرة منها, ومقابلتها مع بعضها, للوصول الى النص الأصل, بهدف دراسته, ودراسة الفكر الظاهر فيه, وكذا المسكوت عنه في النص, فضلاً عن دراسة المخطوطة لذاتها, كوثيقة مادية, تعد من مصادر المعرفة وأصولها, ودراسة الخط والناحية الشكلية الإبداعية فيها.

وتبعاً لذلك التفريع فيها, فقد اهتمت عدة حقول علمية, لدراسة هذه المخطوطات, وكل منها تخصصت بجانب محدد من الدراسة للمخطوطة, سواء لإظهار الشكل والنص الأصل في المخطوطة, كما وضعها المصنف أو المؤلف في زمانه, أو لدراسة النص المتضمن في المخطوطة, أو لدراسة المخطوطة لذاتها, بصفتها وثيقة مادية ذات أهمية بحثية كبيرة, من خلال الدراسة الآثارية "الأركيولوجية" لمادة المخطوطة نفسها, وقبل ذلك وضع الفهرسة للمخطوطات أو كشافاتها المكتبية, لغرض الشروع بالدراسة فيها.

وقد انتقلت هذه الفروع العلمية البحثية, الى الثقافة العربية الإسلامية, عن طريق الحركة العلمية البحثية الاستشراقية, حيث لا زالت الثقافة العربية تعاني العجز, عن  تولّي هذه المهمة التاريخية والحضارية, لقصور أدواتها, وعدم إمكانية القدرات العلمية المعرفية الذاتية لها, وهو موضوع جدير بأن تتولى المؤسسات العلمية المختلفة مسؤولياتها إزاءه, حتى يكون للثقافة العربية الإسلامية, أدواتها الخاصة في البحث العلمي, والدراسة المنهجية للعلوم المختلفة في التراث العلمي, ونتاجاته المتمثلة أساساً, في خزين المخطوطات, المنتشرة في أرجاء المعمورة, والتي تنتظر الدراسة والبحث, ويعتقد أنها تعد بالملايين.

 

الحقول العلمية والمعرفية المتخصصة بدراسة المخطوطات

يعتبر كتاب bibliography of bibliographies[1], أي "مكتبة المكتبات" أو "بيبليوغرافيا المكتبات" أو "فهرسة خزائن الكتب", من أهم مصادر العلم المنصرف لدراسة المخطوطات وتوثيقها وإحيائها, وهو كتاب قديم ظهر في اللاتينية أولاً في العام 1664, ونشرت طبعته الثانية في العام 1672, من خلال جهود الباحث الموسوعي فيليب لابي Philip Lappe, ثم اهتم علماء موسوعيون آخرون, في الاستمرار باصدار المجلدات اللاحقة منه, من أمثال  براولوBrownlow , وجيرمي بيمبيرتو Jeremy Pemberto, والدكتور فيرنونDoctor Vernon , وقد وصل الإصدار الواسع لهذه الموسوعة المكتبية "البيبلوثيكية" الى قرابة العشرين ألف مجلد, وهي تعد من أمهات المصادر العلمية البحثية, في التراث العلمي العالمي.

 

دراسة النص اللغوي في المخطوطات, أو "الفيلولوجيا"

تعرف "الفيلولوجيا"[2] بأنها الحقل المختص بالدراسة العلمية للنصوص التراثية, المتضمنة في المخطوطات الموروثة, ويتضمن ذلك الممارسة العلمية النقدية لنصوص المخطوطات, وبذلك فهو يتماهى وفن التحقيق في التراث العربي الإسلامي, الذي يهتم بالكشف عن النص الأصل, وارجاع المواد فيه الى مصادرها الأولى, ليتسنى لاحقاً دراسة النص, وإظهار الفكر المتضمن فيه, وثم الدراسة المعمقة "الأركيولوجية" الحفرية له, بقصد الكشف عن الفكر المسكوت في النص, دون أن يكون ذلك إعادة لكتابته, وانما إعادة لانتاج النص, وقراءته بشكل معمق.

وإن علم الفيلولوجياPhilology , يترجم حرفياً في بعض المعاجم العربية, بأانه علم فقه اللغة, وهو اصطلاح اختصت به العربية, ولكنه وبشكل أدق, في التداول له, فهو علم فقه النص اللغوي, كونه يضطلع بدراسة النص, وقد جرى المدلول على هذا المبنى, في عصر النهضة الأوربية, من خلال دراسة النصوص اللغوية, في الثقافة اليونانية القديمة واللاتينية, وقد استخدم بذلك حصراً في حقل اللغات القديمة, ودراسة ثقافاتها, ثم أصبح ينصرف الى الدراسات اللغوية المقارنة, كما في الدراسات السامية[3].

وفي الاستخدام المعاصر لهذا العلم, فقد انصرف الى فك رموز الكتابات القديمة, التي يعثر عليها الباحثون, في حقل الآثار المرقومة, على الحجارة أو جدران المباني, في صورة نصوص, بلغات مجهولة, أو بلغات معلومة, ولكن الرموز فيها مجهولة, ومن ذلك ما كان من فك الرموز الهيروغلوفية, للمصرية القديمة, في حجر رشيد, وألواح عين الشمرة والنقوش المسارية في الوركاء, للعراقية القديمة, وغيرها من النصوص القديمة, ولا شك أن قدم هذه النصوص, ينسجم مع المعنى الأصلي للفظ "فيلولوجيا", ومع ارتباطه باللغات القديمة.                                    

وأطلق اللفظ كذلك, على تحقيق الوثائق والمخطوطات القديمة, بغية نشرها والانتفاع بها في النشاط العلمي، وفي الدراسات التاريخية والأثرية "الأركيولوجية"، ومن ذلك أيضاً ما يعرف في التراث العلمي, من تحقيق المخطوطات وطبعها، على نحو ما يقوم به, طلاب الدراسات العليا بالجامعات, من نشر التراث برسائلهم العلمية, وما ينشط به الباحثون, في مراكز إحياء التراث العلمي البحثية.

وهذا النوع من التحقيق, ينبغي أن يكون من أقوى روافد إحياء التراث, بعد أن فترت همم الجهات المؤسسية في هذا المجال، ومن الشائع في تداول الوثائق, في البحوث والدراسات المعاصرة, أن يطلق على هذه الدراسات مدلول "الفيلولوجيا"، مما يبرز الزعم, أن هذا اللفظ لم يفقد يوماً دلالته, على الدراسات المتعلقة بفكرة القدم[4].

 

الدراسة الوثائقية المادية للمخطوطات, أو "الكوديكولوجيا"

تعرف "الكوديكولوجيا", Codicology أو Codicologie, بأنها العلم الذي ينصرف الى دراسة المخطوطات, باعتبارها مادة أساسية تدرس لذاتها, من خلال الإدراك بأنه لا يمكن البحث, في توثيق النص وتحقيقه ودراسته, دون الإلمام بالأسس المادية, وتحديد الظروف العلمية والاجتماعية, التي تم خلالها إنجاز المخطوط، ثم معرفة الطرق التي وصل بها هذا النص[5].

انّ الجذر اللغوي لكلمة "كوديكولوجيا", مركب من جزئين, مشتقين عن المفردتين, اللاتينية codex, التي تعني الصفة للمفردة المتعلقة "بالكتاب", والمفردة اليونانية القديمة logos, التي تعني النطق أو الكلام, والتي تعبّر في التداول الإصطلاحي العلمي المعاصر عن "العلم", وعليه فالمعنى المركب لغوياً, قد يفيد الى "علم الكتاب, أو العلوم الكتبية, أو علم المكتبات".

وبالرغم من اتفاق المختصين في هذا المجال, على استقلالية هذا العلم، فإنهم اختلفوا في تعريف مفهومه وتحديد مكوناته, إن "الكوديكولوجيا" في بعض مدلولاتها,  تعني العلم الذي يهدف إلى دراسة المخطوط, باعتباره قطعة مادية[6] أثرية, دون الاهتمام بالخط الذي رسم به النص, شكلا أو نوعا, أو بفحوى ومضمون النص الذي تحمله.

وهو أيضاً علم دراسة الكتاب المخطوط أو صناعته, بما في ذلك صناعة الأخبار، وفن التوريق أو النساخة، والتجليد والتذهيب، وصناعة الرقوق والجلود والورق "الكاغِد"، وما يتبع كل ذلك من فنون, وما يتصل بها مثل حجم الكرّاسة، ونظام الترقيم والتعقيبات، والسماعات والقراءات والإِجازات والمـقابلات، وتقييدات التملُّك والوقف، وتقييد الختام.

وبهذا المفهوم, تستقل "الكوديكولوجيا" عن كل من "الفيلولوجيا", التي تنصرف الى الاهتمام بالنص, في دراسة المخطوط, و"الباليوغرافيا", التي كانت تعني "علم المخطوط" بالإضافة إلى "علم الخطوط القديمة", والتي انصرفت للإهتمام بدراسة الخط والشكل في المخطوطة, من جميع الوجوه.

إن هذا الاستقلال التخصصي, جعل مهمة البحث "الكوديكولوجي", تتماهى في الكثير من الوجوه, والبحث  الأركيولوجي" الأثاري, لجهة هدفه إلى إعادة بناء القطعة الأثرية المكتشفة, ولإنصرافه لدراسة الحضارات, فهو جزء من التاريخ, الذي يدرس الكتاب المخطوط, بوصفه موضوعاً مادياً، أي بصفته وعاء للنص.

لهذا يجري تداولها في بعض الأدبيات[7] بعبارة "آثارية المخطوط" بمعنى الدراسة الآثارية للمخطوطmanuscript   archeology of, للتعبير عن علم المخطوط, على اعتبار أن   "الكوديكولوجيا", هي "أركيولوجيا" الكتب, التي تعتبر من أنفس الآثار في الحضارات, وتبرير هذه التسمية, أن لفظ "كوديكس"Codex  اللاتيني, الذي يكون جزءاً من كلمة "كوديكولوجيا"codicologie , يستثني كل ما ليس بكتاب, كالقراطيس واللفائف والرقم الطينية ومثيلاتها من الأوعية القديمة, التي يطلق عليها باللاتينية لفظ Volumen، ويعني باللاتينية اللفافة.

ويتعلق هذا العلم بأحد أهم مصادر الدراسات التاريخية, وهي المخطوطات, التي تشكل  المادة الخام, للعديد من البحوث الأكاديمية الرصينة, فضلاً عن الرسائل والأطروحات الجامعية، سواء بالاعتماد على نصوصها, أو بدراستها وتحقييقها, وهو الوعاء الأمثل للدراسات المعمقة, في التراث العلمي, بهدف كشفه وإحيائه.

وبذلك يكون علم المخطوطات العام, مرتبط بالمخطوط شكلاً, بالجانب المادي منه, والذي تنصرف إليه "الكوديكولوجيا", ومضموناً من خلال دراسة واستقراء النص فيه, والذي تنصرف اليه "الفيلولوجيا", فضلاً عن الدراسة الخطية والشكلية في المخطوطة, التي تنصرف اليه "الباليوغرافيا", ثم علم فهرسة المخطوطات وهو "البيبلوغرافيا".

ويمارس علم المخطوطات عادة في التجربة, التي تكون بالممارسة والتماس الدائم بالمخطوط, في مراجعة دور الأرشيف, والخزانات العامة والخاصة, وهو علم يكتسب بالتلقين، ويقال له أنه دراية يلقنها المحترف للمبتدئ، والتلقين هو خبرة تكتسب, بواسطة الأستاذ المحترف لمهنة علم المخطوطات, من خلال سعة الاطلاع على فهارس المخطوطات، والموسوعات المكتبية, وأدبيات قواعد تحقيق النصوص ومراجعها.

والمخطوط يقابله المطبوع, فهو كل ما خط باليد, والأمثل أن يقال له "الكتاب المخطوط", لأن هناك العديد من المواد تكتب باليد, ولا تدخل في إطار المخطوطات, مثل النقائش وما يكتب على الأحجار والصخور, والأبواب وجدران المباني الآثارية, ودور العبادة والمقابر وسواها, وقد ظهر هذا المدلول, مع دخول الطباعة, في المنتج الثقافي العربي الإسلامي, حيث أطلق عليها في المغرب العربي ابتداءاً بالنسخة القلمية، تمييزاً لها عن النسخة المطبوعة, ثم جرى تداول كلمة المخطوط, عندما توحد المصطلح مع المشرق العربي الاسلامي.

ولكي يعد الكتاب مخطوطة, يجب أن تتوفر فيه مجموعة من المعايير, منها توفر عنصر الورق أو "الكاغد", وتوفر عنصر المداد, وهي المادة التي كتب فيها, ويجب أن يكون المضمون في النص, منصرف الى  العلوم المتداولة في المجتمع العلمي.

وقد اعتبر الباحثون, أن كل ما كتب بالخط العربي, يدخل في إطار المخطوط العربي، بما في ذلك المخطوطات التي كتبت بلغات أخرى, ومنها المخطوطات الكردية والأمازيغية والفارسية والتركية العثمانية والأفغانية والأوردية والهنوكية وغيرها، وقد بلغ عددها حسب الباحثين 129 لغة, قد استعملت الحرف العربي في الكتابة[8], وتدخل في مدلول المخطوط العربي أيضاً, تلك الكتب المصنفة في الثقاثات الأخرى, غير الإسلامية, التي خطّت باللغة العربية, أو بلغات أخرى, بالحرف العربي.

 

علم الخطاطة القديمة أو "الباليوغرافيا"

علم "الباليوغرافيا", Paleography, وهو علم دراسة وقراءة الخطوط القديمة, وهو مشتق لغوياً من مركب في اليونانية القديمة, من المفردة paleo[9], التي تعني القديم, والمفردة graphia,[10] والتي تعني الرسومات أو الخطوط أو الوصف أو الكتابة, لجهة تاريخها وتطورها واستخدامها في القديم والمعاصر, وبذلك فهو وصف وقراءة الخطوط القديمة, ويسمى أيضاً علم الخطاطة, وهو علم دراسة الخطوط القديمة, ومحاولة قراءة المخطوطات القديمة, وفك رموزها[11].

وأصبحت "الباليوغرافيا", تعدّ علم المخطوطات الحديث, حيث أفضى اليها ذلك من علم المكتبات, أو "البيبلوغرافيا", وهو علم يبحث في كل ما هو مكتوب، أو منقوش أو مرسوم، واختبار المواد المـستعملة في هذه العمليات، وإخضاعها للتحليل والتركيب، ومن ثمّ استنباط النتائج منها, ومع كلّ هذا, فهو فن يعنى بفك الخطوط القديمة, ورموز الكتابات الأثرية، وكذلك النقوش والمسكوكات النقدية.  

ويعد معهد المخطوطات العربية، التابع لجامعة الدول العربية، من أبرز معالم هذا النشاط العلمي تحديداً[12], لجهة أن معهد التاريخ العربي والتراث العلمي للدراسات العليا في بغداد, ومركز إحياء التراث العلمي في جامعة بغداد, ومعهد التراث العلمي العربي في جامعة حلب,  تهتم جميعها في إحياء وتحقيق التراث العلمي عموماً, وليس التخصص بالمخطوطات حصراً.

 

تصنيف المخطوطات وأنواعها

لقد صنفت المخطوطات على عدة معايير, بهدف تسهيل دراستها, وتمييزها وتداولها, ومن هذه المعايير, حسب أنواع وأشكال خطوطها, والجهة أو الهيئة التي كتبت اليها, أو التي أوعزت بها, والشخص الناسخ للمخطوط, لجهة كونه المصنف نفسه, أم ناسخ متخصص بالمهنة, والجهة التي تولت التدقيق, أو التصحيح للمخطوط, حيث يقال لأخطاء النسخ فيها تصحيفاً, ولجهة تكامل صفحات المخطوط, وثم لمعيار الأصل في المخطوط, أو تصويره بالتقانات المختلفة, ومعيار توفر النسخ من المخطوط وندرتها.

وعليه يمكن تمييز المخطوط الخزائني, وهو المخطوط الذي كتب برسم خزانة أمير أو سلطان, أو لأحد الوجهاء المتنفذين, المهتمين بتملّك الكتب, ويتميز هذا المخطوط عادة, بزخرفة الخط وجماليته, والتسفير أو التجليد فيه، وغالباً ما يكون في واجهة المكتبة، وهو من نوادر المخطوطات.

والمخطوط الأصلي, وهو النسخة الأصلية التي كتبها المصنف أو المؤلف بنفسه, وتسمى أيضا النسخة الأم، وضمن هذا المفهوم, يمكن أن تدخل النسخة التي صححها المؤلف, أو تليت عليه, وعادة يحرر المصنف ذلك بنفسه, في ذيل المخطوط, أو صفحته الأخيرة, مبينا تأريخه وختمه عليه, فيما يختم الناسخ صفحته الأخيرة أيضا, بإثبات عمله, وتأريخ الفراغ منه.

والمخطوط المبتور, وهو المخطوط الذي تنقص منه أوراق، وأنواعه هي المخطوط المبتور الأول, الذي بترت صفحاته الأولى, والمبتور الأخير, الذي بترت صفحاته الأخيرة, والذي يتخلله بتر, وهو الذي بترت صفحات من وسطه.

والمخطوط النادر, وهو الذي لا توجد منه, إلا بعض النسخ القليلة، المتفرقة في مواقع متباينة, وأما المخطوط الفريد, فهو الذي لا تتوفر منه, سوى نسخة وحيدة.

والمخطوط المصوّر, وهي النسخة المصوّرة بواسطة ألة التصوير الدقيق "الميكروفيلم", أو تكون مستنسخة على الورق, أو سواها من أدوات التصوير الفني, وقد دخلت في هذا المضمار, التقانات الواسعة التي وفرتها الحاسبات, ووسائل النقل المعلوماتي للبيانات, فضلا عن الخزن الالكتروني, على الأقراص المدمجة والمتكاملة, والتقانات المبرمجة, التي توفر إمكانية تصفح المخطوط, على عارضة الحاسبة, ودراسة صفحاته من جميع الزوايا, وهي أحيانا تسهّل العمل, مع توفر النسخة الأصل, كونها توفر امكانية دقيقة في القراءة, والكشف عن التفاصيل المتناهية الصغر, أو غير المرئية بشكل جيد.

 

فهرسة المخطوطات وتوصيفها

وتعد الفهرسة أو الكشافات "البيبليوغرافية", من أهم إشتراطات الدراسة في علم المخطوطات, وانّ وضع الفهرسة للمخطوطات المتيسرة للباحث, تعد الخطوة الأولى في الدراسة, التي تسير بضوئها بشكل منهجي ومرتب. ويصطلح على علم الفهارس والكشافات "البيبليوغرافية", بعلم فهرسة المخطوطات, "البيبليوغرافيا"Bibliography , وهو مدلول مشتق عن اليونانية القديمة[13], من مفردتي Biblio[14] والتي تعني الكتاب, ثم [15]Grapho المشتقة عن الفعل "يكتب أو يصف", وبذلك سيتشكل المعنى حرفيا, الى "وصف الكتب, أو كتابة الكتب", ويقال لها في التعريف الأكاديمي معجميا, بدراسة تأريخ الكتب, ويعبر عنها بالعربية بالفهرسة المكتبية, أو ثبت الكشافات, وهي أيضا تعني قائمة المراجع, في المؤلفات والبحوث, في حين يجري تداولها في سائر اللغات الأوريية وغيرها, وفق المركب اللفظي اليوناني القديم.

وتكون الفهرسة المكتبية عادة, حسب الفروع المعروفة في الفنون والعلوم, وحسب المصنفين والمؤلفين, وثم حسب العناوين المثبتة للكتب المخطوطة, وأحيانا وفق التاريخ والجغرافية, في الزمان والمكان الذي ولدت أو نسخت, أو خزنت فيه المخطوطة, وأحياناً حسب النوادر, وهو بذلك يتماهى ونظام "الديوي" في الفهرسة المكتبية, مع الخصوصية في المخطوطات.

ويجري توصيف المخطوطات عادة, وفق عدة مميزات لها, منها التجليدة أو التسفير[16], فالمخطوط المسفر, هو المجلد بشكل لائق, والتعقيبة أي الترقيم, الذي عادة تنتهي به كل صفحة, بالكلمة التي تبتدئ بها الصفحة التالية, ومحوّل الصفحة وهو ظهر الصفحة. والتملكات في المخطوط تبين عائديتها, وهي تذكر في أوله أو أخره, بعبارات مثل "يد مالكه" أو "من مالكه", ثم بيان ناسخه وتاريخه ومكانه, ومقاسه الذي يبين حجم أوراقه وأبعادها, ومسطرته التي تبين شكل السطور فيه.

ويجري عادة الإستعانة بفهارس الأقدمين ومشاهير المتأخرين[17], وكذلك بمنجزات المفهرسين الغربيين أو المستشرقين, الذين لا لازالت هذه الأنشطة العلمية, تعمل وفق تأسيسهم الأصل لها, حيث وضعت بجهودهم, أول الفهارس المعاصرة, مما يتوجب التعامل معهم بإيجابية, برغم الكثير من التوصيف السلبي, لغاياتهم وأهدافهم, في الإنخراط بهذه الأنشطة والأعمال, والتي يتطلب من الباحث العربي, التمييز في التقييم على أساسها, بين العلمي والإعتبارات الأخرى, ولتكون دافعاً لعمل وجهد علمي وبحثي, عربي إسلامي مسقل, في هذا المضمار الخطير, في إحياء التراث العلمي, والدراسة المعمقة له.

 

أصول علم التحقيق للمخطوطات

إن من أولى مهام البحث التاريخي, الكشف عن مصادر الدراسات التاريخية، وأول شيء في الكشف عن هذه المصادر, هو تحقيق المخطوطات، وإذا كانت هناك موضوعية علمية, فان المسؤولية الكبرى في تحمل أعباء التحقيق وتعقيداته, والعبئ الأكبر في هذه الجهود المضنية, يقع على كاهل الناشط في البحث التاريخي, لأن المخطوطات تنتمي إلى التاريخ، ولأن مضمونها يدخل ضمن اطاره.

تعد الجهود في تحقيق المخطوطات, فرعاً من الجهد العلمي العام, في التحقيق في التراث العلمي, ومن الأنشطة الرئيسة في إحيائه, وقد لا يختلف كثيراً في أصوله وتعقيده, عن علم التحقيق في التراث العلمي بشكل عام, فضلاً أن مفردة التحقيق, في البحث العلمي المعاصر, في سائر العلوم المتعلقة في الدراسات الدينية, وخاصة البحث الفقهي والأصولي, يستدل منها الى البحث العلمي المعمق, المتميز ببحوثه الرصينة, الذي قد يفضي أيضاً الى استنباط الحكم الشرعي, وقد تفرد جهبذ المدرسة العلمية الفقهية في الحلة, المحقق الحلي, بهذه التسمية بالمطلق, وقد أطلقت أيضا على نخبة من العلماء, ملحقة باسمائهم.

ويذهب الكثير من المهتمين في علوم المخطوطات أن علماء الحديث, هم الذين أرسوا أصول علم تحقيق النّصوص، ووضعوا خطواته ومراحله، وأنّ المستشرقين أخذوه عنهم وطوروه، وجاء من بعدهم علماء معاصرون, انصرفوا لتأصيل هذا العلم، مستلهمين خلفياتهم الدينية, ومستفيدين مما اطلعوا عليه من مناهج المستشرقين[18], وقد ظهر الكثير من  المحققين في التراث العلمي, وهم  يمثلون مختلف مدارس التحقيق.

والحال في علوم التحقيق في المخطوطات, ان جلّها مستند الى جهود المستشرقين, التي انتقلت منهم الى طبقة من المحققين في المخطوطات, ومنها العلوم الأساس في المخطوطات, المستخدمة في المدارس الغربية, وهي "الكاديكولوجيا والباليوغرافيا والفيلولوغيا", فضلاً عن علوم "البيبلوغرافيا" الخاصة بالفهرسة.

وهي وإن كانت علوم لمعارف جامعة, وصالحة لدراسة سائر المخطوطات, بغض النظر عن لغاتها, غير أن الحاجة قائمة لوضع أسس فاعلة لعلم مخطوطات عربي, يعتمد خصوصية التراث العربي الإسلامي, من نواحي الفكر والثقافة, ومنهجيات البحث العلمي, بما يمكن الباحثين والدارسين, من السير بأثره, في تحقيق المخطوطات العربية, وإحياء التراث العلمي العربي الإسلامي, وفق السياق المعتمد المبرمج المنظم, وتراكم الخبرات, نظراً لصعوبة هذا التخصّصِ,  وندرة المشتغلين به في جميع مجالاته، وإلى الفوضى في كتابات هذا العلم، وهو يؤشر إهمال أبناء الأمة لتراثها العلمي الثمين, الذي يعد الأنفس من جميع الموروثات المادية الأخرى.

ومن مقاصد هذه الدعوة وأسبابها, ان علم المخطوطات, يعد دراية تتولد في الممارسة والجهد العلمي, ومهارات تكتسب بواسطة نقل الخبرة, وملازمة المحققين، كونه تجارب تحتاج إلى التقعيد، بمعنى الحاجة لوضع القواعد التأصيلية التأسيسية العلمية لها, وهو أيضا قواعد تحتاج إلى مصطلحات، ومصطلحات تحتاج إلى تعريف، وضوابط تحتاج إلى التقنين، بمعنى الحاجة لتثبيت القوانين العلمية الجامعة المنظمّة لها, وهي معارف تحتاج إلى التدريس، وخبرة ومهارات تحتاج إلى التلقين والممارسة[19].

 

سياق التحقيق وأصوله في المخطوطات

إن من أسس علم تحقيق المخطوطات, ضبط الوقائع التاريخية للمخطوط, وتخريجه في صورته العلمية, التي تساعد القارئ على فهم وإدراك محتويات المخطوط, ومن الخطوات التي يجب على الباحث اتباعها في علم التحقيق, التأكُّد من صحّة عنوان الكتاب, وصحّة نسبته إلى مؤلّفه، وذلك بالرجوع إلى المصادر "البيبليوغرافية" في الفهارس, ومن أهمها كتاب بروكلمان "تاريخ الأدب العربي"، وكتاب "مصادر دراسة التاريخ الإسلامي" للفرنسي جان سوڤاجيه.

ومن ثم البحث عن نسخ المخطوط وجمعها، وذلك بالرجوع إلى ما نشر من فهارس مكتبات المخطوطات في الشرق والغرب، وإلى الأدوات "الببليوغرافية" المكتبية, التي عنيت بحصر المخطوطات العربية, ومن ثم اختيار النسخة الأصل, أو الأقرب الى الأصل, في حالة عدم إمكانية تيسيرها,  لتكون أصلاً تقابل عليه النسخ الأخرى، باعتماد معايير المفاضلة بين النسخ,  وإن رجوع التحقيق الى نسخ متعددة من الكتاب, يعد مؤشراً علمياً لرصانة التحقيق.

ويجري التعامل مع النص, بتوضيح الغامض من الألفاظ، والتعريف بالأعلام والأماكن، وتخريج النصوص وإرجاعاتها الى مصادرها، والتنبيه الى ما قد يكون بالكتاب, من أخطاء موضوعية علمية, أو لغوية شكلية. إن التوسّع في ذكر المصادر والمراجع يجعل التحقيق أكثر رصانة, فضلاً عن التهميشات أو التخريجات, التي تنصرف الى التعريف ببعض المفاهيم والمصطلحات, التي يقدّر ضرورتها المحقق.  

ومما درج عليه الأقدمون, وتفرضه المنهجية البحثية, في الجوانب الهيكلية من نموذج البحث, هو التقديم للنص, بمقدمة تعرّف بالكتاب ومؤلفه، وتبين أهميته في مجاله، كما تعرّف بالنسخ المتيسرة من الكتاب في العالم، والنسخ التي اعتمد عليها في التحقيق, فضلاً عن المنهج المتبع في التحقيق, وهي بذلك تعبر عن مقدمة نمطية قياسية, في تصدير البحث العلمي, ويمكن أن يضاف الى النص الكشافات التفصيلية, التي تيسر الوصول الى جزئياته, من شخصيات وأعلام وأماكن وأحداث ووقائع.

 

الصياغة العربية لمباني علوم المخطوطات

ويذهب الكثير من الباحثين, الى أن ابرز المنجزات العلمية العربية المتأخرة في هذا المجال, هي كتب "دراسات في علم المخطوطات والبحث الببليوغرافي" و"المخطوط العربي وعلم المخطوطات"، تأليف الأستاذ الدكتور أحمد شوقي بنبين, و"الكتاب العربي المخطوط وعلم المخطوطات"، تأليف الأستاذ الدكتور أيمن فؤاد سيد, و"علم الاكتناه العربيّ الإسلاميّ"، تأليف الأستاذ الدكتور قاسم السامرائي, و"علم المخطوطات العربي", تأليف الأستاذ عبد الستار الحلوجي, الذي صدر عن دار القاهرة للنّشر، مطبعة جامعة القاهرة, عام 2004 م.

ويرى جل منظّري هذا العلم, انّ المفهوم الشامل لعلم المخطوط العربي, الجامع لتفريعات علوم المخطوطات الغربية, هو صالح لأن يضمَّ جميع ما يتعلق بالمخطوط العربي, من علوم وقضايا تفصيلية، خلافا لما ذهب إليه بعض المتخصصين, من قصر مجال دراسة علم المخطوط, على الدراسة المادية له[20], أي أنّ مصطلح "علم المخطوط", مقابل للمصطلح الغربي "كوديكولوجيا", بالتحديد.

ويذهب البعض الآخر, من المنظرين في علوم المخطوطات, الى القول بتجميع المفردة عربياص, بمعنى أن مصطلح "علم المخطوط العربي",  قابل لتحمل جميع ما يتصل بالمخطوط العربي, من علوم ومعارف وفنون[21]، وأنَّ قصره على الدراسة المادية للمخطوط، والتزام مفهوم الترجمة الحرفيّة للمصطلح الغربي "كوديكولوجيا", هو غير ملزم للهيئة العلمية العربية الاسلامية، وأنَّ استخدامه من قبل بعض الباحثين العرب, فإنّه ممّا يحتمل النقاش، والقبول والرّد، إذ لا مشاحة في الاصطلاح, كما قال القدماء.

وأمّا دراسة الكيان المادّي للمخطوط, فالرأي أنّ مصطلح "صناعة المخطوط", يكون مناسباً له، وأنّه بديل جيد عن استعارة لفظ "كوديكولوجيا", كدأب العربية دائماً, في إخراج المفردات الخاصة بها للمصطلح الوافد, مهما يكون, وهو ربما تفرّد للعربية, عن سائر اللغات الحية, في تداولها للعلوم المعاصرة.

وفي نفس السياق فقد استحدث الدكتور قاسم السامرئي، بديلاً آخر عن مصطلح "كوديكولوجيا", وهو "علم الاكتناه العربي الإسلامي", الذي دمج  معه علم "الباليوغرافيا"، أو علم الخطاطة, ويحدّد مفهومه[22], بأنه يشمل الفنيَّن المعروفين في اللغات الأوروبيّة, وهما "الكاديكولوجيا" وهو العلم الذي ينصرف الى شكل ومادة المخطوط ذاته, و"الباليولوجيا", وهو العلم الذي ينصرف الى شكل الخط في المخطوط, وقيمته الفنية ومرحلته التاريخية, ليستق من كل المعاني والدلالات المبينة لكليهما, مصطلحاً عربياً هو "علم الاكتناه العربي الإسلامي".

 

المعالم المستقبلية لعلوم المخطوطات

وفي محاولة للنهوض بعلم المخطوطات, بهدف تقدمه وتطويره، ارتأى المختصون في هذا المجال, الذين فكروا واعتبروا, أن دراسة المخطوط, ما كانت إلاّ إحدى الوسائل, لدراسة التحولات الثقافية في  المجتمعات، لأن يعتمدوا مقاربة معاكسة, تتجلى في جعل التاريخ الثقافي, أداة ووسيلة للبحث, في تاريخ المخطوط.

وقد قام هذا المشروع العلمي المجتمعي الوطني والعالمي, بدراسة الأرصدة الضخمة من المخطوطات, المحفوظة في خزائن العالم, بطرق متقدمة وخاصة, تمكنهم من الإجابة عن العديد من التساؤلات, لبيان عدد المخطوطات التي نسخت في جهات مختلفة, وفي فترات تاريخية معينة, والوسائل المستعملة لإنجازها, والكلفة والمردود الاقتصادي, والآثار الاجتماعية والثقافية لهذه العمليات وسواها, بما وضع المخطوط في محيطه المادي والتاريخي والجغرافي.

إن وضع الأسلاف لكتب الفهرسات والتراجم والمؤلفات, التي اهتمت بالكتاب المخطوط, كتابة وقلماً وصناعة وتجليداً وتذهيباً واصطلاحاً وتجارة وما إلى ذلك, مما عبر عنه الأقدمون بالوراقة, التي جعلها ابن خلدون شاملة للانتساخ والتصحيح والتسفير, وسائر الأمور الكتبية والدواوين، لكنها لم تتعرض للتقنيات والجزئيات والحفريات والمعالجات, التي تفرضها مقومات "الكوديكولوجيا" الحديثة ومكوناتها, على دراسة مادة المخطوط لذاته, بشكل علمي أثاري "أركيولوجي".

إن هذا الهدف العلمي البحثي, يستوجب الدراسة الشاملة للتراث, من خلال وضع اطار لعلم المخطوط العربي, من الناحينتين "الكوديكولوجية", وهو علم الدراسة المادية للمخطوطات, و"الفيلولوجية", وهو علم دراسة نصوص المخطوطات, فضلاً عن دراسة الخط القديم وفق الأدوات "الباليوغرافية"[23] العلمية, أو "علم الخطوط والكتابات القديمة", وكذلك "الببيبلوغرافيا", وهو علم الفهرسة والثبت المكتبي للكتب.

                                

الجهد العربي في دراسة المخطوطات

إن التراث العربي المخطوط, ما زال يفتقر إلى كشاف شامل للمنتج الفكري والعلمي, العربي الإسلامي, بالرغم من الجهود المبذولة, في مختلف جهات المعمورة, ولتحقيق هذه الغاية، لا زالت الحاجة العلمية الماسة, للقيام بمسح شامل لهذا التراث, على مستوى الوطن العربي, وسائر البلاد الإسلامية.

إن ظهور بعض الأعمال من هذا القبيل, في جهة من الجهات وبشكل انفرادي, قد لا يعني أن مؤسسة التراث العربي الإسلامي, في الطريق القويم, للقيام بهذه المهمة الأساسية, من مهام علم المخطوط العربي. وإذا كانت الفهرسة من عناصر علم المخطوطات القليلة, التي تمارس في الجهد العربي الإسلامي, والتي يمكن اعتبارها مكوناً أساسياً من مكونات علم المخطوط، فإن اختلاف المناهج, وتضارب الآراء بين المشتغلين بها, من حيث النمط المتبع, والبطاقة النموذجية, دون إعتماده غاية عليا, قد لا تساعد على البت في هذه القضية, كونها المفتاح إلى باقي المكونات, وفي مقدمتها القيام بوضع "فهارس الفهارس".   

إن أول محاولة جادة لهذا النوع من الفهارس, هي التي قام بها المستشرق الألماني بروكلمان في الجزء الأول من كتابه الكبير "تاريخ الأدب العربي"، بالرغم من ندرة الفهارس الخاصة بالتراث العربي المخطوط, حتى نهاية القرن التاسع عشر, وهو الزمن الذي وضع فيه هذا المستشرق كتابه في العام 1898.

ويمكن تأشير الجهود الرائدة المتقدمة في بعض المحاولات, حين وضع العالم العراقي كوركيس عواد[24], كتابه "فهارس المخطوطات العربية في العالم", نهاية ثلاثينات القرن الماضي, مروراً بالمستشرق الفرنسي "فاجدا" في كتابه "دليل الفهارس وقوائم المخطوطات العربية" في العام 1949, وثم المستشرق هيويسمانHuisman , في كتابه "المخطوطات العربية في العالم"، ثم كتاب فؤاد سيزكين "تاريخ التراث العربي", ثم أعقبهم مجموعة من المهتمين بالمخطوط العربي الاسلامي.

وتعد جهود الباحث الأستاذ هلال ناجي, والأستاذ البحاثة حسين علي محفوظ وسواهم, من الأعمال الرائدة في هذا المجال, ومن بين العلماء العرب, الباليوغرافي العربي السوري, الدكتور صلاح الدين المنجد, الذي أصدر في العام 1960م "الكتاب العربي المخطوط إلى القرن العاشر الهجري"، ويتضمَّن نماذج مصوَّرة من الخطوط العربية، رتَّبها ترتيباً تاريخيّاً، وفي العام 1969, نشر كتابه "دراسات عن الخط العربي منذ نشأته إلى آخر العصر الأموي", وقام بعمل "ببليوغرافي" في الفهرسة, و"باليوغرافي" في الخطاطة, ليفتح آفاقا لجهد التحقيق فيها، وأصدر موسوعته "معجم المخطوطات المطبوعة", التي رصد فيها ما طبِع من المخطوطات العربية الإسلامية, إلى العام 1980، محققًا تحقيقا منهجيّا.

   

معالم الجهد البحثي في المخطوط العربي وأفاقه

إن الجهد العلمي البحثي, في الدراسة العلمية البحثية للمخطوطات العربية, بمختلف مجالاته العلمية, وبرغم تواضع الاهتمام فيه, كان من مخرجاته, أن عثر على كثير من النصوص الشعرية والنثرية والفقهية في بطون الكتب، خاصة منها ما يسمى بـالمؤلفات الموسوعية, وهي نصوص منقولة أو مقتبسة, من كتب ضاعت وغير معروفة إلاّ بالاسم[25].

ومن القضايا الملفتة في هذا الحقل من التراث العلمي, ما يعرف بغربة المخطوطات العربية عن موطنها، وأماكن تأليفها، متمثِّلة في تسرّب التراث العربي الاسلامي المخطوط, في القرون الأخيرة, إلى أوربا وأمريكا، في غفلة من القائمين عليها، ومن مدن تحفظ خزاناتها, أمهات المخطوطات العربية, مثل بغداد ودمشق والقاهرة, وقد تكون جزءا أسباب من تحصيل هذه المخطوطات, في تلك المواقع, هو النشاط العلمي البحثي, في التعاون معها خلال الحقب القديمة, أو من خلال السفارات التي كانت ترسل اليها, خلال العلاقات البينية, على المستوى السياسي والاقتصادي والتجاري, وبعضها كانت تتبع دولة الخلافة الاسلامية, أو الإمارات العربية المتوسطية, في عصور مختلفة.

لقد رصد العلامة كوركيس عواد مثلاً, قرابة عشرة آلاف مخطوط عربي في مكتبات مدينة لينينغراد الروسية, "حالياً تسمى سانكت بيتربورك", خلال زيارته العلمية لها, وقد ثبت الكثير منها في موسوعاته عن المخطوط العربي.

ويشير مثلاً "فهرست المخطوطات الاسلامية في قبرص", الى وجود 2255 مخطوط جلّها في العربية, فضلا عن ان الموجودات الأخرى, تعّد في علم المخطوطات عربية أيضا, كونها قد كتبت بالحرف العربي, وهذه المخطوطات موزعة في خزانات الجوامع الرئيسة, ودار المحفوظات الوطنية, وقد أصدره وقف الأبحاث التاريخية, بتقديم واف من قبل الأستاذ الباحث أكمل الدين احسان أوغلو, ومن بينها مخطوط  كتاب "مجمل اللغة" لإبن فارس, الذي كتب سنة 590هج.

وعليه فإن هذه الفهارس وغيرها, قد تسهم في الكشف, عن مكان المخطوطات وعناوينها, غير أنها تفتقد الى تقديم الصورة الحقيقية عن مكنونها, لتمكن الباحث من الاطلاع عليها ودراستها, دون الحاجة للسفر إليها, عوضاً عن مشاهدة أصولها المنزوية في مواقعها, وقد وفرت بعض الفهارس, التي اعتمدت التقنيات المتطورة, هذه الإمكانية, مثلاً مخطوطات مكتبة آل كاشف الغطاء في النجف الأشرف, حيث جرى برمجتها في قرص مدمج, لتمكن الباحث من تصفح المخطوط, وتفحص أوراقه من جميع الزوايا.

 

الآفاق المستقبلية في دراسة المخطوط العربي

إن التسهيلات العلمية البحثية, التي وفرتها التقانات الالكترونية, قد تسهم في الدراسة "الفيلولوجية" المتقدمة للمخطوطات, في الاطلاع على متونها ونصوصها, ودراستها وقراءتها, دون الحاجة للمشاهدة المادية المباشرة للمخطوط, وكذلك قد تضمن الدراسة "الباليوغرافية" للمخطوط, في دراسة خطوطها ورسومها وكتاباتها, غير أن ذلك لا يلبي متطلبات الدراسة "الكوديكولوجية", التي تفرض الفحص المادي للمخطوطات, لغرض دراستها لذاتها, واستظهار حالتها, لغرض التعرف على تاريخها, ومكان انجازها, وحالتها المادية, وظروف تنقلها وخزنها, والمادة المنتجة منها, وفقا لاشتراطات هذا الحقل الدراسي, بغية تحقيق الأهداف العلمية منه.

وعليه فإن هذا الاشتراط العلمي, والذي ينتقل الى مهمة عليا, سيتطلب تكثيف الجهد في تلك البلدان الغربية, التي تحتفظ بالمخطوطات العربية, بهدف العودة بها الى الوطن, بصفتها حاجة علمية بحثية, فضلاً عن كونها ثروة قومية, يتطلب السعي لإعادتها الى موطنها, اسوة بالمواد الأثرية "الأركيولوجية", التي تتولى منظمات دولية, العمل على عودتها لبيئتها وموطنها.

ولكن ذلك لا يكون بغرض العرض والإعلام, وإنما بهدف إنجاز نشاط علمي تحقيقي, وإنجاز المشروع الواعد, في وضع الفهرسة "البيبلوغرافية" المكتبية الشاملة المتكاملة, للمخطوط العربي الإسلامي, والشروع بالدراسة المكثفة لها, بوسائل التحقيق العلمي, والأدوات البحثية المعاصرة, في الدراسة المعمقة للمورث من المخطوطات, في التراث العربي الاسلامي.

www.alshirazi.com

آخر شعبان/1432


[1]    وهي الترجمة الانجليزية له عن الاسم اللاتيني  وهو Bibliotheca bibliothecarum.

[2]    ويعرف في الأبجدية اليونانية φιλολογία, ويجري تداوله في الثقافة اليونانية ولغتها بمعنى الأدب أيضاً, كونه ارتبط أصلاً باللغة وعلم الألسنة, ودراسة النص اللغوي وقراءته, وهي من مقاصد الأدب.

[3]   ولا زالت بعض الجامعات الأوربية كجامعة لندن مثلاً, تسمي المؤهل العلمي في اللسانيات Linguistics مؤهلاً في الفيلولوجيا المقارنة Comparative Philology بحسب التسمية القديمة.

[4]   تمام حسان, الدكتور, دراسة إيبستمولوجية لأصول الفكر اللغوي العربي, دار الثقافة، الدار البيضاء، ط1, 1981.

[5]   أحمد شوقي بنبين, الدكتور, نحو تأسيس علم مخطوطات عربي, التجربة الغربية, الخزانة الحسنية ـ الرباط.

[6]    ألفونس دان “Alfonse Dain” , وإليه ينسب هذا المفهوم,  وكذلك وضع صيغة اللفظ Codicologie .

[7]    يعود هذا التعبير الى العالم "الكوديكولوجي الأركيولوجي" البلجيكيي مازي  .Masai

[8]     أحمد إيشرخان, الدكتور, الكاديكولوجيا وعلم تحقيق المخطوطات, بحث أكاديمي, جامعة سيدي محمد, الرباط, 2010.

[9]    في الابجدية اليونانية  παλαιο  أو   παλιός بصيغة الصفة, أو παλιά بصيغة الإسم. عن المصدر السابق.

[10]  في الأبجدية اليونانية تكتب γραφια, بالصيغة الاسمية, مشتقة عن الفعل γράφω .عن المصدر السابق.

[11]   وفي مجال الحرف العربي وتطوره, وأشكال الخطوط القدية والحية فيه, يعد كتاب "الجامع في الخط العربي وأدابه", من نوادر هذا الفن, وهو لمؤلفه العراقي, السيد عبد الوهاب عبد الرزاق الحسيني, الملقب بنيازي, وبامير الخط العربي, المتوفي في العام 1909, وقد ترك أكثر من خمسمائة مخطوط نادر, محفوظة في مكتبة الأثار العراقية, فضلاً عن موجوداته الشخصية الأخرى, من نفائس المخطوطات والخطوط. عن, وثائق حفيده, عالم المخطوطات, الأستاذ هلال ناجي. 

[12]   يمثل الدكتور صلاح الدين المنجد, معلماً في الباليوغرافيا العربية الاسلامية, نشط في توليه ادارة هذا المعهد, حيث أثري بالمخطوطات والمصورات النادرة التي حصلت من مختلف أرجاء العالم, من مواليد دمشق, تخرج من جامعة السوربون في الخمسينات, في القانون الدولي العام، وفي التاريخ، في علم المكتبات وعلم الخطوط, الباليوغرافيا, عضوًا في مجمع اللغة العربية، والمجمع العلمي العراقي ببغداد، اهتم بدراسة الباليوغرافيا وعلم الخطوط العربية, بتعامله مع المخطوطات العربية وتحقيقها، والدِّراية بخطوطها، فاهتمَّ في إنجازاته بتاريخ الخطِّ العربي، وتطوره ومدارسه، وأنواعه وأدواته، وأشهر الخطَّاطين والخطَّاطات، وقد انصرف الى دراسة الخط العربي من الناحية الجمالية والحضارية،ووضع معجمًا للخطَّاطين والنسَّاخين والمصوِّرين والمزوِّقين في الإسلام.

[13]  في الأبجدية اليونانية  βιβλιογραφία .

[14]   في الأبجدية اليونانية βιβλίο.

[15]   في الأبجدية اليونانية γραφω.

[16]  التسفير هو التعبير السائد في المغرب العربي, لدى العلماء والمهتمين في علوم المخطوطات وإحياء التراث العلمي, للدلالة عن أعمال التجليد للمخطوط.

[17] من أمثلة المفهرسين, الفقيه المنوني, والدكتور أحمد شوقي بنبين, من المغاربة, والعلامة كوركيس عواد, والدكتور صلاح الدين المنجد, والأستاذ الدكتور حسين علي محفوظ,  وسواهم.

[18]   عبد الستار الحلوجي, علم المخطوطات العربية,  دار القاهرة للنّشر، مطبعة جامعة القاهرة, القاهرة,  2004 م .

[19]   ويعد عالم المخطوطات العراقي, الموسوعي الأستاذ هلال ناجي, من النماذج العلمية, التي تحرص على نقل الخبرة والتجربة, وتيسير الأدوات العلمية والبحثية, فقد يسر موجودات مكتبته, من نفائس قيمة من عيون التراث العربي الإسلامي, وأتاحها للباحثين والمختصين, وقد أحال الكثير منها الى طلبة الدراسات العليا, الذين حصلوا في تحقيقها ودراستها, أرفع الدرجات العلمية, تحت توجيهه وإشرافه, وفق ثقافة "ان العلم يزكو بالإنفاق", من خلال تمكينهم من إعلاق المخطوطات والمصورات, في مكتبته ذات الخمسين الف عنوان, مما لا يتحصل في الكثير من المكتبات العائدة للدول, وقد حقق بنفسه الكثير من أمهات التراث العلمي, بما يشار له بالريادة عربيا, في مجال علوم المخطوطات العربية, والحرص على تحصيلها وحفظها من مختلف أصقاع العالم, وتيسير دراستها.

[20]    عصام محمّد الشنطي, مداخلة في كتاب "علم  المخطوطات العربي" للحلوجي.

[21]   وفي التراث العربي الإسلامي, أمثلة كثيرة على العلوم التي تندرج تحتها علوم فرعيّة، كعلوم القرآن، وعلوم الحديث, وعلوم البلاغة، ونحوها.

[22]    قاسم السامرائي, الاستاذ الدكتور, علم الاكتناه العربي الإسلامي,  ص 17.

[23]   في الأبجدية اليونانية تكتب παλαιογραφια, عن المعجم اليوناني لجامعة أثينا, دراسة في المفردات اللغوية, مصدر سابق.

[24]   عالم موسوعي عراقي, 1908-1992, من مواليد الموصل, وانتقل للسكن في  بغداد, من المتقدمين عربياً واسلامياً, في العلوم المكتبية ودراسة وفهرسة المخطوطات, ولقب بابن النديم لشهرته الموسوعية واهتمامه في الفهرسة, تخرج في دار المعلمين في بغداد عام 1936, ونشط في التأليف المكتبي وعلوم المخطوطات, عضو المجمع العلمي العراقي, أنجز الفهرسة العلمية لمكتبات المتحف العراقي وجامعة المستنصرية وسواها, نشر عشرات الكتب والموسوعات في مجال الجغرافية والتاريخ, منها موسوعته الكبرى عن المؤلفين العراقيين, التي ضمنها المؤلفين في العراق منذ العام 1800 وحتى العام 1969, حيث أكملت دار الحكمة العمل نفسه لعشر سنوات لاحقة, ولا زالت مستمرة في العمل, ومن مؤلفاته الرائدة في علوم التحقيق في التراث العلمي ودراسة المخطوطات, "الورق أو الكاغد وصناعته في العصور الإسلامية", "خزائن الكتب القديمة في العراق منذ أقدم العصور حتى سنة 1000هج", "المخطوطات العربية في دور الكتب الأمريكية", "جولة في دور الكتب الأمريكية", "مكتبة الاسكندرية", "مكتبة المتحف العراقي في ماضيها وحاضرها", "المخطوطات التاريخية في مكتبة المتحف العراقي", "مصادر التراث العسكري عند العرب", الذي اشتغل فيه عملاً  دؤوباً لثمانية عشر سنة. حقق أكثر من أربعين كتاباً, وتنقل في مكتبات العالم للبحث في المخطوطات العربية, التي ثبت عشرات الآلاف منها, وضمنها في موسوعاته الرائدة, في هذا الحقل العلمي على المستوى العربي والاسلامي .  

[25]   حكمت بشير ياسين، القواعد المنهجية في التنقيب عن المفقود من الكتب والأجزاء التراثية.