![]() |
|
المناهج والمنهجية - منهج البحث الأركيولوجي الحفري والدراسات المعمّقة في التراث العلمي/18
"دراسة أكاديمية تحليلية ومنهجية"
د.هيثم الحلي الحسيني "الحلقة الثامنة عشر" منهج البحث الأركيولوجي الحفري والدراسات المعمّقة في التراث العلمي
موقع الإمام الشيرازي
أدوات البحث المعمّق في التراث العلمي كي يستكمل البحث المعمّق في التراث العلمي, عناصره وأدواته البحثية, يتطلب الى جانب التوسع البحثي الأفقي فيه, عمقا عموديا في مقاربة النص المنقول, وسبر مكنوناته في الوصول الى فكره الظاهر, ثم التوغّل في أعماقه, لجهة كشف ودراسة الفكر المسكوت عنه في النص, وذلك لإحياء الفكرة التي جاشت في عقل المؤلف, والتي قد يكون قد سكت عنها في ظاهر النص, لكن الباحث في التراث العلمي, يمكنه بمهمته البحثية, ان يتحصّل عليها في باطن النص, وليس الإكتفاء باخراجه الى الحياة, على صورته الاولى. والى ذلك ستنصرف هذه الحلقة الدراسية, في القاء الضوء على عناصر ومؤشرات المنهج البحثي, الذي يضطلع بهذا الشكل من مقاربة النص, والقراءة الفكرية المعمّقة له, في الغور في عمقه العمودي وطبقاته المغمورة, وهو المنهج الذي يطلق عليه بالحفريات المعرفية, أو المنهج الأركيولوجي الحفري. ان هذا الشكل من "الأركيولوجيا"[1], التي بدأت تترسخ في العلوم الإنسانية, والتي تعرف بالمنهج الأركيولوجي الحفري, يقصد بها البحث المعمّق, في متون الوقائع, أو الوثائق التاريخية, وقراءتها مجدداً, قراءة مختلفة, بشكل عمودي, سواء باستخدام أدوات البحث المعاصرة والمستحدثة, أو باستحضار المرونة في الذهن, والقدرة الإستيعابية المنفتحة, على أفاق النص ومكنوناته, دون الإنغلاق على صورته التقليدية, ومدركاته الموروثة الشائعة. فهذا المنهج البحثي, يعد بذلك شكلا متقدما ومعمّقا, من المنهج النقلي, كونه يتماهى معه, في إنصرافه لمقاربة النص الموروث, بغرض دراسته والبحث فيه, وإستبيان مضامينه ومدلولاته, ومكامن المعرفة والفكر فيه, غير أنه يتميز عنه, في أدواته البحثية, ورؤيته للنص, وآليات تناوله له.
مقاربة في منهج البحث الأركيولوجي الحفري Method" Curriculum of Archeological fossil" نهضت "الأركيولوجيا" أو علم الآثار, لتترسّخ أيضا في العلوم الإنسانية, من خلال تفعيلها وفعالياتها, في الآثار الثقافية والعلمية المعرفية, وسائر النصوص الإبداعية الموروثة, مستعيرة بذلك نفس دالّتها في الآثار المادية, فتولّد من ذلك المنهج الأركيولوجي أو الحفري, والذي يطلق عليه أيضا, التحفيري أو الحجري, أو منهج الحفريات المعرفية, من المدلول اللغوي لمفردة fossils[2]. وهذا المنهج النقلي المعمّق, يعني أيضا البحث في وقائع الأحداث, أو الوثائق التاريخية, وقراءتها مجدداً بشكل مختلف, بهدف الكشف, عن شيء غير معروف فيها سابقاً، أو قد عرف على أنه حقيقي وواقعي, وهو يخضع في ذلك, لظروف موضوعية وذاتية معينة. ينصرف المنهج الأركيولوجي الحفري المعرفي, الى ما وراء الظاهر من النص, في قراءة ما يخفيه أو يسكت عنه, فهو يولد بذلك نصا ثانيا, يمكن اعتباره بمثابة الصنو الآخر للنص الاول, ويخلق بذلك قراءة ثانية, تخترق النص الاول, وتكشف عن بعض إمكاناته, التي لا تقولها الكلمات المعجمية, وانما ينطق بها, المعنى الايجابي الدلالي في النص, وبذلك يؤدي الوظيفة ذاتها, بالنسبة للأثر الأدبي الإبداعي, في المنهج الأدبي النقدي المعمق, فهو يقوم بتقفي آثار العالم الذي ينبض حركة, ولا يراد له الأفول, وهو يستنهض النص المبتور, من دفاتر الحياة اليومية, والذي تم إسكاته عنوة, صانعا بذلك واقعيته, في شكل عراء فاضح, لتلك الآليات الاجتماعية المرفوضة, التي قد تدعي الفضيلة الفكرية, وتتستر تحت بنيوياتها. هكذا تتغير النظرة الى النص, وينقلب التعامل معه, فلا يعود مجرد راوية للحقيقة, بل يصبح منتجا لها[3], ولا يعود مجرد خبر عن الوقائع, بل يغدو هو نفسه واقعة, تفرض نفسها الى مستقبلات وعي المتلقي, وهذه العلاقة الجديدة مع النص, هي الشكل المتقدم من "الواقعية". عليه فإن وفق هذا المنهج, أصبح الانسان فكرة, والجماعة لم تعد مجموعة أشخاص أو أناس, وانما اجتماع على فكرة, وكذا المجتمعات لم تعد جمع لجماعة, وانما جمع لفكرة وأفكار, ويستدل من هذا المنهج أنّ بالفكرة, يضمن الانسان بقاءه الفيزيولوجي أو يزول, وبالفكرة تأخذ المجتمعات مسرى تواصلها أو فنائها, فاصبح لزاما على المجتمعات المهددة, بالزوال أو الإنقراض, ان تبحث عن علاقة جديدة لها مع الوجود. ان الخطاب القديم الموغل بالقدم, بالكليانية والمطلقية, والرؤية الأحادية المغلقة, التي تقف دائما موقف المدافع عن النفس, أصبح مهدداً بالخطر الخارجي, لانه خطاب برئ, وطفولّي وساذج, تتآكله البطالة والصدام الأهلي, وصراع العقول, وتآكل البنى الاقتصادية ومنجزات الإبداع, من مسارح ومكتبات ومتاحف, وسائر دور ومراكز الثقافة والتنوير, لان بنيتها لا تتبع الحركة السريعة, التي تنطلق بها المركبة الكبيرة للعالم, فلم يعد المحيط هو الذي يحدّد الأفكار, بل الأفكار هي التي تجهد ذاتياً, بشكل يتماهى مع طبيعة الانسان, وبما لا يخلق إغترابا, بين الفكرة والانسان, وبين الكلمة والشئ. عليه تستوجب قراءة النص, في أي خطاب معرفي, شكلا من القراءة الجديّة الملتزمة والمؤسسة, ترفل وراءها زخم التجربة الذاتية والتقلّبات المحلية, وتزاوجها بعلاقات جديدة, مع الوجود والحقيقة والعالم[4], مما يفرز تباعا لذلك, الفكرة المشحوذة على حجر التجربة, والمفهوم المختبري في الإنتاج المعرفي. لقد وضع المفكر الفرنسي "ميشيل فوكو"[5], أسس المنهج الأركيولوجي, الحفري المعرفي, ومارسه في أعماله الفكرية, من خلال الحفر في النصوص, لأصناف معرفية مسّت الخطاب, الذي يولد من خلاله الانسان, في علاقته مع الكلمات, عبر مختلف الأشكال السلطوية, في ممارسة الرقابة أو فرض القمع الفكري, حيث يسلك المنهج في هذه القراءة, الحفر المعرفي, ثم التفكيك والتأويل. تمارس الحفريات المعرفية, تحليلا ونقدا لمضمون النص, تاريخيا ولغويا وفلسفيا ونفسيا وأدبيا, في التعامل مع الأثر النصّي, الذي يتكامل مع الكتابة, على انها فعل خلّاق, ينعكس في العديد من مجالات الحياة, والعلاقات البينية في المجتمع. ويرى الحفر الكتابة, على انها ميزة راقية, تتسم بها المجتمعات المتحضرة, وفعل الحفر فيها تاكيد على ذلك, من اجل انهاض الفكرة من السبات المفروض عليها, وتحريرها لبعث حركة "ديناميكية" جديدة, تكسر التجمد فيها, وتنطلق من الدلالات العميقة, وبذا يعبر عنه بانه امتداد للأعمال البنيوية وانشطار عنها.
دراسة التراث العلمي في الإدراك الأركيولوجي الحفري يفهم التراث العلمي الإنساني والحضاري, في المدركات البحثية الأركيولوجية, على انه مجموعة متراكمة ومتلاحقة, من العصور والحقب الزمنية, وهذه القرون المتطاولة, متراتبة بعضها فوق البعض الآخر, كطبقات الأرض الجيولوجية, أو الأثارية "الأركيولوجية"، وللتوصل بحثا ودراسة, إلى الطبقات العميقة منها، التي تمثّل القرون التأسيسية الأولى لها, لا بد من اختراق الطبقات السطحية الأولى والوسطى, ولا بد لمؤرخ الفكر, كما يقول المفكر "فوكو", أن يكون أركيولوجي الفكر[6], ليتبين له بوضوح, أن مفهوم التراث غير منفصل في أبعاده الكاملة, عن المنهج الذي يتبناه في البحث, بحيث يبدو أن استعارته لمفهوم الحفر الأركيولوجي, هو الذي بلور هذه الصفة الجيولوجية للتراث، ليعطي إحساساً بالجمود والسكونية, يسريان في دواخل الطبقات الفكرية المكونة له. ولعل هذه الصورة تبدو أكثر وضوحاً, عند التعرّف على التركيبة الداخلية لهذه الطبقات، وهي العناصر الثاوية تحت مسمّى التراث, وفق متبنيات الإدراك والإعتقاد, ان هذه الفصول المكتوبة, من قبل باحثين متخصصين, تشكل وصفاً للمعارف المتراكمة, المتعلقة بكل موضوع أتى به التراث العربي نموذجا, القديم منه والإسلامي, كالشعر الجاهلي، والنثر العربي البدائي، وفي التأثيرات اليونانية والفارسية, على الأدب العربي, كما يعرّف بذلك المفكر "أركون"[7]. وعليه فان التراث, وفق هذه الرؤية, هو بنية تراكمية, تشكلت عبر أجيال متلاحقة، تكونت من مزيج من المعارف المتداخلة, قد أكسبت بعض جزئياته, مضموناً ثبوتياً, مما يقتضي إنتاج قراءة تفكيكية لمكوناته الداخلية. وعلى ذلك فإن هذا المنهج البحثي, يتحدد انطلاقاً من التصور الأثاري "الأركيولوجي" للمعرفة, باعتبار أن صفة التراكم التي تميّز التراث, تفرض التعاطي مع منتجاته المعرفية بشكلها المتداخل, العمودي والأفقي, في حدود معطيات هذا التصور, والمنهج البحثي الذي ينتجه, ويستجيب لأدواته, والذي يعتمد بشكل خاص, على المنهجية الحفرية الأركيولوجية, التي تبحث عن آليات الخطاب, في تشكيل المعنى, وتتجاوز منطوق الخطاب, للبحث عن مضمراته, والكشف عن آليات اشتغاله[8].
البحث والخطاب التاريخي في المنهج الأركيولوجي ان "الأركيولوجيا" بصفتها منهج للحفر, والتنقيب والتعرية, في فعاليات الحياة, ونصوص الوثائق والخطابات المحفوظة, تسعى من أجل كشف النظم المعرفية, التي تحكمها وتنظّمها في سياق واحد, فالمنهج الأركيولوجي, في هذا المضمار, هو "دراسة البنية الضمنية للمعرفة"[9], كما وإن النظام المعرفي, هو "الأرضية التي تقوم عليها, معرفة عصر معين, ومجاله المرئي"[10]، وهو المرتكز الثابت الذي يطلق خطاباته, وهو الفضاء الذي تنتشر فيه موضوعاته، وقانون تواتر مفاهيمه، ونظام توزّع مشاكله, وقاعدة تصنيف أساليبه, من حيث فرض الإكراهات المغلقة, وغير المحددة الملامح، التي تعرف في مضمون الخطاب. ان كيفية كتابة النص التاريخي, وما يتضمنه من أحداث مدونة, أو أخرى مسكوت عنها، أو أُقصيت أو قمعت الحقائق فيها، وطبيعة الظروف التي أنتجت نصوصه وفقها, هو ما تنصرف الدراسة البحثية الأركيولوجية الحفرية, الى الافصاح عنها وكشف مكنوناتها, التي قد تكون قد تخطتها, كتب التاريخ النمطية, التي ترعاها الدول ومؤسساتها أحيانا، أو بعض المواقع الثقافية والأكاديمية، وهيئات المجتمع العلمي, من خلال البحث في المحررات المكتوبة بجميع أشكالها, وفي مختلف مجالات التأثير المجتمعي, في السياسية والاقتصاد والقضائية, وفي نتاجات الثقافة والإبداع. إضافة إلى ذلك، فان منهج البحث الأركيولوجي, يحفر وينقّب في الوثائق الرمادية، كما يعبر عنها المفكر الألماني "فريدريك نيتشه"، وهي الوثائق المهملة, التي من غيرالمتوقع, أن يقرأ فيها, ما يفيد أو يخرج عنها بمعلومة, مثل وثائق العقود المختلفة, المبرمة في حقبة تاريخية معينة، بين الدولة والفرد, أو بين الأفراد في المجتمع.
الرؤية المعاصرة للبحث المعمق في التراث العلمي تفرض الدراسة المعمّقة المعاصرة, على الباحث الناشط في التراث العلمي, ان يستحضر مختلف المقاربات الفكرية, وأكثرها فاعلية, وان يستخدم أحدث الأدوات المنهجية والتقنيات العقلية المنطقية والإستقرائية, وان لا يعتمد على منهجية واحدة، بل يتبنّى استراتيجية منهجية "تداخلية متعددة الاختصاصات"، مستفيداً من كل الإنجازات المعرفية, التي تحققت في العقود الأخيرة، وهي فترة شهدت فيها المعرفة والعلوم الانسانية, طفرة كبيرة وتقدما ناجزا, أدت إلى تغيير خارطة الفكر, والرؤية إلى العالم.[11] ويمكن للباحث في التراث العلمي, ملامسة الفكر والرؤية الفلسفية, في المنهج البحثي المعاصر, في ان يقرأ نصوصاً بعين حفرية أركيولوجية، تكشف الفكر المسكوت عنه في النص, بينما يقرأ نصوصاً أخرى بعين إبستمولوجية, في تاريخ العلم والمعرفة المدونة, والفكر الظاهر فيه, وبرؤية النقد المعاصر, يتبيّن أن لا خطاب, من دون إستراتيجية عقلية, ظاهرة أو باطنة، ولا نص من دون شكل من أشكال العقلانية, أياً كان منطوقه اللاعقلاني. ان النص اللامعقول في منطوقه, قد ينكشف في الحفر والتنقيب, عن عقلانية واسعة, من حيث بنيته وأجهزته المفهومية, فعند قراءة الفيلسوف صدر الدين الشيرازي[12] نموذجا، نجد في خطابه[13] انصهاراً, لمختلف أنواع العقلانية، الواقعية والإفتراضية, وعليه فان الموقف العقلاني المطلق, هو نوع من الوهم, مؤداه التطابق المفترض, بين العقل والواقع, فمقولة "أنا أفكر", لم تعد بداهة, إذ تظهر في مقابلها, ما تعتبر التفكير, فعلا يحتمل الإحتمالات, فعليه ليس المهم التصريح بالموقف, وإنما القدرة على الخلق والابتكار.
منهج البحث في التأويل والتفكيك للنص ينظر للتفكيك في مناهج البحث, بأنه أكثر من مجرد اسلوب فلسفي لتحليل النص, وهو أكثر من أن ينحصر في مجموع تقنيات أو إجراءات منهجية, إنه شكل من اشكال التفكير, وليس منهجا محددا صارما, أو نسقا مقفلا, إنه منحى في التفكير ومشروع نقدي, لا يتكامل ولا يفترض دائما, إعادة التفكير والصياغة والكتابة. وينتهج الباحث في منهج التفكيك, مقاربة للنص في قطع الصلة مع المؤلف ومراده, ومع المعنى وإحتماله, بل يجري التعامل مع الوقائع الخطابية, بصورة مجردة, دون تصنيفها, أو تضمينها اشارات دلالية, أو علامات تنبئ بمخرجاتها, من خلال وصفها مواد أولية, يجري العمل عليها لانتاج المعرفة, وبما يتعلق بكيفية انتاجها. التفكيك يتجاوز منظومة الخطاب, الى ما يسكت عنه ولا يقوله, الى ما يستبعده ويتناساه, انه نبش للأصول وتعرية للأسس, وفضح للبداهات, ومن هنا شكّل التفكيك, إستراتيجية للتحرر من سلطة النصوص, وهيمنة المعنى أو "ديكتاتورية" الحقيقة, وجميع أشكال الممارسة للعلاقات البينية, في دائرة الهوية والإنتماء. ويعمل منهج التفكيك, بطريقة مفتوحة, تضع البحث فيه, خارج أي تصنيف جاهز, أو إطار جامد, وانّ مأزق هذا المنهج, يكمن في انّ أداته, تفترض بان الخطاب ليس بمنطوقه, بل بالمسكوت عنه[14], وهنا يظهر الفرق بين المنهج التفكيكي والمنهج التأويلي, في البحث وقراءة النص ومقاربته. أما منهج التأويل, فيعني صرف اللفظ الى معنى يحتمله, إنه انتهاك للنص وخروج عن دلالته, وهو يشكل "إستراتيجية" أهل الاختلاف والمغايرة, وبه ينتج الابتداع والتجديد, أو الاستئناف وإعادة التأسيس, ومأزق التأويل, انه يوسّع النص بصورة, تتماهى وعدسة التكبير, فتجعل المهتم به, يقرأ فيه كل ما أراد أن يقرأه.
المنهج الأركيولوجي ودراسات التراث العلمي ان المادة النصية المتضمنة في الموروث التراثي العلمي, والتي يبحث فيها المنهج الأركيولوجي الحفري, هي بمثابة أفكار ومفاهيم وقيم مندرسة, إندثرت في أعماق طبقات التاريخ, فيقوم هذا المنهج بمقاربتها, بالتنقيب عنها, وتعريتها بالحفر المعرفي المعمّق والدقيق, في الطبقات النصّية الجيولوجية, وإزالة ما رسب عليها, وتراكم مع الزمن, من مدركات غير مستقرأة, بغرض إظهارها ثانية, على صورتها الاولى الحقيقية, وعليه فهو إعادة إنتاج للفكر والقيم, والرؤى المعرفية والثقافية, المندرسة في الموروث التراثي, وليس إنتاج جديد مولّد للنص, وللمضامين التي يحملها, لأن ذلك خارج مهمة المنهج الأركيولوجي, وخارج مهمة البحث التاريخي عموما. ان المنهج الأركيولوجي الحفري, في كشفه للتراث العلمي, وإحيائه للفكر والمعرفة, والعلوم الكامنة في خزينه التأريخي, إنما هو يتصفح الوقائع والأحداث, والنصوص التي تفصح عنها, ويعيد قراءته لها بعمق, وفق رؤية تفكيكية تحليلية, ليبين الكيفية التي نجحت فيها هذه العلوم والمعارف, والقيم التنويرية والثقافية, في فترة تاريخية معينة, أن تجد فرصتها في الإنتاج المعرفي والتقعيد العلمي, ثم القبول في المدركات المجتمعية. فيكتفي هذا المنهج ظاهريا "فينيومينولوجيا"[15], بوصف التحولات التي تطرأ على الممارسات الخطابية, على مستوى النظام المرجعي الظاهر, ومتجاهلا للمرجع والمصدر, ولوهم المعنى, الذي يسبب وفرة الشروحات, والإيغال بالسرد البياني, والبديع اللفظي.
البحث التاريخي و المنهج الاركيولوجي الحفري يقول ابن خلدون في المقدمة[16], في عرض منهجه البحثي, انّ للتاريخ وجهان, ظاهر وباطن, ورغم أنه لم يستخدم مصطلح المنهج "الأركيولوجي" أو الحفري, إلّا أن مضمون الفكرة لا يختلف بينهما، فما يقرأ في متن النص التاريخي, ليس سوى صورة "ظاهرية", لما توصّل المؤرخ لمعرفته، وبما تيسر له من معطيات, مستقاة سواء بالتجربة, أو بالحس والملاحظة, وبالتأكيد هناك محتوى "باطني" للفكرة, أو لمتن النص المدوّن تأريخيا, يختفي تحت نتاج المؤرخين، وهو الذي يستدعي قراءة ثانية معمّقة للنص, وهو ما يفترض كشفه, في البحث الأركيولوجي الحفري. وهذا المضمون في قراءة الفكر والنص التاريخي, ينصرف هذا المنهج لدراسته, لبيان كيفية كتابته, ومكانه وزمانه, وطبيعة الظروف فيه, وما يتضمنه هذا المتن, من أحداث مدونة ومؤرخة, أو أخرى مسكوت عنها، أو أحداث أُقصيت بطريقة معينة ومقصودة, فمن خلال قراءته, بطريقة أركيولوجية حفرية, فإنه لن يتحدد في البحث عن المسكوت عنه, في المراجع والمصادر المكتوبة التقليدية, التي ترعاها الدولة، أو الهيئات الأكاديمية البحثية، وإنما يبحث عنه أيضا, في الوثائق بجميع أشكالها, السياسية أو الاقتصادية أو القضائية وغيرها[17]. وعليه فإن هذا المنهج المعرفي المعمّق, يقدم أفاقا دراسية منهجية, تسمح في كسر الجمود الفكري, وإختراق المحرمّات البحثية, التي تتجمد على قراءات موروثة, لمتون التراث ونصوصها النقلية, والتي تشكلت أفكارها ومدركاتها, وفق ثقافة منع ولوج منطقتها, ضمن أشكال التعصب الفكري والذاتية المعرفية, التي تخنق الإنتاج المعرفي, وتقود الى إنسداد آفاقه, ومنع صفة الحياة عنه, وحالة الديمومة والتطور. ان هذا الشكل من البحث المعمّق, وفق المنهج الأركيولوجي الحفري, في التنقيب والتعرية المعرفية, في الطبقات المغمورة, من الموروث الفكري والثقافي والمعرفي, هو ما يتطلبه البحث والدراسة المعاصرة, في متون التراث العلمي, بهدف إحياء نصوصه, لجهة كون الفكر, والمنتج الإبداعي المعرفي, متماه والكائن الحي, فهو ينمو ويتنفس ويتغذى, كي يستمر في دالّته وفي غايته, وفي أداء رسالته الحضارية, تجاه الفرد والمجتمعات والشعوب. [1] سلسة بحوث "المناهج والمنهجية وطرائق جمع القاعدة المعلوماتية في البحث العلمي", الحلقة الدراسية الموسومة "الدراسات الاثارية الأركيولوجية والأنثروبولوجية ومناهج البحث المعمقة في التراث العلمي", المقدمة. [2] في المعنى القاموسي, تعني مفردة fossils, الاحفور والمستحثات, وبقايا الحيوانات, او النباتات المتحجرة في أديم الارض. [3] علي حرب, الممنوع والممتنع, نقد الذات المفكرة, المركز الثقافي العربي, الدار البيضاء, 1995. [4] شرف الدين شكري, المنهج الاركيولوجي والرؤية الفنية, دراسة اجتماعية "سوسيولوجية" للاديب الجزائري مالك حداد, 1997. [5] ميشيل فوكو, 1926-1984, مفكر فرنسي, استاذ الحضارة و فقه الفلسفة في الجامعة الفرنسية, حصل على درجة الدكتوراة في العام 1959 عن رسالته الموسومة "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" History of madness, التي بحث فيها في الممارسات الإجتماعية الإجرامية أو اللاسوية, والتي وضع فيها اسس المنهج الأركيولوجي الحفري, ثم استنير المنهج بشكل واضح بكتابه "الكلمات والاشياء" في العام 1966, ثم اعقبه بعدة اعمال معرفية, مارس فيها الحفر الى غاية اخر اعماله عام 1984 في كتابه تاريخ الجنسانية History of sex, بعد كتابه المنهجي حفريات المعرفة أو أركيولوجيا المعرفة, "اركيولوجيي دي سافوير", L'archéologie du savoir. [6] ميشيل فوكو, حفريات المعرفة 1961, الكلملت والأشياء, 1966, نظام الخطاب, 1971. [7] الأستاذ الدكتور محمد أركون, 1928 - 2010, مفكر وباحث أكاديمي, ومؤرخ عربي جزائري, درس الأدب العربي والقانون والفلسفة والجغرافية, اهتم بفكر المؤرخ والمفكر ابن مسكويه, الذي كان موضوع أطروحته في الدكتوراة من جامعة السوربون, وأستاذ لكرسي تاريخ الفكر الإسلامي والفلسفة فيها, عضو مجلس إدارة معهد الدراسات الإسلامية في لندن, من مؤلفاته, تاريخية الفكر العربي الإسلامي أو "نقد العقل الإسلامي", الفكر الإسلامي, قراءة علمية, نزعة الأنسنة في الفكر العربي, من التفسير الموروث الى تحليل الخطاب الديني, الفكر الأصولي واستحالة التأصيل, وقد واجهت أفكاره النقدية, في الفكر الإسلامي, رفضا واسعا, في الأوساط العلمية والفكرية, العربية الاسلامية. [8] محمد أركون, نزعة الأنسنة في الفكر العربي, وتاريخية الفكر العربي الإسلامي, والفكر الإسلامي نقد وإجتهاد. [9] جان لاكروا، بنية الخطاب. [10] برنار هنري ليفي. نظام الخطاب. [11] محمد أركون, الأستاذ الدكتور, "الفكر الإسلامي, نقد وإجتهاد". [12] الشيرازي, صدر الدين, 1572_1640, ويلقب بصدرا الشيرازي, وصدر المتألهين, تلميذ الشيخ البهائي, محمد بن الحسين الحارثي, والشيخ المحقق الداماد, درس في حوزة أصفهان, جمع بين فرعي المعرفة النظري والعملي, ينسب إليه نهج الجمع بين الفلسفة والعرفان, والذي يسمى بالحكمة المتعالية, وله مؤلفات أخرى في الفقه والفلسفة وشرح على كتبها, ويرى البحاثة الشيخ محمد رضا المظفر, انه كان مبالغا في تصوير أفكاره, بإختلاف العبارات وتكرارها, بما أوتي من مقدرة بيانية, وقد واجهت أفكاره التي سبقت عصرها, رفضا واسعا, أدت الى إخراجه, من مكان درسه وإقامته. [13] صدر الدين الشيرازي, كتاب "الحكمة المتعالية". [14] علي حرب, الممنوع و الممتنع, مصدر سابق. [15] Phenomenology, أو الظاهرية, وهي الفلسفة القائمة على الحدس الظاهري, واعتماده في تحليل الظاهرة, وتمثيل العلاقة الحركية, بين الفكرة والواقع. [16] عبد الرحمن ابن خلدون, المؤرخ والمفكر العربي الإسلامي, مقدمة كتاب "المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر". [17] المنهج التاريخي والبحث في التراث العلمي, الحلقة السادسة عشر, سلسلة بحوث ودراسات " المناهج والمنهجية وطرائق جمع القاعدة المادية في البحث العلمي", مقالات حول العالم, 2011. |