![]() |
|
المناهج والمنهجية - مقومات التنقيب البحثي المكتبي والبحث في حل المعضلة/21
"دراسة أكاديمية تحليلية ومنهجية"
د.هيثم الحلي الحسيني "الحلقة الواحد والعشرون" مقومات التنقيب البحثي المكتبي والبحث في حل المعضلة
موقع الإمام الشيرازي مقومات التنقيب المكتبي الناجح قد يعبّر عن عملية التنقيب المكتبي "البيبلوغرافي" بعملية البحث عن المراجع، غير إن مفردة البحث ومدلولاتها, أوسع بالتأكيد من مفردة التنقيب, التي تكون جزءً من دالة البحث, وفعالياته المتعاقبة. ولأجل تبيان مقومات التنقيب المكتبي, تستحضر العوامل المؤثرة فيه وهي: 1. العامل المادي، وهي الموارد المطلوب توفرها, لأغراض التنقلات والمراسلات والمشتريات, وإقامة الاتصالات واستخدام الشبكات المحلية والدولية التقنية, واقتناء التسهيلات والمعدات الالكترونية المساعدة في الخزن والفرز والتحميص والترتيب والحفظ والتصرف بالمادة العملية . 2. الإمكانات اللغوية، وهي القدرات التي تشكل تحديدات على التنقيب المكتبي, في الأقسام الخاصة بالإصدارات الأجنبية ومتعددة اللغات, في المكتبات والمراكز العلمية. 3. الوسائل والسماحات، وهي التسهيلات الممنوحة لعناوين محددة من الباحثين والأكاديميين حصرا، لمراجعة واستخدام بعض المكتبات ومراكز التوثيق، وبعضها يكون ضروريا لاستكمال التنقيب, كونها متخصصة بموروثات ونتاجات لحقل علمي بعينه، مثل مركز التراث العلمي لاتحاد المؤرخين العرب, والمركز الوطني لحفظ الوثائق في بغداد، ومركز التوثيق الوطني للبحوث التربوية ومركز التوثيق لإحياء التراث العلمي, في دمشق والقاهرة وسواها, ومراكز التوثيق في المتاحف الوطنية في العواصم العلمية الثقافية.
القواعد المتبعة في التنقيب المكتبي التقليدي والالكتروني 1. استخدام أسلوب التنقيب التدريجي عن المراجع، ويفضل لأجل ذلك التدرج في التنقيب, وفقا للهيكل المضمن في الاضبارة البحثية, التي شرع بتنظيمها الباحث, ويقصد بذلك مجموعة الخطوات التي تتبع انطلاقا من معرفة محدودة بالموضوع، وتسمح بالحصول على مادة مناسبة لجعل تحقيق البحث أمرا ممكنا . 2. يكون التنقيب الأولي من خلال وثيقة البحث الأولية, والاستشارات والتباحث مع ذوي الخبرة وتوجيهات المشرف على البحث، لتنظيم قائمة أولية بالعناوين المطلوبة, التي على ضوئها يجري التنقيب في عناوين المواضيع أو الخطوط العامة ,“Head lines”والمؤلفات والمؤلفين. إن الكتب التي تجمع عناوينها وفق هذا التنقيب, تدخل في القائمة المكتبية، ويجري تصفّحها من غير ترتيب, بالتركيز على المقدمة والعناوين الرأسية والفرعية, والاستنتاجات النهائية في الكتاب, ثم يركز على قائمة الفهرست, لانتخاب عناوين ملائمة منها بعناية، تكون دليلا واضحا للتنقيب المستقبلي. 3. يحمل أمين المكتبة عادة, ثقافة واسعة تساعد الباحث في متاهات الوصول الى الوثائق والمراجع المطلوبة، من خلال تجربته الواسعة, ومعايشته لولادة وانجاز الكثير من البحوث القيمة, والمساعدة في التنقيب المكتبي لها, وانتقاء الخيارات المرجعية الصحيحة لها، فضلا عن ان الكثير منهم يحملون إجازات ومؤهلات علمية, في تخصص المعلومات والمكتبات, الذي يؤهلهم لهذه المهمة على أتم وجه. إن أمين المكتبة أو المستشار العلمي والمعلوماتي في المراكز العلمية الكبرى, لا يكون بديلا عن الباحث نفسه, في تنظيم قائمته الخاصة النهائية, بكشّاف المراجع المطلوبة, وتدوين الشكل النهائي لقائمته المكتبية، لان الباحث ذاته, هو الأكثر تأهيلا في حقله العلمي المعرفي الدقيق, المتضمن عنوان البحث, الذي اختار موضوعه بنفسه . 4. في حالة اختيار الباحث لموضوع بحثه اضطرارا، أو فرض عليه لسبب معين، عند ذلك سيتطلب من الباحث الخبير والمقتدر مهنيا، التحلي بالجرأة والشجاعة العلمية البحثية, التي ستدعوه الى المجازفة العلمية المحسوبة, والتقدم نحو انجاز المهمة، لان تلك قد تكون فرصة علمية بحثية, لا يتعين على الباحث رفضها متسرعا، خاصة في حالات ان تكون الجهة التي كلفته في الموضوع، قد اختارته امتيازا لكفاءته وعلميته, أو لتفوقه في الحقل العلمي البحثي على أقرانه، فهو يكون الأقدر عليها, فضلا من سعيه المبكر, الى إلجاء الجهة العلمية للبحث عن البدلاء للمهمة. القضية الأخرى في الشجاعة البحثية العلمية، هو في عدم إمكانية التراجع أمام مهمة بحثية علمية, قد تكون ذات مدلولات وطنية أو إنسانية أو اعتبارية، أو الرفض لعرض قد يشكل فرصة علمية للباحث، فضلا عن دواعي إثبات الذات, والنجاح المهني للباحث نفسه .
التنقيب المكتبي في التسهيلات المعلوماتية الالكترونية 1. مراجعة الشبكات المعلوماتية العلمية المحلية، حيث تقدم بعض الدول تسهيلات للربط الالكتروني Data Link, بين مختلف الجامعات والهيئات العلمية ومراكز التوثيق البحثية والتراثية العلمية، فيمكنها تداول نصوص البحوث العلمية وفهارسها, أو الحوار حولها, بغرض الحصول على المعلومات والاستشارات العلمية, حول المواضيع المطلوبة أو المنشورة فيها. إن بعض الدول المتطورة علميا, والتي تنفق ميزانية وطنية معقولة, على أنشطة البحث العلمي, تنجز شبكات الكترونية رابطة, لجميع المكتبات والمراكز العلمية, ويعرف ذلك في علوم المعلوماتية بقاعدة المعلومات أو "بنك المعلومات", التي تشمل بعضها إضافة لعناوين الكتب والإصدارات, تعريفا مختصرا لكل منها, يتضمن معلومات أساسية, تساعد الباحث على القرار على انتخاب ما يحتاجه ملائما لحثه. إن هذه العملية تقدم عونا كبيرا للباحث في معالجته لمعضلة التراكم الكمي, لعناوين الإصدارات المختلفة, وتمنحه قدرة كبيرة في تمييز ما يحتاجه من المراجع والمصادر, لانتخابها دون عناء, مع الرغبة الشديدة لديه في الاكتشاف والمعرفة والدراية وكشف المجهول، وهي جوهر النجاح في "مهنة البحث العلمي". 2. تحتوي الشبكة الدولية للمعلومات "الانترنت", الكم الكبير من المواقع العلمية الخاصة بمراكز البحث والتوثيق العلمي, والمكتبات العامة والخاصة, التي يمكن الدخول إليها, لإجراء الكشف عن موجوداتها, من أية نقطة في العالم, دون عناء الوصول الى مواقعها. إن البرامج المستخدمة في هذه المواقع, تسمح بالانتقاء السريع لانتخاب المصدر أو المرجع المطلوب, وفق تحديدات مفصلة على مقاييس الباحث، أو يطلب منه الإجابة عن التفاصيل المطلوبة منه, حول استفساره أو استشارته للمواقع, بواسطة عنوانه الالكتروني, أو وفق إستمارة معلوماتية خدمية. 3. إن التسهيلات العلمية في الوسائل المعلوماتية الالكترونية، تسمح للباحث التقدم بطلب محدد, بإجراء كشف كامل ضمن موضوع البحث, لغرض الحصول على كشّاف مكتبي متكامل, بالمراجع المتوفرة لدى الجهة التي يتبادل الاتصال العلمي معها، وهي صاحبة الموقع العلمي الالكتروني، كما يمكن للباحث الحصول منها, على تحديد الأهداف ومكان التنقيب المقترح, الأكثر ملائمة وفق درايتها وتجربتها، أو أن تتقدم للباحث بكشافات بموضوعه, من المكتبات والمراكز الأخرى المرتبطة معها، ويكون على الباحث انتقاء المعلومات التي تهمه. غن هذه المشورة العلمية المكتبية "البيلوتيكية", ستجعل المصادر التي يسعى الباحث للحصول عليها, قريبة من "موقع المسألة"، بالنسبة لمشروع البحث, وهو مركز الدراسة أو بؤرة البحث، التي تمثل الحقل المعرفي الدقيق لعنوانه، والذي يجري وفقه رصد وجمع الكتب والمراجع والمصادر المكتوبة التي تدخل ضمن البعد الأول المحيط ببؤرة عنوان البحث، فيما الدائرة الثانية الأكبر, ستضم المؤلفات القريبة من عنوان البحث, وهي تشمل البعد الثاني الأبعد والأقصى لموقع المسألة, وهذه الخدمة العلمية لمشروع البحث, ستيسرها هذه المواقع المعلوماتية العلمية[1]. 4. ويمكن أيضا الحصول على وثائق حيوية لدعم البحث ومتانته ورصانته العلمية, وهي تشكل المصادر الرئيسة ضمن المنهج البحثي التجريبي أو الإستقرائي, الذي يبحث عادة في الدراسة الأركيولوجية, أو البحث التأريخي في التراث العلمي, مما يجعل البحث رصينا, حيث ترسل للباحث من هذه المواقع العلمية الالكترونية, عبر البريد الالكتروني, أو عبر شاشة الإرسال الالكتروني "Scanner", أو أية وسيلة أخرى, لإرسال الصور والوثائق. ويمكن أيضا الاستفادة من الخدمات المتبادلة بين المكتبات والمراكز العلمية, بأساليب التعاون بالإعارة وتبادل الدوريات, واستعارة المؤلفات والإصدارات, وفق آليات علمية وإدارية محددة يجري إتباعها. 5. ويمكن لهذه المراكز العلمية البحثية, أو البيبلوثيكية المكتبية, الرتبطة بالجامعات الكبرى أو الهيئات العلمية, أو المكتبات الكبرى, من خلال الربط الالكتروني, وتأسيس الإتصال المعلوماتي معها, أن تقدم للباحث إستشارة علمية مهمة, تتعلق بعنوان البحث الذي يقرر البحث فيه, لجهة البحوث الأكاديمية أو الرسائل وألأطاريح الجامعية, التي أنجزت في هذا العنوان, أو في مواضيع قريبة منه. وعليه فان المعلومة التي يحصل عليها الباحث من هذه المواقع المعلوماتية, قد تدعم إختياره العلمي للعنوان, حينما يتبين له أصالته, وعدم استهلاكه بحثا, أو أن يوجهه لإختيار عنوان بديل, حينما يعلمه أن باحثا أو دارسا, في معهد علمي ما, قد يكون في أقصى الأرض منه, قد سار شوطا كبيرا, في هذا الموضوع حصرا.
أقطاب التنقيب البحثي العلمي هنالك أربعة أقطاب، يوجّه الباحث سيره عليها، خاصة في البحوث الميدانية أو المسح البحثي العلمي الاجتماعي، وهي ليست كناية عن مراحل منفصلة عن عملية التنقيب، بل هي أشكال خاصة لمسيرة واحدة, تسعى أن تكون عملية متكاملة، وكل تنقيب يتطور ظاهريا أو ضمنيا, برجوعه إلى هذه الأقطاب الأربعة, المنغلقة فيما بينها والمتداخلة على بعضها. إن أقطاب التنقيب البحثي هي : أولا. القطب الإبستيمولجي "المعرفي" يقوم هذا الشكل[2] من التنقيب بعملية تيقّظ انتقادي، وهو على طول مراحل التنقيب الأخرى, كفيل بإنتاج المادة العلمية, وتوضيح معضلات التنقيب، ويقرر بحكم أخير, قواعد عرض وتوضيح الوقائع, وفهم وصحة النظريات. ثانيا. القطب النظري تقود هذا القطب من التنقيب البحثي، طريقة وضع الافتراضات وبناء المفاهيم، انه مكان التشكيل القيادي للمادة العلمية، وهو يقترح قواعد تفسير الوقائع, وتحديد الحلول المعطية مؤقتا للمعضلات، وفيه تنضج اللغات العلمية، وهو الذي يحدد حركة تحويل المسالة أو القضية, موضوع البحث, إلى مفهوم معين . ثالثا. القطب التكويني يسن هذا القطب في التنقيب, قواعد تكوين وتشكيل المادة العلمية, ويعطيها صورة محددة, وترتيبا معينا لعناصره، وطرقا متنوعة, للتحكم بالعناصر المؤلفة للمواد العلمية، ودراسة أنواعها، والنوع الأمثل فيها، والنظام المتشكل, والنماذج البنيوية لها. إن القطب التكويني في التنقيب البحثي، يخضع لقواعد وأصول تصنيف العلوم وتفريعها، والتقسيم والأنواع والصنوف لتفرعاتها، لغرض الترتيب الأمثل, لعرض المادة ودراستها تحليلا وتركيبا. رابعا. القطب التقني يراقب هذا القطب من التنقيب, المعطيات أو الحقائق المعروضة في البحث، والمقدمات البحثية المرصودة فيه، ويسعى إلى استنتاجها, للتمكن من مقابلتها مع النظرية التي أوجدتها، وهي تتطلب الدقة في الاستنتاج والموضوعية العلمية، ولا يضمن هذا القطب وحده الإتقان[3].
أساليب التنقيب في اتجاه الأقطاب البحثية أولاً: التنقيب التطبيقي. وهو أسلوب التنقيب التقليدي، الذي يجتهد في إيجاد الحلول للمشاكل اليومية الملموسة, من خلال تطبيقات النماذج النظرية المقترحة للحلول. ثانياً: التنقيب بواسطة "الممارسة". وهي طريقة بحث نشأت على أساس مخالفة الأشكال التقليدية للتنقيب، وانتقاد لاستعمال العلوم الاجتماعية كأدوات سيطرة، وإرادة لجعل نتائج البحث متكاملة مع العامل الاجتماعي . إن "الممارسة" في التنقيب تمثل وضع علاقة جديدة بين النظرية والتطبيق, على الصعيد المعرفي "الإبستيمولوجي"، وهي عملية إنتاج المعرفة, باليات موجهة نحو حرية تصرف الباحثين, وخيارات المواضيع البحثية, أي مجتمع البحث, وهم الأشخاص الذين تجري عليهم عملية البحث، وتحديد الهدف المشترك لها. إن المحرك الأول لأسلوب الممارسة, هو إن الباحث ومواضيع البحث, يسيرون معا نحو المفرق، وتحديد حقل مشترك للبحث بينهما، مع المشاركة المتوازنة والمساواة في الحقوق والفرص، رغم اختلاف الإمكانات والمعلومات، وضمان توزيع المعرفة بين جميع الفرقاء, تجنبا للاحتكار, بما يضمن أن يحل التعايش الإنتقادي المعين, محل سوء الظن المنتشر، وضمن تفاهم ديناميكي, وخاص بين الجميع.
شرائط التنقيب البحثي الناجح أ. إن التحكم بمسيرة التنقيب ودراسة الطرق التي تسندها، يقتضيان فحصا للأقطاب الأربعة المذكورة, والتفاعلات التي تربط فيما بينها، وهو حقل دراسة واسع, يرجع له الباحث ظاهريا وضمنيا, خلال انجاز البحث . ب. ضمان مطابقة التنقيب للمشاكل المطروحة بين الفرقاء المشاركين فيه كباحثين أو مواضيع "مجتمع" للبحث، مع ضمان الاستقلالية وتوفير الفرص ليكبون على حل معضلاتهم، مع الأخذ بنظر الاعتبار المسائل التي يتم تداولها, والإطار الزمني لها . ج. "الممارسة" تختصر المسافة بين النظرية والتطبيق، وبما يؤدي الى الاكتشاف العلمي, واستخدام النتائج مجتمعين في نفس النشاط. د. الحد من اختلال التناسق بين الباحثين ومواضيع البحث. هـ. مراقبة حقيقية للمعضلات البحثية ولعملية التنقيب وإدارة الإنتاج, وإن عملية التقييم لموضوعية التنقيب, تجري على ثلاثة محاور: 1. التفاعلات التي جرت خلال التنقيب . 2. التحولات التي ظهرت في حقل التنقيب . 3. الظروف البنيوية التي أتاحت التقدم في مسار التنقيب أو التي أعاقته. و. قياس موضوعية البحث, بالمعنى الذي تؤخذ فيه بعين الاعتبار الاكتشافات النظرية، وأيضا فعالية التنقيب بالنسبة للمشروع البحثي العلمي ومشروعيته، والحصول على حلول للمشاكل الموجودة فيه, إن هذه الآلية للبحث, توفرها عادة, طريقة "الممارسة" في التنقيب البحثي. ز. يجب إعادة صياغة الإرشادات وتكييفها, وفقا لآليات كل شكل من التنقيب، لأنها تحدد بأية رؤى, يجري تكييف طرق الدراسة, وتنظيم العمل.
مراحل البحث في "حل المعضلة" وفق طرائق الفكر والتجربة إن كشف المعلومات في كل علم مادي, بحاجة إلى طريقين، الأول فكري والثاني تجريبي، بعدها يبدأ الفكر بتصنيف وتقييم النتائج, كي تصدق أو تكذب التجربة[4], وإن الفكر والتجربة يتعاضدان في كشف القوانين المذكورة وحل ومعالجة المشاكل. ولتوصل الباحث إلى كشف قانون من تلك القوانين, وما يرتبط به، ولأجل توظيفه كدالة لحل المعضلة، يجري المسار البحثي في المراحل التالية: 1. معرفة وتعيين الهدف، لتحري أفضل الطرق وأقصرها، وهو ينطلق من القانون الظاهر في التفكير العقلي حسب قاعدة "الغائية"، حيث لكل قضية "غاية" محددة. وعليه فان التحدد في الغاية, وتوحّدها ودقتها واختصارها ووضوحها، يضع الباحث في السياق المنطقي الفكري لحل المعضلة، سالكاً الطريق في مراحله المقترحة نحو تحقيق الغاية، كما عليه أن يضع "الغاية" نصب عينه, في جميع مراحل المناقشة المنطقية, للعوامل المؤثرة في الدراسة، لحل المعضلة. 2. التجربة الأولية أو التمهيدية, من خلال التصور الأولي الذهني, لعلاج المعضلة كفكرة عامة لنهج الباحث. 3. صياغة أو تكوين فرضية للوصول إلى الهدف، لأن التجربة التفصيلية العميقة, إنما تكون بعد صياغة الفرضية، ويكون ذلك في التعمق في المشكلة, وتقييم العلاج المقترح الأولي لها. 4. التجربة التفصيلية الواسعة لاختبار مدى صحة الفرضية المذكورة، بالملاحظة والتجزئة والتركيب والتحليل والدقة، وتكون التجربة فكرية, أو عملية واسعة, من باب تداعي الأفكار في الطريق الفكري, وارتباط الأمور بالتجربة العملية. 5. الكشف عن القانون، بوصفه الغرض من البحث في الحل أو المسلك المقترح، والذي كان الهدف الأسمى للبحث والباحث، ويعبر عن ذلك بأن "الغرض هو الأول في الفكر، والآخر في العمل"، وبذلك يقدم القانون الذي جرى التوصل إليه, الأداة العلمية والعملية, والمسلك المقترح الأمثل لحل المعضلة، بما يقابل البرنامج المعلوماتي, الذي يطبق على النماذج المحددة في الحاسوب, لإعطاء المعالجة لها وتقديم الحلول العلمية، وهي أيضا كما القانون والعلاقة الرياضية, التي تصلح لحل الإشكالات الطبيعية الفيزياوية.
التوسع في البحث والتواصل العلمي في حالة رغبة الباحث, في التوسع والتقدم العلمي، لا الجمود والوقوف في مكانه، يشرع الباحث بالمرحلة السادسة من حل المعضلة، وهي بالربط بين القانون المكتشف في البحث، وسائر القوانين المكتشفة وفق نفس الخطوات, في معالجات المعاضل في مجالات أخرى، لاستكشاف ماهية القوانين الأخرى, التي تجتمع مع هذا القانون المكتشف في قانون أعم، وماهية القوانين التي لا تجتمع معه، وبتعبير آخر, كشف النسب الأربع بين القانون المكتشف وغيره من القوانين، في التباين، أو التساوي، أو العموم المطلق، أو العموم من وجه محدد، فإن كان القانون المكتشف للمعضلة في السياسة، فيجري مقارنته مع قوانين في الاقتصاد أو الاجتماع, أو الدفاع أو القدرة الشاملة. إن ذلك يظهر طريق العلم، في وحدته وكثرته، وتداخله وتباينه, وطرق العمل فيه، فإن لم يجر الباحث, المطلوب في بحثه ضمن المرحلة السادسة, من تعمق وتدبر ودرس، كانت مباحثه متناثرة, ومشتتة غير مترابطة, ولا تعطي رؤية شاملة ذات, قاعدة علمية بحثية متينة ورصينة، وهو ما يفسر اختلاف نتائج البحوث والمعالجات العلمية, في شتى حقول المعرفة، وذلك من خلال التشبث بتعميم النسبية على كل الحقائق بصورة مطلقة, بدلاً من معالجة انعدام الاستيعاب أو سمة الأحادية, في البحوث والمعالجات العلمية, والتي تفرز نتائج متعارضة أو متباينة, كنوع من التعصب للنسبية في تفسير الظواهر، لأن هذه النظرية نسبية أيضاً في ذاتها[5]. ويقف في مواجهة هذه النظرية، رواد الفكر النسبي سواء في العلوم والبحوث الإنسانية, والعلمية الصرفة، الذين يفسرون الظواهر وفق النظرية النسبية المدعمة في القوانين والعلاقات الرياضية الحاكمة لها، ومن أهم تطبيقاتها, العلاقة الرياضية القائمة بين كتلة الجسم ومربع سرعة الضوء، والتي تفضي نتائجها غير المجربة عملياً، إلى انعدام الكتلة للجسم المتحرك, عند وصول سرعته إلى سرعة الضوء، والكتلة في العلوم الفيزيائية هي غير الوزن للجسم، لأن الثاني متعلق بقوة الجاذبية له، في حين يتعلق الأول بحجم جزيئاته نوعا وكما، مع أن الاثنين متعلقان ببعضها في القيمة، لكن الوزن قيمة اتجاهية, في حين أن الكتلة غير ذلك. إن هذه الدراسة تدعو لأن يكون لكل بحث نتائج ملموسة, تستخرج من الحقائق الجاري مناقشتها في البحث, وعلى ضوء هذه الاستنتاجات، يخلص البحث إلى جملة من التوصيات, والمقترحات المتضمنة في إطار القانون العلمي المكتشف في البحث، وهو سر التواصل العلمي، إذ على ضوء هذه التوصيات يجري فتح أبواب وقنوات جديدة لبحوث ودراسات لاحقة. غير أن لحقيقة القدرات العقلية البشرية المتباينة, جعلت الشارع هذا التكليف, فرض كفاية على المقتدرين عليه، وهم النخبة من العلماء والباحثين المحققين, الذين تميزوا بالمكانة والرفعة, لسمو مهمتهم, وفي ذلك جوهر التطور العلمي, وومنجزه في تقنين العلوم المختلفة, الذي أنبثق منهجه البحثي, من التراث العلمي العربي الإسلامي[6], بما يعبر عنه في البحث المعاصر, بالمنهج التجريبي "العلمي", فقد ورد في الحديث الشريف "في التجارب علم مستأنف"[7]، وقال الإمام أمير المؤمنين "فإن أشكل عليك شيء من ذلك فاحمله على جهالتك، فإن أول ما خلقت كنت جاهلاً ثم علمت، وما أكثر ما تجهل من الأمر، ويتحير فيه رأيك، ويضل فيه بصرك, ثم تبصره بعد حين"[8] www.alshirazi.com 19/شوال/1432 [1] دراسة في "تصنيف وتقييم قاعدة المعلومات للبحث العلمي", المصادر المكتوبة وموقع المسألة للبحث العلمي, الحلقة الثامنة, سلسلة دراسات "المناهج والمنهجية وطرائق جمع القاعدة المعلوماتية للبحث العلمي", مقالات حول العالم, 2011. [2] الإبستيمولوجية, لغة عن اليونانية, تعني حرفيا علم العلم, ويعبر عنها أيضا بالحاوية المعرفية, وفي مدلولاتها الأولية سميت بفلسفة العلم, وهي تشكل الدراسة المفصلة للفكر من العلم, ضمن سياق تطوره التاريخي ومعالم تقنينه, مقابل الدراسة لتأريخ العلم, بشكل وقائع زمنية. دراسة في "مقاربة تحليلية في مناهج البحث العامة" الأداة "الإيبستيمولوجية" في البحث العلمي, سلسلة دراسات "المناهج والمنهجية وطرائق جمع القاعدة المعلوماتية في البحث العلمي", مقالات حول العالم, 2011. [3] جان بيير فرانير، كيف تنجح في كتابة بحثك، ترجمة هيثم اللمع، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، ط1، 1988، بيروت. عن، دوبروين، ص34. [4] السيد محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي، موسوعة الفقه، فقه الاجتماع، 35:1. [5] المهندس فؤاد الصادق، الإعلام في فكر الشيرازي، موقع الإمام الشيرازي الدولي للدراسات. [6] دراسة في "مقاربة لتصنيف مناهج البحث ومعالمها", المنهج العلمي التجريبي في التراث العربي الاسلامي, الحلقة الثانية عشر, سلسلة دراسات "المناهج والمنهجية وطرائق جمع القاعدة المعلوماتية في البحث العلمي", مقالات حول العالم, 2011. [7] الشيخ الكليني( ثقة الإسلام)، الكافي، الفروع، 22:8. [8] نهج البلاغة ، صبحي صالح، ص 359. |