المناهج والمنهجية - أنسنة البحث العلمي وأخلاقياته وسلوكياته المهنية/24


 

"دراسة أكاديمية تحليلية ومنهجية"

 

         د.هيثم الحلي الحسيني

"الحلقة الرابعة والعشرون"

أنسنة البحث العلمي وأخلاقياته وسلوكياته المهنية
 

موقع الإمام الشيرازي

 

محاور فلسفة العلم وأبعادها المهنية والأخلاقية

تتحرك فلسفة العلم[1] في المحاور الثلاثة, المكونة لأبعادها الفلسفية, المعرفية والمهنية والأخلاقية القيمية, وهي محور المعرفة "الايبستيمولوجيا"[2]، ومحور الكينونة والوجود "الانطولوجيا", ومحور القيمة "الاكسيولوجيا", وستنصرف هذه الدراسة في مقدماتها, الى التعريف في هذه المحاور الثلاث, وإسقاطاتها في الجوانب المهنية والمسؤوليات الأخلاقية من البحث العلمي, وبالتالي مفهوم أنسنة البحث ومعالمه. 

مفهوم علم الوجود أو الكينونة "الأنتولوجيا"

الأنتولوجيا ontology, هي احدى فروع العلوم غير الطبيعية, والتي تعرف بما بعد أو وراء الطبيعة "الميتافيزيقية", وهيّ تعنى بدراسة الأشياء في ذاتها, ومن حيث وجودها, ومن حيث إرتباطها ببعضها, وتحديد أنماطها في الحياة, فالعلاقة بين عالم المثل والعالم المحسوس مثلا، هي علاقة أنتولوجيّة, لجهة أنّ وجود المثل, ليس من نفس قبيل وجود المحسوسات, وبذلك فان البحث الأنتولوجي, يقابله البحث الإبستيمولوجي, في المحاور الرئيسة الثلاث, لفلسفة العلم.

والأنتولوجيا لغة, ذات جذر يوناني, تكتب بالأبجدية اليونانية οντολογία, وهو مركب من مفردة οντο "أونتو", التي تعني الموجود أو الكائن, أو الكينونة, و λογία، التي تعني الكلام أو النطق أو المنطق, والتي يجري تداولها في الأدبيات العلمية المعاصرة بمعنى "علم", فيكون المعنى اللفظي, هو علم الوجود أو علم الكينونة.

وفي مجالات الإتصال والإعلام والمعلوماتية, يتخذ حيزا مهما, فهذا المفهوم الذي ظهر أولا في الفلسفة, بمعنى علم الكينونة والوجود, لكنه ومنذ التسعينات من القرن الماضي, أصبحت "الأنتولوجيا", من أهم مجالات البحث العلمي, في ميدان الاعلام والإتصال والمعلوماتية, حيث أصبح لها مفهوما تفصيليّا, لتصميم مجال معيّن, وهذا التفصيل conceptualization, يضع معنىً لكل مفهوم ومصطلح ولفظ, في المجال المحدّد, والتي تجد لها حاجة ماسة, في مجالات المعلوماتية والإتصال والإعلام, وهي تتماهى ودراسات الواقع, وإن المجالات النظرية في "الأنتولوجيا", هي الموضوعية أو الموضوعاتية Objectivism, والذاتية Subjectivism, والواقعية Pragmatism.

علم القيم الإنسانية "الإكسيولوجيا"

"الأكسيولوجيا", وهو العلم الذي يدرس المثل العليا والقيم المطلقة, التي يسعى الانسان لتحقيقها في حياته, من خلال ثلاث قيم أساسية وهي قيمة الحق, التي يدرسها علم المنطق, الذي يضع لنا قواعد التفكير السليم, وقيمة الخير, التي يدرسها علم الأخلاق, الذي يوضح قواعد السلوك الأخلاقي, وقيمة الجمال, التي يدرسها علم الجمال, الذي يوضح  مقاييس الشىء الجميل, وينمي الذوق الجمالي لدي الإنسان.

والإكسيولوجيا تميز عادة, بين نوعين من القيم, وهي القيم النسبية المتغيرة, التي تطلب كوسيلة إلى غاية أبعد منها, كالثروة والمال والقوة, وهي بذلك تتماهى والقيم المادية, ثم القيم المطلقة الثابتة, التي ينشدها الإنسان لذاتها, كالسعادة والعدل والأمن.

انّ الجذر اللغوي للمصطلح "أكسيولوجيا" Axiology, مركب مشتق عن اليونانية, والذي يكتب في أبجديتها  αξιαλογεα, من المفردة  "Axia" αξια, بمعنى قيمة، و”Logos”    λογo بمعنى الكلام والنطق, والذي يجري تداوله في الأدبيات العلمية المعاصرة, بمعنى علم أو مبحث، فيصبح المعنى اللفظي, نظرية القيم أو علم القيم.

و"الأكسيولوجيا" من حيث هي مبحث أخلاقي، تدرس مشكلتي الخير والشر، وتطرح مسائل أساسية مثل مفهوم الخير, وهل هو صفة موضوعية, يطلق على تصرفات بشرية معينة, وكيف يقيّم السلوك البشري بين الخير والشر, وماهية مصدر الخير وطبيعته, في الوعي الأخلاقي البشري, وقد عرف تاريخ الفكر البشري, محاولات عديدة للإجابة على هذه التساؤلات, وخاصة في الثقافة العربية الإسلامية, وفي الموروث الديني الإسلامي, على وجه التحديد, الذي أولى السلوك الإنساني, أهمية كبيرة, وخاصة في سلوك وأخلاقيات رموز الإسلام, مثل سيرة الرسول الأكرم, وشخصية الإمام أمير المؤمنين, التي يتقدمها العنوان الإنساني.

علم الأخلاق والسلوك الأخلاقي في البحث العلمي

علم الأخلاق, وهو الفرع الرئيس في علم القيم "ألكسيولوجيا", الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بسلوكيات البحث العلمي, فالأخلاق هي شكل من أشكال الوعي الإنساني, وهي القيم والمبادئ, التي تحرك سلوك الأفراد والمجتمعات والشعوب, وخاصة الجوانب المطلقة والثابتة فيها, كالعدل والحرية والمساواة, وهي المرجعية الثقافية للشعوب, لتكون سنداً قانونياً, تستقي منه الدول الأنظمة والقوانين, وان ثقافات الشعوب مستمدة من قيمها ووعيها الأخلاقي, وبالمفهوم الواسع لمفردة الثقافة, تشكل مرتكزا أساسا, من مكونات العقيدة الوطنية والإستراتيجية العليا, وان الدين بشكل عام, هو السند الرئيس للأخلاق, الذي يشكل الداعم الأساس لثقافة الشعوب.

والأخلاق هي دراسة، حيث يقيم السلوك الإنساني, على ضوء القواعد الأخلاقية, التي تضع معايير للسلوك، يضعها الإنسان لنفسه, أو يعتبرها التزامات وواجبات, تؤدى بموجبها أعماله وسلوكياته, فهي محاولة للتطبيق العلمي والواقعي, للمعاني والأسس التي ينصرف لها علم الأخلاق بصفة نظرية.

أما الفرع في علم الأخلاق, الذي ينصرف الى الجوانب المهنية فيها, لجهة التزام الفرد في عمله ومهنته, بما ينسجم وقيم الأخلاقيات الإنسانية, فهو علم الواجبات أو الإلتزام, "الديونتولوجيا", وهو مركب لغوي من اليونانية, δεοντολογία, مشتق من الجذر اللغوي فيها δέον, "ذيون", الذي يعني الالتزام, أو الواجب عمله,  وλογία "لوغيا", الذي يعني الكلام أو النطق, والذي ينصرف الى معنى "العلم", في تداول الأدبيات العلمية المعاصرة, فيكون المعنى اللفظي, "علم الإلتزام أو الواجبات".

وهو مفهوم يتماهى وتعبير الأخلاق المهنية، فيختصّ هذا المجال بالواجبات, ويحكم على الفعل راجعاً إلى القواعد والقوانين, التي تحكم أداء الفرد مهنيا, وهو الذي ينبغي حضوره, في إعداد البحوث العلمية.

العلاقة بين المسؤوليتين القانونية والأخلاقية

 تختلف المسؤولية القانونية عن المسؤولية الأخلاقية, باختلاف أبعادهما، فالمسؤولية القانونية تتحدد بتشريعات نافذة، تحكم إتباعها قانونا على أفراد المجتمع أو الدولة, وفق مفردات العقد الدستوري, لكن المسؤولية الأخلاقية, هي أوسع واشمل من ذلك, لأنها تتعلق بعلاقة الإنسان ذاتيا بخالقه "معتقداته", وبنفسه "ظميره", وبغيره "الآخر والمجتمع"، أما دائرة القانون, فهي مقصورة على سلوك الإنسان نحو غيره, فدائرة القانون سلطتها خارجية ومتغيرة, في حين أن سلطة المسؤولية الأخلاقية  ثابتة, وقوتها ذاتية تتعلق في ذات الإنسان وضميره.

وعليه فإن فلسفة الأخلاق, أو علم الأخلاق أو الأخلاقيات [3]Ethics, هي تعابير عن معايير السلوك الإنساني, التي تتحدد بمجموعة القيم والأعراف, أما "الخلق العام" أو الأدب والتأدَب Morality، فيشمل المنظومة الأخلاقية نفسها، إن هذه الفلسفة تنطوي تحت عنوان نظرية القيم "الاكسيولوجيا"، وهي تؤشر الفلسفة التطبيقية، وكانت منفصلة عن المحور المعرفي الابستيمولوجيا.

المحور المعرفي "الإبستيمولوجيا" والسلوك المهني

إن فلسفة العلم بدورها, قد نشأت كآليات معرفية "إيبستيمولوجيا"، أي بصفتها فلسفة علمية خالصة، تقطع أية علاقة بينها وبين فلسفة القيمة، فهي منطق للمنهج الصوري الصارم.

انّ المحور المعرفي "الإبستيمولوجي"، هو البعد الذي نشأت فلسفة العلم تاريخيا على أساسه، وفق منطق المنهج الصوري[4] الصارم, أو المنهج التجريبي المرتكز على الواقع والوقائع, ولا شان له بالمعيار القيمي[5].

وبقدر تعلّقها بالجانب الإنساني والأخلاقي من البحث العلمي, فان الابيستيمولوجيا Epistemology, تعني الدراسة النقدية, لمبادئ العلوم المختلفة, وفرضياتها ومناهجها ونتائجها وتقنيناتها, تهدف إلى تحديد أصلها المنطقي, وقيمتها الموضوعية[6], وهي قد تطلق على نظرية المعرفة بوجه عام, فتكون أحد فروع الفلسفة الذي يبحث في أصل المعرفة, وتكوينها ومناهجها وصحتها.

فالإبستيمولوجيا, تتخذ العلم موضوعا لها، لتتناوله بالبحث والاستقصاء, للوقوف على مبادئه وقضاياه النظرية الأولية وقيمه ومعاييره، وعلى مقارباته للواقع، وهي بهذا تتناول أصوله التاريخية، بتتبع مراحل وعوامل تقدمه، وتحاول الكشف عن أسباب وفترات تقهقره, غير أن هذه الأداة أيضا, يمكن أن تتتبع في تقويم النتائج المعاصرة للعلم, وفي نتاجات البحث العلمي, بهدف التثبت من موضوعيته, وجوانب مهنيته وأخلاقيته وأنسنته, من خلال الفحص النقدي الثاقب, لتشكيل المفاهيم المعرفية والعلمية, وتطور مدلولاتها وقضاياها النظرية.

وهذا المفهوم, يقابله أيضا "تاريخ الفلسفة, وتاريخ العلوم", وهي تتماهى أيضا و"نقد العلوم"، باعتبار النقد إيضاح تقويم, يصدر حكماً في أمر بما له وما عليه معاً، فهي نقد للعلم أكثر منها علم للعلم, كما يعبّر عنه الترجمة الحرفية للمصطلح عن اليونانية.

وقد أثبت المفكر العربي الجزائري, محمد أركون, ان الثقافة العربية الاسلامية, هي الأسبق الى تداول العلم والفكر العلمي, وفق مفهومه الإنساني, أو ما يعبّر عنه "أنسنة العلم", كما رصدها في كتابات المفكر العربي الإسلامي "مسكويه", في القرن الرابع الهجري, والتي أشار فيها, الى نزعة الأنسنة[7], وهذا يشكل مساحة رحبة, لإمكانات وفرص التثبّت, في الجوانب المهنية والأخلاقية, في النتاج البحثي العلمي, الذي يستهدف المجتمعات العربية والإسلامية عموما.

ظلّت فلسفة العلم, مقتصرة على النظرة إلى العلم من الداخل, لتتمثل فقط في منهجه ومنطقه، ولا شان لها بأي منظومة أخرى, تتجاوز الإطار "الإبستيمولوجي" المعرفي الصرف, لنسق العلم من قبل الأخلاقيات والمعيارات والقيم، فضلاً عن ما ينطوي هذا كله من مسالة نقدية، واستمرت فلسفة العلم على هذا الحال, حتى الربع الأخير من القرن العشرين، فبدأت تتحرر من مرحلة الافتتان والانبهار بالعلم, والدوران المتجرد في فلكه،  فأدركت إن العلم ليس نسقا واحدا ووحيدا, بل هو ظاهرة اجتماعية متغيرة عبر التاريخ الإنساني, تتداخل فيه العوامل الخارجية الثقافية والحضارية والإيديولوجية، لأن العلم ذاته لا ينفصل عن إيديولوجية خاصة به، ولا يستغني البتة عن منظومة قيمية له.

العلاقة بين أنسنة العلم وفلسفته

تطلعت الأبعاد الاجتماعية والقيمية والحضارية المكونة لفلسفة الأخلاق، إلى مركب آخر من فلسفة العلم لشغل الفراغ الكائن بتجاهلها، فكان لها ذلك في بلوغها مفهوم "أنسنة العلم".

ينصرف مفهوم الأنسنة[8] Humanize, أو  Humanismالى التعبير عن النزعة الإنسانية في العلم والبحث العلمي, بمعنى تقييد العلم والبحث العلمي, بالإطار الإنساني, في مناهجه وسياقاته وغاياته وأهدافه, وفي معطياته ونتائجه, لجهة التأثير في الفرد والمجتمع, وهو بذلك يتميز عن مفهوم "الأخلاقيات"  Ethicsفي العلم والبحث العلمي, التي تتحدد بالجوانب المهنية البحثية, في التزام الأمانة العلمية والمصداقية, والحرص على الإنصاف والحقوق, في عرض البحث وسياقه.

يعتقد بعض المنظرين, ان مفهوم الأنسنة في التراث العربي الإسلامي, قد يتماهى ومفهوم قديم فيها, وهو الأدب في الكتابة, التي كانت تعبر عن التزامات معرفية ومهنية, يلزم بها الكاتب في ديوان الدولة, وهي تختلف بهذا المعنى, عن مفهوم الأدب في التداول العربي المعرفي المعاصر, الذي يدل على ممارسة اللغة, لإنتاج أدبي.[9]

لقد اعتمد المشتغلون في البحث والتأليف, المناهج العلمية التي تتحرك في المحاور الثلاثة لفلسفة العلم، وهي الجانب المعرفي الإبيستيمولوجي، والجانب الوجودي الكينوني "الانتولوجي"، وأخيراً جانب القيمة " الأكسيولوجيا", وهي المعايير الأخلاقية في العلم والسلوك العلمي، بما يطلق عليه "أنسنة العلم"، الذي تطورت إليه فلسفة العلم, لتعبر عن نفسها كظاهرة إنسانية, لها علاقة بالأطر العقدية "الايدولوجية", والأنظمة السياسية والدراسات المقارنة للحقول العلمية, والتوظيف الأمثل للمعلومات, والتثقيف العلمي البحثي الشامل والإعلام العلمي الشامل مقروءاً ومسموعاً ومرئياً, وسائر أبعاد علاقة العلم بالمجتمع.

لقد حطّمت فلسفة العلم, جدران القوقعة المعرفية "الإبستيمولوجية"، المقتصرة على نهج العلم ومنطقه، إلى معالجة حضارية شاملة للعلم, بوصفه ظاهرة إنسانية، لها متطلبات وشروط واحتياجات الظاهرة الإنسانية، وعلى رأسها النسق القيمي والمنظومة الخلقية.

إن العلم ظاهرة إنسانية متدفقة في السياق الحضاري المتين، مهما حققت من نجاح سابق وفريد, تظل مستحقة للمساءلة وحسن التوجيه والتطويع والتشغيل، لأن العلم كظاهرة اجتماعية وفاعلية إنسانية, يمكن دائماً بذل أي لجهد لجعله حالة أفضل.

وفي المقدمة من منظومة "أنسنة العلم"، تقع  قيم البحث العلمي وقيم المجتمع العلمي الكائنة, وما ينبغي أن تكون عليه، باعتبار المسؤولية الملقاة عليه، كجزء متقدم طليعي وواع، من المجتمع المدني ومنظومته وأهدافه وواجباته في المجتمع.

وكدأب الفلسفة المعهود في التمهيد لخطى العقل البشري، كان هذا التحول في الرؤى العلمية الفلسفية، مقدمة لتنامي الدراسات الإنسانية, التي تعمل على الإحاطة بالظاهرة العلمية بسائر أبعادها، والتي وفرت الفضاء الواسع لمتخصصين بحقول علمية صرفة وتطبيقية، لخوض هذا المجال في البحوث والدراسات، ولاتخاذ البعض منهم لها, كتخصصات طريقية في اهتمامهم المعرفي الموضوعي, خاصة في مجال التراث العلمي, والبحث في إحيائه, في سائر حقوله المعرفية.

الرؤية الفلسفية الإنسانية للعلم وتفريعه

إن المنهجية العلمية, هي التي تميز العلم عن سواه من المجالات الأخرى للبحث والمساجلة, مثل الأدب والفلسفة واللاهوت, وإن العلم بوصفه عملا احترافيا, يبحث عن المعرفة الموضوعية, ويعمل على تطوير المعرفة, طبقا لمنهج علمي, يعزز أمر الموضوعية، فهي إما بوصفها منتجا "المعرفة الموضوعية", أو بوصفها عاملا طريقيا للإنتاج "المنهجية الموضوعية".

إن الرؤية الفلسفية الإنسانية للعلم، تهدف إلى المعالجة الشاملة لمعايير السلوك العلمي, وقيم الممارسة العلمية, وهي أخلاقيات البحث وإنتاج المعرفة العلمية, والتي هي عصب التقدم الحضاري المعاصر، ومن بين أهمها الأمانة في البحث, والحذر والتدقيق في تسجيل المعطيات والبيانات, التي يطلق عليها "الحقائق" البحثية، واحترام جهد الآخرين, وإعطاء الفرصة للغير, على اختلاف مستوياتهم ومشاربهم، وترك نتائج البحث لعلمي متاحة، مع تفادي سائر أشكال الإنتحال والخداع والسطو والسرقات العلمية.

إن اللجوء أو العودة إلى الفلسفة، التي بات العلم على رأسها بدلا عن الخرافة، هي السبيل إلى اتخاذ المعيار في المواقف العلمية المعقدة.

أن تاريخ العلم وأبعاده الاجتماعية والحضارية والقيمية، من خلال دراسة جذوره التاريخية, وتطور الجهد العلمي عبر المراحل التاريخية، هو الذي قدمته فلسفة العلم, كتفسير مكتمل لظاهرة العلم، بدلا من النظر إليه كفاعلية تخصصية مستقلة.

إن هذه الحتمية العلمية التاريخية, قد أفضت إلى ظاهرتين بمؤشرين رئيسين، الأولى هي إعادة النظر بجدوى وأهمية الدراسات الإنسانية الاجتماعية, بعد أن كان الربع الأخير من القرن الماضي, ينظر لها من زاوية الجهد الضائع، وقد وصلت الأمور إلى تقييم الاختصاصيين فيها بمرتبة علمية أدنى, من سواها في التخصصات العلمية الأخرى[10].

الظاهرة الثانية هي في ظهور دراسات تاريخ العلم وتراثه وفلسفته, التي تصدى لها الكثير من الاختصاصيين في العلم ذاته، والتي قدمت الكثير من المعطيات والنتائج العلمية, التي دفعت العلم المعاصر, في اختصاصات حيوية مثل الطب والهندسة والعمارة، فولدت قناعات جديدة لدى المشتغلين في العلوم, لأهمية الجهد التاريخي والحضاري التراثي، فضلا عن القيمي والعقائدي، ودفعت بنخبة متقدمة من المتخصصين العلميين, إلى دراسة العلوم التاريخية والاجتماعية, وفقه اللغات والقانون، في العودة إلى جذور العلم وأصوله, خدمة للعلم المعاصر نفسه, وقيمه وأخلاقياته، فضلا إن سواهم من أهل اختصاص التاريخ العام, لا يملكون القدرة ذاتها لدراسة تاريخ العلم وتفصيلاته, مثل أهل الاختصاص العلمي ذاته[11].

إن النتائج والرؤى الجديدة للعلم، أوصلت الروابط العلمية بين الدراسات المختلفة إلى درجة من القربى، حتى بات اليوم من الصعب التفريق بين الحقلين من العلوم، حقل الإنسانية, وحقل الصرفة والتطبيقية, التي أطلق عليها التخصصات العلمية دون سواها، وأصبح هذا التفريع والتصنيف العلمي شيئا من الماضي، والحقيقة أن إضفاء صفة الإنسانية على جانب من العلوم دون غيرها, يسقط صفة العلم عن الآخر، إذ لا علم دون الإنسانية، هدفا ومادة.

معايير السلوك الأخلاقي والمهني في البحث العلمي

إن المعايير الأخلاقية للبحث العلمي, تبنى أساسا على أهداف المهنية العلمية، التي تتضمن البحث عن المعرفة, واستبعاد الجهل وحل المشكلات العلمية، إضافة للأساس الأخلاقي والإنساني العام.

إن اختلاق المعطيات البحثية, أو الحقائق المرجعية العلمية هو خطا أخلاقي، ولكن بنفس الوقت فان المعطيات المختلقة, تسبب الأخطاء المهنية المتعلقة بالنتائج غير الموضوعية، وتعصف بذلك بمناخ الأمانة العلمية, التي تلعب دورا مفتاحيا في البحث لعلمي, وبذلك تكون المعايير المهنية في البحث العلمي، معبرا عن المعايير الأخلاقية أيضا، غير أن ذلك ليس شرطا ثابتا، فالمعايير الأخلاقية والمسؤولية الاجتماعية المرتبطة بالجوانب الإنسانية، حتمية الانتهاج في البحث العلمي, وان لم تكن متماهية مع المعايير المهنية.

إن على الباحث العلمي, تحمّل المسؤولية الاجتماعية, من اجل الوفاء بالالتزامات الأخلاقية، واستباق تأييد المجتمع لنتاجه العلمي، وضمان النتائج الإيجابية للبحث, وأمن وازدهار واستقرار المجتمع، من خلال مسؤولية الباحث, عن عواقب أبحاثه في المجتمع, وتبصير المتأثرين بها.

عليه فان المعايير الأخلاقية, بدورها لها تصوران, هما قيم الأخلاق العامة وقيم المهنة العلمية, لان كلا المعايير الأخلاقية والمنهجية في البحث العلمي, وثيقة الارتباط ببعضها، وإن اختلاق الحقائق والمعطيات البحثية, تنتهك كلا المعايير الأخلاقية, والمعايير المنهجية في البحث العلمي.

إن المعايير المهنية البحثية والأخلاقية الإنسانية, تفرض على الباحث النواحي التالية:

1. الالتزام بالوضوح والدقة عند صياغة الفروض العلمية والمقاصد التجريبية.

2. أن تكون فروضه البحثية بسيطة وقابلة للاختبار ومقبولة ومنسقة مع المعطيات.

3. أن يستخدم الأدوات المتوافرة الموثوق بها في جمع المعلومات.

4. عليه الاعتناء في تسجيل وتامين الدقة في المعطيات[12].

5. النقد الدقيق وإخضاع الأفكار والنظريات للفحص الدقيق.

6. تجنب خداع الذات والانحياز والأخطاء العفوية أو الاشتباهات في جوانب البحث.

7. استخدام المناهج الإحصائية المناسبة قدر الإمكان، في وصف وتحليل المعطيات، كونها تمثل مصداقية الرأي والمنهج, وتضفي على البحث الموضوعية العلمية.

www.alshirazi.com

12/ذو القعدة/1432


[1]  العلم في مفهومه العام، هو كل مجموعة منظمة من المعارف الإنسانية تدور حول موضوع خاص. وفي المباحث المنطقية، هو انطباع صورة الشئ في الذهن إما في التصور وهو الإدراك المجرد عن الجزم والاعتقاد والحكم، أو بالتصديق وهو الجزم والحكم والاعتقاد بالشيء.

عن مراجع ومباحث  "المنطق ومناهج وأصول البحث",  للبحاثة الشيخ محمد رضا المظفر,  والأستاذ الدكتور عبد الهادي الفضلي.

والحلقة الدراسة الثانية, الموسومة "مفهوم البحث العلمي", سلسلة دراسات  "المناهج والمنهجية وطرائق جمع القاعدة المعلوماتية في البحث العلمي", مقالات حول العالم, 2011.

        [2]   الحلقة الدراسية الثالثة عشر, مناهج البحث العامة, الأداة الإبستيمولوجية في البحث العلمي, سلسلة دراسات "المناهج والمنهجية وطرائق جمع القاعدة المعلوماتية في البحث العلمي", مقالات حول العالم, 2011.

. Ηθικές مفردة بالانكليزية, عن الأصل اليوناني, الذي ينصرف لجذر المعنى ذاته, وفي الأبجدية اليونانية   [3]

[4]  المنهج المعتمد على المنطق الصوري, الذي شكل قواعد التفكير المجرد دون المحتوى, منذ كتاب الآلة أو اراغانون "أرسطو"، الذي يدرس المفاهيم والأحكام والأفكار والاستدلالات, في صورها التي تظهر عليها, بغض النظر عن المادة التي تحتويها, بغية تحديد خصائصها وصحتها وتسلسلها، معتمدة على الاستنتاج, مثل الرياضيات.

عن, الحلقة الدراسة الموسومة, "مدخل لمناهج البحث", سلسلة بحوث ودراسات "المناهج والمنهجية وطرائق جمع القاعدة المادية في البحث العلمي", مقالات حول العالم, 2011.

[5]  ديفيد رزنيك، أخلاقيات العلم، ترجمة الدكتور عبد النور عبد المنعم، مراجعة الأستاذ الدكتور يمنى طريف الخولي، عالم المعرفة، الكويت، 2005.

[6]  "لالاند"  A. Lalande, المعجم الفلسفي.

[7]   محمد آركون, الدكتور, "نزعة الأنسنة في الفكر العربي في القرن الرابع الهجري, جيل ماسكويه", 1970.

[8]  المفهوم مختلف بالكامل وعلم الأناسة, أو علم الإنسان, وهو "الأنثروبولوجيا". الحلقة الدراسية عن "الدراسات الأثارية والأنثروبولوجية والبحث المعمق في التراث العلمي", سلسلة بحوث ودراسات "المناهج والمنهجية وطرائق جمع القاعدة المعلوماتية في البحث العلمي", مقالات حول العالم, 2011.

[9]  نلتمس هذا المعنى مثلا, في كتاب ابن قتيبة, أدب الكاتب, وهو يدل على جميع المعلومات, وعلى ما يحيط به كل كاتب في ذاك الوقت, من الذين يعملون في دواوين الدولة, لجميع العلوم المتوفرة في زمانهم, وهو يقارب تحصيل الثقافة اليونانية واللاتينية القديمة, التي أهتم بها الأوروبيون, وسموّها النزعة الأدبية, إذا صح أن نستعمل هذه الكلمة على مفهومها القديم بالعربية, لأن الآن يعنى بالآداب, هو تلك الممارسة للغة لإنتاج أدبي. كما نقول كلية الآداب مثلا. عن: الدكتور محمد أركون, أستاذ الفكر في جامعة السوربون, "الإسلام والأنسنة, معارك فكرية وطروحات", 2005.

[10]   وصل الأمر في العراق وغيره من البلدان المجاورة له، إلى التفكير بإلغاء الدراسة الثانوية الأدبية، بسبب انحسار الإقبال إليها، وقصور الرؤية لها في الدولة والمجتمع, وصدرت قرارات للدولة, صنّفت المخصصات العلمية للأساتذة الاكاديميين على درجتين، الأولى للتخصصات العلمية،  والثانية الأدنى للتخصصات الإنسانية.

[11]   تعتبر دراسة التراث العلمي إحدى جوانب هذه الظاهرة، ومن المراكز العلمية الرائدة في هذا المجال، معهد إحياء التراث العلمي في جامعة حلب، ومعهد التاريخ العربي والتراث العلمي للدراسات العليا، بإشراف مجلس علمي للأمناء من اتحاد المؤرخين العرب في بغداد، الذي واجه انتقادات من أصحاب القرار العلمي السياسي، بسبب انخراط التخصصات العلمية فيه لدراسة العلوم التاريخية والاجتماعية الإنسانية، خارج تخصصهم في الأصل, في الوقت الذي بلغت الدراسات  الموسوعية لمجموعة من العلوم الرابطة لقضية موحدة, مرتبة رفيعة في الغرب. ومن الدراسات التي تنهض في أكثر من اختصاص، الدراسات الإستراتيجية بسبب عناصرها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدفاعية، ودراسة بحوث العمليات، ودراسة حافات العلوم وغيرها.

عن, د. هيثم الحلي الحسيني,"أهمية دراسات التراث العلمي" مقالة, موقع عراق الغد, قسم الدراسات, 5ت1 2010.

[12]  المقصود بالمعطيات اصطلاحاً, مقدمات المادة العلمية المستقاة من المراجع والمصادر، والتي تمثل الحقائق ذات الطبيعة شبه الثابتة لبحوث حل المعضلة، ويطلق عليها أيضا البيانات أو الحقائق أو المقدمات، في دراسات الكلفة والتأثير والجدوى الاقتصادية ودراسة المشاريع, أو الورق الأبيض في دراسات واجبات الاركان وتقدير الموقف, أوالتوجيهات في بعض الدراسات الإستراتيجية وصنع واتخاذ القرار، وعنها تستنبط النتائج والاستنتاجات وفق المناهج البحثية المنطقية الاستقرائية الصورية العامة أو التجريبية الخاصة، وعليه فان نتائج موضوعية البحث العلمي وتوصياته السديدة, تعتمد على صلاحية ودقة المعطيات والحقائق المجمعة فيه، التي خضعت للدراسة والتحليل. الباحث.