تونس تبكي على مجرم!


 

محمد غازي الأخرس

 

موقع الإمام الشيرازي

قبل قرابة ستة أشهر دخلت في مساجلة مع صديق حول أمر يخص ثوار الربيع العربي، أو بعضهم. لقد قال ذلك الصديق أننا يجب أن نتعلم من المصريين أشياء نفتقدها وأبرزها ركونهم للسلم حين تجادلوا واحترامهم ميراث دولتهم بغض النظر عن موقفهم منها وهي أشياء نفتقدها في العراق، فنحن ـ دون فخر ـ أبعد ما نكون عن التسالم أقرب ما نكون إلى الاقتتال والسحل في الشوارع.

كانت الملاحظة صائبة بكل المقاييس لكنني مع هذا تحفظت على مفردة "التعلّم" التي ربما جرحت نرجسيتي ثم قلت إنني على استعداد لذلك ولكن ليس قبل أن أتأكد أن العرب باتوا أحراراً بالفعل وتخلصوا من سجونهم الداخلية، سجون الطائفة والنظرة الكلاسيكية لنا بوصفنا شعباً "خائناً" أسلم بطلهم لحبل المشنقة .

قلت له أيضاً أن الحرية لا تتجزأ فهي إذا تلبست روح فرد تلبسته كله وليس أجزاء منه، واسترسلت قائلاً أنهم لكي يثبتوا تحولهم إلى أحرار عليهم إعادة النظر في تجربتنا سواء في عهد النظام السابق أم بعد سقوطه. عليهم، بالأحرى، الاعتذار لنا عن حبهم لطاغيتنا ودفاعهم عنه إذ ليس من المنطقي أن يهتفوا ضد طواغيتهم ويخرجوا بالملايين لإسقاطهم في وقت يترحمون على دكتاتورنا ويبكون عليه سراً وعلناً.

ثم تمضي الأيام وتدخل الثورات فيما دخلنا فيه، يحاكمون رؤساءهم تارة ويقتلونهم تارة أخرى، ومع هذا يصرون على عماهم الفولكلوري فلا يتذكرون ـ مثلاً ـ أننا حاكمنا صداماً حتى لو كان ذلك بإشراف أميركي.

ولئن بدا كلامي وكأنه رد انفعالي إلا أن فكرته الأساسية تمحورت حول مفهوم الازدواج الذي يعاني منه العرب وخلاصته أنهم أحرار فيما يخصّ قضاياهم لكنهم أبعد ما يكونون عن التحرر فيما يخصنا.

اليوم جاء الدليل من تونس، البلد التي ابتدأ فيه فصل الربيع، وهذه المرة يبدو الدليل على تماس معنا لدرجة أنه ينكأ بعض جراحنا ويطيح بالضماد الواهي الذي يغلفها.

نعم، فهاهم التونسيون الـ"ثوار" ينزعجون من إعدام مواطنهم الإرهابي المسؤول عن تفجير سامراء عام 2006 . شيء لا يصدق؛ يصرخون ضد زعيم عرف بطغيانه ثم يعودون ليصرخوا ضد اعدام مجرم مغسول الدماغ لا يختلف عن أي وحش، مجرم جاء من بلاد بعيدة اسمها تونس ليقتل عشرات بل ربما مئات الأبرياء في بلد اسمه العراق معتقدا أنهم "كفرة" و"عبّاد قبور"، مجرم لو ارتكب جريمته هناك بين مواطنيه لألفت عنه الراويات وصنعت المسرحيات من نوع "ريّا وسكينة" بوصفه ظاهرة مرضية تستحق الدرس .

نعم، تخيلوا ذلك؛ وزير خارجية تونس يستنكر بشدة خبر إعدام الإرهابي بعد فشل محاولات دبلوماسية لانقاذه. وفي اليوم نفسه تنظم مجموعة من منظمات المجتمع المدني وقفة احتجاجية ضد العراق للسبب ذاته!

الحق أنني حين سمعت الخبر صعقت وصرت أتميّز من الغيض ثم رحت أبحث عن علة هذا الموقف المخزي. قلت لنفسي ـ لماذا احتجوا يا ترى! هل اعتراهم يقين ما بأننا لفقنا التهمة ضد ذلك الوحش أم لأنهم فقدوا الحس الإنساني وصمّوا إذانهم عن صراخ دمنا المهدور على أيدي أبنائهم ! هل لأننا ـ برأيهم ـ شعب يستحق ما جرى له أم ترى تلبسهم الشعار الجاهلي "أنصر أخاك ظالما أو مظلوماً"! أتراهم لا يعترفون بنا وبأن لدولتنا الحق في حماية شعبها أم لأننا من طينة أخرى يجب أن تداس بالأقدام ثم لا يحق لها اطلاق نأمة دفاعا عن ذاتها!

أوووه، يالقسوة هذه الأسئلة! ففي كلّ واحد منها يكمن احتقار لنا لا يعدله سوى تفجيرنا بالديناميت.

المشهد الأخير الذي تخيلته هو المصيبة. فبعد أن يكمل المحتجون ، على إعدام الإرهابي، وقفتهم، ها هم ينطلقون بتحضّر ليتظاهروا في ميدان تحرير آخر مطالبين باطلاق مزيد من الحريات في بلادهم المستيقظة!

وإذن يا صديقي، ما زلت مصراً على أن نتعلم منهم شيئاً!

أترك الجواب لحادثة أخرى فلعلهم سيقيمون المأتم على رجلهم الذي فجّرنا كما فعلوها سابقا. وحينها سأكتب لك مقالة أخرى أنهيها ربما بنصيحة صغيرة؛ بدل أن نتعلم من أصحاب الربيع شيئاً، أفضّل أن نذهب إلى المغسلة ونشطف أيادينا من منبت الذراع ونحن نقول ـ انتهى كل شيء، لا ربيع ولا بطيخ!

العالم العراقية

27/ذو الحجة/1432