![]() |
|
|
سجالات الاحتلال والسيادة
موقع الإمام الشيرازي ليس ثمة من شكك في شرعية العلاقة، بين الوطن والسيادة ومنطقيتها، ومدى ارتباط هذه الثنائية، وأعني بها (الوطن والسيادة)، باشتراطات المواطنة وقيمها، كالإحساس بالذات، واحترام الحقوق والواجبات، والتمسك بما يترتب عليها من الثوابت الوطنية، والشعور بالانتماء، والتباهي بمكونات هذا الانتماء، بأبعادها التاريخية والجغرافية والاجتماعية. ولعل ما تفرزه هذه المصطلحات من تداعيات، وقدرتها على تحريك المشاعر، واستثارة مكامن حساسة، ذات خصوصية انفعالية مؤثرة، في وعي الفرد للأحداث، وتحديد موقفه منها وطريقة تعامله معها، هي ما جعل الخطاب السياسي بكل اتجاهاته، يعمد إلى توظيفها مع مفردات أخرى، بعدها أدوات لتعبئة الرأي العام وتحريكه، ضد أو مع توجهات هذا الطرف أو ذاك. وبقدر ما لبعض المفردات، مثل الوطن والمواطنة والسيادة، من تداعيات انفعالية وعاطفية، فإن ما يرتبط بها من مناسبات وأحداث ورموز، لها أيضاً تأثيراتها الروحية والمعنوية الفاعلة والمؤثرة، وهو ما جعل لهذه المفردات، أهمية خاصة في قواميس السياسيين، بوأتها مكانة متميزة في الخطاب السياسي، وجعلتها من بين أهم مفردات اللعب السياسي، بل والردح السياسي في كثير من الأحيان، وبخاصة عندما يكون السياسيون، على درجة من الإفلاس، على مستوى التنظير والممارسة، وعندما تفتقر أجنداتهم، لأبسط مقومات الفكر السياسي، الضرورية لإرساء قواعد المشروع الوطني، الذي يعول عليه عادة، لاستقطاب الإرادات الوطنية، وتعبئة الشارع واقناعه، بجدوى وأهلية هذا المشروع أو هذا السياسي او ذاك. من هنا أزعم، إن الشعارات والتصريحات، المرتبطة بثنائية الوطن والسيادة، التي يعمد لها السياسيون، حيثما وأياً كانوا، إنما هي في نهاية الأمر سيف ذو حدين، شأنها شأن أمور أخرى كثيرة، فهي قد تكون مقدمات جادة وعملية، لمشروع وطني رصين، يتكئ على وسادة متينة، ومدعومة بدرجة كافية، من الثراء الفكري والخبرة السياسية، وقدرة عالية على إدارة الأزمات، وهذا لعمري، هو ما ينبغي أن يكون عليه السياسيون، إذا أريد للسياسة أن تكون، الأداة الحيوية للسير بالأمة قدما. وعلى العكس من هذا، فإنها في الحالات الأخرى، لا تعدو أن تكون، ضرباً من التحايل والردح والعزف النشاز، لتضليل شرائح اجتماعية يعول عليها بعض السياسيين، لتعزيز أجنداتهم الخاوية، من كل ما هو جاد ومنتج، ولعل في هذا مثلاً صريحاً، لأسوأ ما يمكن أن يكون عليه الفساد، سواء على مستوى السياسة أو على مستوى المال والإدارة. ولقد شهدنا نحن العراقيين، سجالات حامية، وجدالات محتدمة بل وساخنة في الغالب، محورها وجوهرها إشكاليات الوطن والسيادة، وهي قد استخدمت كمظلات مظللة، لمشاريع سياسية فاشلة، ذات اتجاهات وأهداف شتى، فهي دينية أحياناً، وطائفية أو عرقية أو حتى مناطقية، في أحايين أخرى. وقد كانت ولا تزال بعيدة كل البعد، عن مصالح الوطن والمواطنة. ولعل من هنات السياسة ومثالبها، خلو أجنداتها من ثوابت وطنية، تحدد برامجها على وفق، استراتيجيات وطنية تأخذ بنظر الاعتبار، المصالح العليا للأمة، ومفردات الواقع بكل حقائقه التأريخية، وما يخدم الحاضر والمستقبل، ليس لهذا السياسي أو ذلك الكيان، بل للوطن والأمة، بكل أطيافهما ومكوناتهما. وبدون مثل هذه الاستراتيجيات، فإن مساحات واسعة، على مستوى الفكر السياسي، ومفراداته ومفاهيمه، سيلفها الإبهام والغموض والعشوائية، كما إن مساحات واسعة، في ساحات العمل السياسي، ستظل تعاني من الفراغ، الذي يستهوي أطرافاً خارجية، دولية وإقليمية، للتدخل وفرض أبجدياتها، وعلى وفق مصالحها، وهي تعمد إلى استقطاب الفرقاء، وكل حسب مصالحه وأجنداته. وفي حالات كهذه التي وصًفناها تواً، فإن الكثير من الارتياب، والقليل من الثقة بين أطراف العملية السياسية، هي التي ستسود، لتكون هذه العملية مرتعاً خصباً للنزاعات الطائفية والعرقية، والصراعات العقائدية، ومثل هذه العلاقات المعتلة، بين أقطاب العملية السياسية، هو ما تراهن عليه القوى الخارجية (الشقيقة والصديقة) دون تمييز، ومثل هذه الرهانات هي في صلب الناموس السياسي، للعلاقات الدولية والإقليمية على السواء، حيث ليس ثمة في السياسة من ثوابت، باستثناء المصالح والمصالح فقط. ولعل إفرازات الاعتلال السياسي، وعاهات التدخل الخارجي وتداعياتهما، قد ظهرت بشكل واضح، وفي أكثر من موقف، اصطبغت به، السياسة الخارجية للعراق، بصبغة غير عراقية، وفضلاً عن هذا، فقد صار بوسع المراقب في الداخل، أن يرى ويسمع، المفاهيم المستلة من قواميس الآخرين، للكثير من المفردات الملتبسة، التي ما زال يتداولها عدد من سياسيينا، على قاعدة (حق يراد به باطل)، وإن هذه المفردات، هي التي صارت تلون مساحة واسعة، من الخطاب السياسي السائد في العراق. وقد تناولت في مقال سابق، نشر على هذه الصفحة من جريدة الصباح، موضوع ما أسميته، (فرية السيادة) بكل إشكالياتها وتداعياتها، ومواضع الشبهات في استخداماتها، كواحدة من مفردات الخطاب السياسي، وأجدني اليوم منساقا، لتناول مفردتي (الاحتلال والمحتل)، بخاصة وإنهما قد أصبحتا، مع انسحاب القوات (الصديقة)، من جميع مواقعها وقواعدها في العراق، من أكثر المفردات رواجا، على مستوى الخطاب السياسي والإعلام. وذهب البعض شأوا أبعد، عندما طالبوا بأن يكون، يوم (وفاء القوات الصديقة) بتعهداتها، واستكمال انسحابها من الوطن، المحرر من دنس البعث، يوماً وطنياً للعراق والعراقيين، وكأني بهم قد تركوا، كل تأريخ العراق الحديث وراء ظهورهم، وهم قد نسوا أو تناسوا، إن تأسيس الدولة العراقية، في مطلع العقد الثاني من القرن الماضي، ومن ثمَ إعلان جمهورية العراق، منذ أكثر من نصف قرن، وسقوط صنم ساحة الفردوس، على يد العراقيين، وبدعم من القوات الصديقة، وانزواء الطاغية الأحمق في جحره الدوري، ومناسبات أخرى، تستحق جميعها أن تؤرخ، كيوم وطني للعراق. وأنا هنا لست بصدد تبرير وجود قوات أجنبية، على الأرض العراقية، وبين ظهرانينا، ولكن أجدني ملزماً، لتكون الصورة واضحة، لا لبس فيها ولا إبهام، أن أعود إلى البدايات، فأذكر القارئ بماهية الخيارات، التي كانت متاحة أمامنا كشعب، أنهكته عقود طويلة من العنت والاضطهاد، على أيدي حكامنا، وكأمة عاثت بها سلالات، من الأميين وأنصاف المتعلمين، المحسوبين على العراق، وتركتها فريسة تمزقها الفاقة والجوع والرعب، بما لم يكن بمقدور كل قوى الاحتلال، التي تداولتنا عبر العصور، أن تمارسه معنا، أو مع غيرنا، من الأمم التي ابتليت بها، مذكراً ومنحنياً أمام مئات الآلاف من الناشطين، الذين تصدوا للطغيان، ممن أعدموا أو غيبوا، في زنزانات النظام المقبور وسراديبه السرية. وإذا كان وجود القوات الأجنبية، على الأرض الوطنية، يتنافى مع شروط السيادة بمعانيها التقليدية، فليتذكر بعض السياسيين، وهم في معظمهم من ضحايا النظام المباد، بأن العراق ومنذ بداية تسعينيات القرن الماضي، لم يفقد هذه الشروط وحسب، بل إنه وبفضل حماقات النظام، قد فقد أبسط مقومات الدولة، وهو لم يعد أكثر من إقطاعية مفككة، يحكمها الخارجون على القانون الدولي، بقرارات مرتجلة مما كان يسمى يومها، مجلس قيادة الثورة. وأقول لمن أعيته الذاكرة، ما الذي تعنيه مناطق الحظر الجوي، التي فرضت على العراق؟ وفقدان القدرة على التصرف، بالثروة الوطنية الوحيدة، المتاحة يومئذ، واعني بها النفط؟ ومنع العراق من إدارة تجارته الخارجية، إلا بإشراف أممي؟ وتنازله عن مياه وأراضي وطنية، لصالح دول مجاورة؟ وخروج إقليم كردستان من سيطرة السلطة المركزية؟. وأحسب أن ليس بيننا من لا يعرف، إن كل هذا وغيره قد تم بقرارات أممية، أي بإرادات خارجية، وهو لعمري الاحتلال بقضه وقضيضه، وقد تم هذا كله، قبل دخول قوات التحالف بعقد ونيف، في وقت ظل النظام وأزلامه، مشغولين بإدارة مؤسساتهم الأمنية، التي ظلت تسحق جماهير الشعب وقياداته، الرافضة لوصاية البعث والبعثيين، ولم تكن المجازر البشعة، وعمليات التصدي الوحشي، لما أطلق عليها يومئذ بـ(الانتفاضة الشعبانية)، الوحيدة في السجل الدموي للنظام. ولعلنا بعد كل هذه القرائن، وغيرها كثير مما لا يتسع المجال لذكره، يحق لنا أن نسأل: ما الذي خسره العراق والعراقيون، بدخول قوات التحالف وسقوط الإمارة البعثية؟ أم هل أبقى النظام المقبور للعراق وللعراقيين، ما يخسرونه فعلاً بعد كل الذي ذكرناه؟. الصباح 21/محرم الحرام/1433 |