إعلام غير مسؤول


 

سحر الإبراهيمي

 

موقع الإمام الشيرازي

كلما أمعنت بالإعلام العربي من حيث تناوله للقضية العراقية كلما ازددت حيرة، فطالما أعرب العراقيون عن اشمئزازهم من التغطية البعيدة عن الحيادية والمهنية التي امتازت بها معظم وسائل الإعلام العربية لكن لا جدوى فكان معظم الإعلام العربي وما زال متحاملاً على العراق الجديد ومحرضاً على العنف والفوضى والعبث بحجة "مقاومة المحتل".

لكن ما يدعو الى القرف هو نهج بعض وسائل الإعلام الدولية سواء أكانت صحفاً أو فضائيات، حيث دأبت على تقديم الخبر العراقي بطريقة لا تختلف إلا قليلاً عن تلك الصحف والقنوات العربية المنافقة، وفي بعض الأحيان تفوقها في عدائية سمجة ومفضوحة، ومثال على نتاجات القبح الإعلامي تناولها خبر إلقاء القبض على عناصر من حماية نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي وفق مذكرة صادرة من القضاء العراقي بتهم إرهابية وبعد اعترافات مريعة كشفت عن قسم منها وزارة الداخلية العراقية، وقد أكد (الإرهابيون المعترفون) بأنهم كانوا يتلقون دعماً مباشراً من قبل طارق الهاشمي لتنفيذ عمليات اغتيال وتفجير العبوات الناسفة على مواكب مسؤولين سياسيين وإداريين وأمنيين في الدولة.

الصياغة العامة لهذا الخبر "الاستثنائي في عالم الدول والعادي في العراق" كانت متقاربة جداً في قنوات العربية والجزيرة والفرنسية وبي بي سي، وكانت فكرة الخبر التي أرادت إيصالها تلك القنوات هي إن ما يجري في العراق هو "أزمة سياسية" تفجرت إثر تراكم تداعيات الأزمة بين رئيس الوزراء العراقي وقادة إئتلاف العراقية ضاربة بعرض الحائط أن هناك اعترافات عرضت على شاشة التلفاز، وإن هناك تحقيق قضائي قد تم من قل لجنة تتكون من خمسة قضاة.

وهنا يبرز تساؤل: كيف يمكن لقنوات أميركية وبريطانية تحترم القضاء واستقلاليته أن تتناول حدثاً قضائياً بدوافع إرهابية بهذه الطريقة المقرفة، فقناة (الحرة – عراق) لم تعرض الاعترافات كبقية القنوات العراقية، وفي هذا تشكيك بالقضاء العراقي الذي أشار الرئيس أوباما الى استقلاله في لقائه الأخير بالمالكي في واشنطن.

حدث رغم خطورته فإن قناة الحرة به تتعامل معه ببرود، بينما أسقطت أميركا نظامين إرهابيين في أفغانستان والعراق بعد الأعمال الإرهابية التي جرت في 11 سبتمبر والتي راح ضحيتها أكثر من ثلاثة آلاف أميركي، فلماذا كل هذا التسامح السلبي والمرونة المؤلمة التي تتعامل بها وسائل إعلام أميركية مع حدث ذي صبغة إرهابية لا سيما وأن في هذا المجال سوابق علماً بأن ضحايا الإرهاب في العراق قد تجاوز المائة وخمسون ألف ضحية.

أما القناة الفرنسية (France 24) فهي أحد أهم مصادر التحريض الموجه في العراق، فقناة البلد الذي جاء بثورة الحريات للشعوب لم تتناول يوماً خبراً جيداً عن العراق على مدى متابعتي لها اليومية واكتفت بأخبار الموت والخلاف والفساد، وحينما انحسرت العمليات الإرهابية بشكل كبير فإن أخبار العراق تكاد تختفي على شاشة هذه القناة، وإذا ما يطرأ حدث سياسي أو أمني فهي تجتهد لإحضار كل "محلل استراتيجي" عربي مليء بالحقد واللؤم على العراق وأهله (وما أكثرهم). أما مراسلهم الذي لا يظهر (لايف) على الشاشة فهو يذكرني بإعلامي حزب البعث البائد حيث تغطياته مليئة بكل ما هو خبيث ومسموم. والغريب أن هذه القناة لم تتعب نفسها – ولو قليلاً - لتسأل السفير الفرنسي السابق في العراق الذي بنى علاقات إيجابية جداً مع العراقيين، وهو ما يؤكد أن هذه القناة وغيرها تعتمد خطاً "سلبياً" وكثيراً ما كان هذا النهج أحد عوامل دعم الإرهاب في العراق.

وقناة الـ بي بي سي على نفس شاكلة (France 24) من التشكيك بالعملية السياسية والشعور الوطني وتتعمد تغييب أي تطور يشهده العراق على المستوى الاقتصادي والثقافي والأمني والاجتماعي والتعليمي حتى باتت هذه القناة معروفة بتوجهاتها المعادية للعراق الجديد وتغطيتها المحابية لجهة والمتحاملة على جهة أخرى فكانت وما زالت "قناة طائفية" أو إنها "قناة تثير الطائفية".

3/ربيع الأول/1433