محرم العمل والإصلاح


 

محمد عبد الجبار الشبوط

 

موقع الإمام الشيرازي

إذا كان شهر محرم الحرام اقترن بهجرة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وبدء السنة الهجرية، فان الاقتران الاكثر اثارة للمشاعر والعواطف هو ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) في عام 61. ومنذ ذلك العام أصبح محرم شهر الحزن والبكاء واستذكار الواقعة الأليمة التي أدت الى مقتل الإمام وثلة من أهل بيته وأصحابه. ولا يحتاج المحب الى إجازة لكي يبكي على فقد حبيبه، كما لا يحتاج الى من يحثه على ذلك. فالحزن والبكاء تعبير عن الحب والتعلق. والحب تعبير عن الدين. «وهل الدين إلا الحب؟»، كما في الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام).

وبغض النظر عن الجانب الديني لشعائر محرم الحرام، فقد أصبحت هذه الشعائر ظاهرة اجتماعية ممتدة ومتسعة على امتداد السنوات والبقاع، حتى لا يجانبنا الصواب إذا قلنا إنها أصبحت ظاهرة اجتماعية ثقافية تاريخية عالمية. ويندر أن تتمكن فكرة أو شخص أو مناسبة من حشد هذا العدد الكبير من الناس، المحبين، الذين يجمعون على التجمع واظهار الحزن والبكاء على صاحب المناسبة.

وظاهرة من هذا النوع جديرة بأن تكون مناسبة للعمل أيضاً، مادام بمقدورها حشد هذا العدد الكبير من الناس. فهي تصلح أن تكون إطاراً للتثقيف الجماعي، والعمل الجماعي، ودفع الناس الى مبادرات جماعية للعمل والإصلاح والبناء والتغيير، كل حسب المجتمع الذي يتم فيه إحياء المناسبة.

ويحتاج العراق، حيث العدد الكبير من محبي الإمام الحسين الذين يحيون ذكرى استشهاده بكل حماسة وإخلاص وحزن وحب وإيمان، الى استثمار هذه الثروة الإيمانية البشرية الكبيرة في عملية البناء والإعمار والإصلاح والتنوير التي يتطلبها بناء الدولة المدنية الحديثة. فبمقدور هذه الملايين المؤمنة والزاحفة كل عام صوب كربلاء ذات المشاعر الجياشة والملتهبة أن تجعل من شهري محرم وصفر، حيث تمر خمسون يوماً من إحياء شعائر عاشوراء، أن تكون قوة أساسية في بناء الدولة المدنية الحديثة، وإخراج العراق من عصور التخلف والظلامية التي كرسها النظام البعثي المتخلف ومحاربة الظواهر التي تعيق بناء الدولة، مثل الأمية والتصحر وتدني مستوى الوعي الثقافي والسياسي والتاريخي والفساد وعدم الشعور بالمسؤولية والاتكالية والتمزق الاجتماعي وغير ذلك من الظواهر السلبية الموروثة أو المستجدة بعد سقوط النظام.

وبمقدور الخطباء والكتاب وقادة الرأي أن يحركوا هذه الجموع باتجاه الأهداف الخيرة التي استشهد الإمام الحسين (عليه السلام) من أجل تحقيقها، وهي أهداف ما زالت قائمة، حيث يقف على رأس قائمتها «طلب الإصلاح في الأمة» بعد أن نخر جسمَها السياسي الفسادُ ونخر جسمَها الثقافي الجهلُ لتكون الذكرى الأليمة حافزاً لمزيد من العمل الإصلاحي على المستوى السياسي والثقافي والاجتماعي والبيئي وغير ذلك.

وانطلاقاً من الوعي بأهمية الإعلام في تحريك المجتمع، تطلق شبكة الإعلام العراقي حملة توعوية لتشجير الطرق المؤدية الى كربلاء، خاصة طرق المشاة، في إطار دعوة أشمل الى تشجير العراق من أجل مكافحة التصحر الزاحف على المساحات الخضر من أرض السواد.

وسوف يسهم الكثير من دوائر الدولة والمؤسسات، وعلى رأسها المحافظات، وخاصة محافظة كربلاء، في هذا الجهد الجماعي الذي يستهدف تحقيق الخير العام للبلاد وبخاصة المناطق التي سوف تشهد تصاعد الممارسات الحزينة لشعائر محرم الحرام.

وكانت استجابة محافظة كربلاء للمبادرة سريعة من خلال قيامها بتهيئة عشرة آلاف شجرة تستعد لتوزيعها بين الزوار لغرسها على الطرق المؤدية الى كربلاء المقدسة، بحسب ما أعلن ذلك محافظها السيد آمال الدين الهر.

وثمة أمل كبير في أن ينخرط محبو الإمام الحسين عليه السلام، الذين يحرصون على إظهار الولاء والحب له، في طريق الإصلاح الذي دعا إليه، من خلال الاشتراك الطوعي في تشجير الطرق التي يمرون بها ويستخدمونها وصولاً الى كربلاء المقدسة.

"ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب".

الصباح

3/محرم الحرام/1434