ضوابط الانتماء لسيد الشهداء


 

موقع الإمام الشيرازي

الانتماء الى سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام، ليس لقلقة لسان، كما أن الانتماء الى كربلاء، ليس ادعاء فارغ من المحتوى والمضمون، إنه تبني لرسالة وتحمل لمسؤولية وولاء لمنهج. فأما أن ننتمي الى الحسين بن علي عليه السلام، ويحكمنا طاغوت كـ (صدام) فهذا يعني أن هنالك خللاً كبيراً في الفهم والوعي والإدراك لمعنى الولاء والانتماء، وإن هنالك إشكالاً في الاستيعاب، فكيف يمكن أن يجتمع الخير والشر في آن واحد؟.

إن في كل نصوص زيارات المعصومين والأئمة عليهم السلام، عبارات عميقة المعنى مثل العبارات "عارفا بحقكم" و"مستبصراً بشانك وبالهدى الذي أنت عليه" و"المعترف بحقكم" و"مستبصراً بالهدى الذي أنت عليه" و"عارفاً بضلالة من خالفك" و"أشهد أن من اتبعك على الحق والهدى" و"أشهد أنك كلمة التقوى وباب الهدى والعروة الوثقى" و"أشهد الله وأشهدكم أني بكم مؤمن ولكم تابع" و"إني سلم لمن سالمكم، وحرب لمن حاربكم" و"جئتك وافداً إليكم، وقلبي مسلم لكم، وأنا لكم تابع" و"نصرتي لكم معدة، حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين، فمعكم معكم لا مع عدوكم" ما يعني أن شروط الانتماء الى الإمام الحسين سلام الله عليه كما يلي:

1ــ المعرفة والاستبصار بالحق والهدى الذي عليه الإمام.

2ــ الاعتراف واليقين بالباطل الذي عليه أعداءه، الى جانب الاعتراف بحق الإمام.

3ــ الشهادة على ما نخاطب به الإمام، وعلى ما نعتقده ونعقده في قلوبنا.

4ــ الاتباع الحقيقي والعملي، الى جانب القلبي، لما سار عليه الإمام وللنهج الذي خطه في حياته.

5ــ تولي الإمام وأنصاره، والتبري من أعدائه.

6ــ إعداد العدة دائماً لنصرة الإمام ونهجه عندما يتطلب الأمر ذلك.

فكيف نعرف الحسين الشهيد؟ وما الذي يجب أن نعرفه منه؟ وتالياً، كيف يمكن أن نكون حسينيين حقا وليس مجاملة أو ثرثرة أو ترديد لكلمات لا تعني لنا شيئاً؟.

إن أصل الحب هو المعرفة، كما أن أصل الولاء هو المعرفة، ولذلك يجب أولاً أن نعرف الإمام الحسين عليه السلام لنواليه ونحبه وننتمي الى نهجه الرسالي الوضاء، بصدق ووعي.

فمن أجل أن تكون حسينياً، عليك:

أولاً: أن تقرأ الإمام الحسين سلام الله عليه بعقلك قبل عواطفك، وبوعيك قبل أحاسيسك، فالحسين ليس عبرة فقط (بفتح العين) إنه عبرة (بكسر العين) وفكرة.

إن ما يؤسف له حقاً، هو إننا حولنا الإمام الحسين الى تراجيديا نبكي عليها فقط، من دون أن نبذل الجهد اللازم من أجل أن نقراه فنستوعبه فنتمثله نهجاً للحياة، قبل أن يكون طريقة للاستشهاد.

إننا ننفق الكثير على الجانب العاطفي لقضية الإمام الحسين عليه السلام، ولكننا ننفق اليسير جداً على الجانب الآخر لهذه القصة، ولذلك تحول عند بعض الناس الإمام الحسين الى عاطفة تغلبت على جانب العقل والوعي والمنطق. فإذا تساءلنا، مثلا، كم من الأموال الطائلة ننفقها سنوياً لحشد مواكب العزاء والتطبير والزنجير؟ وكم من الأموال والجهد نصرفه على بناء الحسينيات وتشييد التماثيل والأعلام والرايات؟ وفي مقابل ذلك، كم من الأموال خصصناها لطباعة الكتب وتأليف المسرحيات وانتاج المسلسلات والأفلام العالمية، للتعريف بالإمام الحسين وأهدافه ومنطلقاته؟ وما هي الميزانية السنوية التي خصصناها للدراسات الجامعية العليا باسم الحسين عليه السلام، وللكراسي التعليمية في الجامعات العالمية الراقية، وللزمالات الدراسية للأذكياء من أبنائنا؟. لا شك أن الفارق كبير جداً، وإن النسبة غير عادلة أبداً.

نحن لا نريد أن نلغي الجانب العاطفي من قصة كربلاء، أبداً، فالعاطفة، كما نعرف جميعاً، تلعب دوراً كبيراً ومؤثراً في إحياء المنهج، ولكننا في نفس الوقت، لا نريد أن تطغى العاطفة على العقل، والأحاسيس على الوعي، بل إن العاطفة يجب أن تكون طريقاً الى الوعي وليس سبباً لإلغاء الوعي، كما هو الحاصل اليوم عند البعض بشأن قصة الإمام الحسين عليه السلام.

من جانب آخر، فإن الإمام الحسين عليه السلام لا زال مشروع طائفي أو إقليمي محصور في اهتماماتنا، لأننا، وللأسف الشديد، لم نبذل الجهد اللازم من أجل التعريف به وبأهداف ثورته عالمياً، في الوقت الذي نعرف فيه أنه مشروع إنساني عالمي، وليس مشروعاً شيعياً أو عربياً أو حتى إسلامياً، إنه كمشروع رسول الله صلى الله عليه وآله لكل البشرية، فهو مدرسة لكل الأحرار، ومنهج لكل من يسعى لنيل الحرية ويكافح ضد الاستبداد والتسلط غير المشروع، إنه مشروع إصلاح عالمي، ولذلك يجب أن يكون اهتمامنا به عالمياً للتعريف به لكل العالم، ولو كنا قد فعلنا ذلك، لما جهلته البشرية، ولما نظرت الى الإسلام كما تنظر إليه اليوم، كونه دين القتل والعنف والكراهية، ولعرفت أن الحسين عليه السلام، مشروع مودة ولين ومحبة وسلام، حمله من كربلاء، وانطلق به الى كل البشرية.

من هذا المنطلق، فإن من اللازم، إذا أردنا أن نكون حسينيين حقاً، أن نقرأ الحسين وكربلاء وعاشوراء بعقولنا، لنستوعب المنهج ونهضم الأهداف في حركتنا الاجتماعية.

ثانيا: ومن أجل أن ننجح في استيعاب الإمام الحسين سلام الله عليه بعقولنا، يلزم أن يكون المنطلق ربانيا،  والى هذا المعنى أشار الإمام عليه السلام بقوله "فمن قبلني بقبول الحق" أي إن من يريد أن يستوعب حركة الإمام الحسين عليه السلام، عليه أن يقبل بحركة الخالق في عباده، لأن حركة الحسين هي جزء من الحركة العامة التي خلقها الله تعالى وأرادها لعباده.

مشكلة البعض منا، أنه يفصل بين حركتين، الاولى هي حركة الخالق جل وعلا، والثانية هي حركة الحسين عليه السلام، وكأنهما حركتان متوازيتان، أو متقاطعتان، ولذلك لم يستطع أبداً أن يفهم حركة الحسين عليه السلام. وإذا أردنا أن نكون حسينيين، علينا أن نقرأ حركة الإمام الحسين في كربلاء، بعقول ربانية، لنعي أهدافها ومنطلقاتها ونستوعب نتائجها بشكل سليم.

ثالثا: أن ندرس منطلقات وأهداف ونتائج الثورة الحسينية، كحزمة واحدة، من جانب، وبعقل منفتح لا تسيطر عليه العاطفة أو المصالح الأنانية، أو البعد الطائفي، من جانب آخر. أما إننا نريد أن نكون حسينيين في العزاء، يزيديين في الالتزام  بالفرائض، أو أن نكون حسينيين في البكاء وأمويين في الالتزام بأخلاقيات الإسلام، فهذا تناقض يرفضه الدين والعقل والحسين عليه السلام.

إن السبط حزمة واحدة، فهو الدين كله، فأما أن نكون حسينيين حقا فنلتزم بكل الدين وقيمه وأخلاقياته، أو نخادع أنفسنا عندما ندعي الانتماء للحسين ونحن لا نلتزم بما أمرنا الله تعالى به، فهذا هو النفاق بعينه والتناقض بذاته، فالحسين ليس تجارة وهو ليس سلعة، إنه الدين الذي جاء به جده رسول الله صلى الله عليه وآله. وهذا يتطلب أن نلتزم بالدين كمنهج وليس كـ (تجارة) أو أداة دنيوية لتحقيق مصلحة آنية، كما يفعل الكثيرون ممن أشار إليهم الإمام الحسين عليه السلام بقوله "الناس عبيد الدنيا والدين لعق على السنتهم". ولم يقصد الإمام بقوله "الناس" عامة الناس فحسب، أبداً، وإنما قصد كل الشرائح الاجتماعية التي من الممكن ان يكون فيها من ينطبق عليه قول الإمام. فكم من العلماء والفقهاء تحول الدين عندهم الى أداة ارتزاق، ومصدر عيش، فتراهم على اتم الاستعداد، وفي كل آن، لبيع دينهم والتنازل عما يدعون اليه من قيم، بسعر بخس، كأن يكون حفنة من المال او منصب ما او جاه معين؟. وكم من القادة والسياسيين الذين تحول الدين عندهم الى سلعة تباع وتشترى، والى أداة يتاجر بها، للوصول الى السلطة، فإذا ما حقق غايته الدنيوية، خاطب كتاب الله العزيز ، بما خاطب به الوليد بن عبد الملك القرآن الكريم عندما اخبر بان الخلافة وصلت اليه، بقوله (هذا فراق بيني وبينك". إنه يقرأ القرآن الكريم تظاهراً، ويصلي في المسجد رياءا، ويصوم ويحج تكلفا، مثله في ذلك، مثل من كان يصلي في المسجد بكل خشوع وتذلل الى الله تعالى، وبذلك الصوت الجهوري الذي يحبه الله ورسوله والمؤمنون.       في الإثناء دخل عليه شخصان يريدان الصلاة في المسجد، فسمعهما يتباهيان بخشوعه وقراءته الدقيقة للايات وتذلـله بين يدي الله عز وجل. قطع صاحبنا صلاته، والتفت اليهما قائلا (يا جماعة، أنا صائم كذلك).

رابعاً: نحن نقرأ في دعاء قنوت صلاة العيدين ما يلي: "اللهم أدخلني في كل خير ادخلت فيه محمدا وآل محمد، واخرجني من كل سوء اخرجت منه محمدا وآل محمد" فكيف السبيل الى ذلك؟ وكيف يمكن تحقيق هذه الامنية العظيمة؟... في البدء، يجب أن نعرف بأن مثل هذا الهدف لا يتحقق بالدعاء فقط، ولا بالتمني فحسب، وإنما بالعمل والاجتهاد وبذل الجهد لتحقيقه، خاصة وانه هدف استراتيجي كبير. ثم، إذا أردنا تحقيق ذلك، علينا ان نعرف الخير الذي دخل فيه اهل بيت النبوة، لنسير في هداه حتى الوصول اليه، كما ان علينا ان نعرف السوء الذي لم يدخل فيه اهل البيت عليهم السلام، لنتجنبه ونتحاشاه. ومن خلال قراءة سيرة أهل البيت عليهم السلام يتضح لنا إن الخير الذي هم فيه، إخلاصهم لله تعالى، وحبهم الخير للناس من دون تمييز، فهم باب رحمة الله الواسعة لكل بني البشر، كما انهم الجادة التي ما سار عليها امرء الا هدي الى الصراط المستقيم. من يريد ان يكوم حسينيا، عليه، اذن، ان يحب الخير لكل الناس من دون تمييز على أساس الدين أو العرق أو العشيرة أو الانتماء الجغرافي. كذلك، عليه أن يكون باباً للخير لهم، فلا يمنعهم الخير إذا وقف على بابه.

خامساً: لنعرف ماذا فعل الإمام الحسين عليه السلام، لنفعل مثله، فنكون حسينيين.       لقد لخصت الزيارة المعروفة، بزيارة "وارث" الأفعال التي انجزها السبط الشهيد، وهي كالتالي: الف: اشهد انك قد اقمت الصلاة. باء: وآتيت الزكاة. جيم: وأمرت بالمعروف. دال: ونهيت عن المنكر. هاء: وأطعت الله. واو: ورسوله.

من هنا تتضح معالم الرجال الحسينيين. فالحسيني، هو من يذوب في ذات الله تعالى ويطيع رسوله، ويلتزم بما أمر به، فليس حسينيا من لا يصلي، مهما كثر بكاؤه عليه او زادت تعزيته، وليس حسينيا من لا يطع الله ورسوله، وليس حسينياً من يتفرج على المنكر فلا ينهى عنه، او يعرف المعروف ولا يأمر به أو يدل عليه. ولأن الحسين عليه السلام كان ربانياً بكل معنى الكلمة، لذلك قال لمن دعاهم لنصرته "فمن قبلني بقبول الحق، فالله اولى بالحق" اي انه لم يكن يريد النصرة لنفسه، كما انه لم يطلب طاعة الناس لذاته، كما يفعل الطغاة والجبابرة، وانما طلبها لدين الله تعالى ولقيمه السمحاء التي كادت ان تندرس لولا تضحيته السخية.

الحسينيون، إذن، لهم مواصفاتهم الحقيقية، وما عدا ذلك، يبقى كلاما فارغاً وأحياناً معسولاً، قد يخدع الناس ولكن لن يخدع الله تعالى العالم بسرائر الأمور وما تخفي القلوب، أو لم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله: "لا يخدع الله عن جنته"؟.

سادساً: إن الحسيني حقاً هو الذي لا يوالي من هو عدو للحسين، ولا يعادي من يحب الحسين أبداً، ولذلك نقرأ في الزيارة المشار إليها "إني سلم لمن سالمكم، وحرب لمن حاربكم" بمعنى آخر، فان الحسينيين يشكلون بمنهجهم وبطريقتهم وبمجموعهم جبهة واحدة لا تهزها العواصف، ولا يخترقها اليزيديون، مهما كانت اشكالهم ووسائلهم التضليلية.

الحسينيون، وحدة واحدة منسجمة ومتآلفة ومتعاونة، وإذا وجدنا يوماً إنهم متخاصمون أو متفرقون، يضعف بعضهم بعضاً، ومتقاتلون على حطام الدنيا، فذلك يعني إنهم تركوا الانتماء الى الحسين عليه السلام، وارتموا في حضن الشيطان، وإنهم انقلبوا على أعقابهم وارتدوا على منهجهم، ليستبدلوا الولاء للحسين بالطاعة ليزيد وأشباهه.

 في مثل هذه اللحظة على وجه التحديد، عليهم أن يعيدوا حساباتهم، فيرجعوا الى صوابهم قبل فوات الأوان، فإن من لم يكن حسينياً في المنهج والوعي والانتماء والعمل والمشاعر والممارسة اليومية، فهو يزيدي في كل ذلك، وإن لم يعلن هويته على الملأ بصراحة ووضوح.

7/محرم الحرام/1434