دراسة ومداخلة في نقض الممتنع من الفكر والفلسفة النسبية
على ضوء مباحث
 

سماحة آية الله السيد مرتضى الحسيني الشيرازي
في كتاب
نسبية النصوص والمعرفة .. الممكن والممتنع
(16)

نقض المدركات النسبية في فكر وفلسفة "كانت"

 

     

منهجية الباحث في مقاربة الفكر النسبي لكانت

اعتمد السيد المؤلف في منهجيته النقدية, لنقض المدركات النسبية, في فكر وفلسفة "كانت", "أو كانط في اللفظ العربي, إذ يفضل الباحث تسميته", على مقاربة بحثية, يبين فيها أنه لا يهمه محاكمة "كانت", كفيلسوف غربي، بل محاكمة "الفكرة", بمعنى أنه لا يدين النوايا, وإنما يدين النظرية، فيعبر عن هذه المنهجية, أنه ليس بحثا حول محاكمة "كانط", بل حول تقييم النظرية.

 

مداخلة تعريفية في نظرية المعرفة

"الإبيستيمولوجيا" Epistemology, هي دراسة نقدية لمبادئ العلوم المختلفة, وفرضياتها ومناهجها ونتائجها, تهدف إلى تحديد أصلها المنطقي وقيمتها الموضوعية, كما يبين "لالاند" في المعجم الفلسفي, وهي قد تطلق على نظرية المعرفة بوجه عام, فتكون أحد فروع الفلسفة, الذي يبحث في أصل المعرفة, وتكوينها ومناهجها وصحتها.

وقد اختلف الباحثون في المعنى الدقيق، لمفهوم "الإبستمولوجيا", ففي الأصل اللغوي الاشتقاقي, وجذر هذا اللفظ من اليونانية القديمة, وفق منهج "الإيتمولوجيا", الذي يبحث في الأصول اللغوية للمفردة, فهو مركّب من مفردتين, "إبستيمو"  epistemo,  وتعني العلم, و"لوجو"   ,logo والتي تعني الكلام والنطق في اليونانية القديمة, وفي اليونانية المعاصرة, والتداول العلمي للمفردة عموما, تدل في المركب اللغوي, على "العلم والمعرفة والنقد والنظرية والدراسة".

ويتضح علاقة المفرد بنظرية المعرفة, عند تحليله لغويًا, وبالتالي فإن كلمة "إبستمولوجيا" تعني حرفيًا "نظرية العلم"، وتعني "علم العلم"، و"الكلام في العلم" و"منطق العلم", فضلا عن تداولها في الأدبيات الفلسفية العربية , وفق " فلسفة العلم", والى منطقة قريبة, يتماهى المفهوم, و"نظرية المعرفة".

واستقر المفهوم المعاصر, للأداة الإيبستيمولوجية في البحث, في صيغته المعاصرة, لتعني الدراسة النقدية للعلم, أو نظرية المعرفة العلمية، وبمعنى آخر فإن هذا الحقل المعرفي, يختص بدراسة منتجات المعرفة العلمية, ومبادئها وأصولها، من منظور نقدي.

 

فلسفة "كانت" والنظرية المعرفية

إن فكر "كانت", الذي يتماهى ويوصل الى النسبية, يتأسس على تعارض الجزئيتين, في نظرية المعرفة, بين "الشيء لذاته" و"الشيء كما يبدو لي", ولمقاربة النظرية منهجيا, لهدف تقييمها والحكم بصلاحيتها, يبين الباحث, أن من الضروري أن نعرف, أنّ هذه الكلمة, يمكن أن تفسر بطريقتين, فالطريقة الأولى, هي إن أفهامنا لا تصل لـلشيء في ذاته, ولا طريق لنا إلى معرفة ذات الشيء, وحقيقته وعمقه، بل إن ما نعرفه عن الشيء, هو مجرد ظواهر, كشكله ولونه وما أشبه، وهو "الشيء كما يبدو لنا".

والطريقة الثانية التي يسوقها الباحث, لتفسير النظرية "الكانتية" المعرفية, إن "الشيء كما يبدو لنا", لا يتطابق مع "الشيء في حد ذاته", بل إن ما نفهمه عن الشيء, أمر يتغاير مع "الشيء في نفسه"، فيخلص الباحث في هذا التفسير, الى أن كلاً منا, يفهم الشيء بنحو خاص, وعلى طريقته، وكل الأفهام صحيحة لنا, نظراً لما أسماه "كانت", بالانقلاب "الكوبرنيكي" في المعرفة، حيث اعتبر أن "الفهم" هو الأصل, وأن "الحقيقة" تدور مداره، لا العكس.

 

المخرجات النقدية في مقاربة كانت و"النسبية"

يخلص الباحث الى أن هذا الجانب السلبي في النظرية, الذي ينتهي الى مدركات النسبية وتداعياتها الفكرية, قد تغافل عنه المهتمون بفكر النسبية وفلسفتها, وأبرزوا الوجه الإيجابي فقط, على ما فيه من المغالطة في حد ذاته, وهو يؤكد أن تفصيل الرد على التفسيرين, قد وردت في الكتاب العتيد الموسوم "نقد الهرمنيوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة واللغة", إذ نقل الباحث فيه نصوصا منتخبة من نظرية "كانت", وستسعى الدراسة, الى التواصل مع فصول هذا الكتاب لاحقا, بعد إستكمال الحلقات, في الكتاب موضوع الدراسة, وبين يديها, الموسوم "نسبية المعرفة والنصوص, الممكن والممتنع", بهدف إستكمال البحث, وتوخّي وحدة الموضوع فيه.

وعليه ينتهي المؤلف الى أن "الشيء كما يبدو لي", بكلا تفسيريه خطأ, سواء قال "كانت" بذلك أم لا، وإن كان الظاهر من كلماته ذلك، بل لعلها نص فيه، لكن هذا لا يهم، إذ لا مشكلة للباحث, في البحث العلمي مع الأشخاص, بل مع الأفكار، وعلى هذا فلو أراد "كانت" من الجملتين معنى آخر, ينسجم مع الحق، فلا مشكلة للباحث معه في هذه الفكرة.

ولتقييم النظرية نقدا منهجيا, يستنتج الباحث, إن إسنادات النسبيين, موضوع "النسبية" لكانت, قد تكون خاطئة, أو صحيحة، إذ أن ما يهم البحث, أن الرأي في قبول هذه المعاني "النسبية"، هو مما يعارضه البرهان, والأدلة القطعية، سواء صحت نسبتها للمفكر "كانت" أم لا.

 

مقاربة النظرية المعرفية لكانت

يعرض المؤلف الى مقولة "كانت",  إن "الشيء لذاته",  يختلف عن "الشيء كما يبدو لي", والتي تعني,  أن أي شيء له اعتباران، أو حيثيتان، أو وجودان، وهما الشيء لذاته، والشيء كما يبدو لي، وتوضيحه  أنه يوجد أمران, أولهما أن هناك عالم الحقيقة، وعالم الثبوت، وعالم الواقع، سواء أكان الشيء, أمراً غيبياً أم ظاهرياً, والأمر الثاني, أن هناك الإنسان كذلك, الذي يريد أن يتعرف على هذا العالم.

ومن هنا تتشكل المفارقة, فيما تزعمه هذه النظرية,  بين الإنسان, وما يحمله من أفكار سابقة, وانطباعات شخصية, تكونت بسبب انفعاله بالظرف الخارجي, من تربية وبيئة, ومحيط اجتماعي وسياسي واقتصادي, وغيرها, قد أثرت في بناء شخصيته، وكل هذه العوامل تشكل وسيطاً بين الإنسان وبين مدركاته، من جهة, وبين ما يريد إدراكه، هذا الإنسان, من جهة أخرى, فتتلون الحقائق الخارجية, بلون الإنسان, وتتشكل بحسب شخصيته، فلا يرى الحقيقة كما هي في الواقع, وإنما كما يريد هو أن يراها.

 

رفض نظرية "كانت" حول "الشيء لذاته"

يحسم الباحث رفضه لهذه النظرية بعدة مدخلات نقدية, أولها أن لو سلمنا بالنظرية على إطلاقها, لتعددت المعارف والحقائق بعدد نفوس البشر، فلكل إنسان ظرفه الخاص به, وشخصيته التي تميزه، ومن البديهي أن الحقيقة تبقى هي الحقيقة, ولا تتغير بتغير إدراكات الناس لها، ومن هنا كانت هناك شروط لإدراك الحقيقة, بحيث تخرج المعرفة من الذاتية المطلقة إلى الموضوعية، حتى تمنع من تدخل النفس والهوى, في التأثير على الواقع. 

المدخل الثاني, الذي يلجه الباحث, في نقض نظرية "كانت" المعرفية, إن الله سبحانه وتعالى, قد فتح أمام الإنسان، طرقاً توصله إلى الحقيقة، ونوافذ تطل على الواقع، رغم كل الخلفيات النفسية, والقبليات الفكرية والمعرفية، وتعد هذه الطرق, كالنور الذي يقشع سحب الظلام, فيوصل للمجاهيل وينير الحقائق.

وهذه النوافذ هي التي تطل بالإنسان, على الحقيقة مباشرة، متجاوزة كافة الخلفيات والقبليات، أو أن الله سبحانه وتعالى, قد خلق لنا, مصابيحا كشّافة قوية, لا تستطيع الخلفيات والقبليات, مهما كانت قوية وراسخة, أن تحجب نورها, من أن يصل للإنسان.

ولذا يجد السيد المؤل, أن "الأوليات" و"الفطريات", هي مما يذعن بها كافة العقلاء، وكذلك كافة "المستقلات العقلية"، وإلّا أصبح باب العلم مغلقاً دائماً، وقد تعرّف العقلاء, على هذه المفاتيح والطرق, التي جُعلت شرطاً في المعرفة، وبالتالي فإن أية معرفة, تخرج عن حدود هذه الشروط, فإنها تمثل رؤية خاصة, لا تتجاوز صاحبها.

د. هيثم الحلي الحسيني

www.alshirazi.com

4/صفر/1434