إضاءات في العقل


 

 

نزار حيدر

 

موقع الإمام الشيرازي

    في واحدة من أعظم أقوال الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) أستاذ أئمة كل المذاهب الإسلامية، ومنها المذاهب الأربعة، والذي نعيش هذه الأيام ذكرى استشهاده، في الخامس والعشرين من شهر شوال (148 للهجرة). يقول عليه السلام: {من كان له عقل كان له دين، ومن كان له دين دخل الجنة. وهو قول يستمده الإمام من السلسلة الذهبية، التي تبدأ بجده رسول الله (ص)، والذي قال:{قوام المرء عقله، ولا دين لمن لا عقل له}. أو قوله (ص): {إنما يدرك الخير كله بالعقل، ولا دين لمن لا عقل له}. وكذلك في قول أمير المؤمنين عليه السلام: {لا دين لمن لا عقل له}. وقوله عليه السلام: {ما آمن المؤمن حتى عقل}.

هذا يعني إن العقل، هو المحور وليس الدين، وإن من يحاول فهم الحياة والدين والآخرة بلا عقل، واهم وعلى خطا، ولعل سبب كل مصائبنا اليوم، وكل هذا الاقتتال والقتل والذبج والتدمير والتكفير والغاء الآخر والكراهية، وغير ذلك من الأمراض العويصة التي ابتليت بها شعوبنا، سببه إننا نحاول أن نفسر الحياة بالدين أو نهتدي إليها بالدين، او اننا نطل على الدنيا والدين والاخرة بلا عقل، اي بالدين المجرد عن العقل.

فلو سالنا سائل، ترى أيهما أهم العقل أم الدين؟ لأجبناه مسترسلين، بالتأكيد هو الدين، فهو المحور، وهو المبتدأ والمنتهى، أما مدرسة أهل البيت عليهم السلام فتجيب نقيض ذلك، إذ يقول الإمام الصادق (ع) مثلا، وكما مر آنفا، إن العقل هو الأساس، فبه يدرك الدين وبه تدرك الحياة وبه تدرك الآخرة، وكل شيئ.

تعالوا معا نتدرج في فهم الموضوع لحساسيته، قبل أن نقبله أو نرفضه، وذلك من خلال طرح السؤال التالي: أيهما خلق الله أولا، العقل أم الدين؟ اذا اجبنا على السؤال بشكل سليم يعتمد النص والمنطق، عندها سنعرف ايهما اهم وايهما هو المحور، لان المخلوق الاول هو الذي يهدي الى كل مخلوق آخر، اليس كذلك؟ اذ لا يعقل ان يهدينا المخلوق الثاني او الثالث او الرابع، مثلا، الى المخلوق الاول، فايهما خلق الله اولا؟.

يقول تعالى في محكم كتابه الكريم {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا}. والعرض تزامن من خلق الانسان، ما يعني ان الله تعالى خلقه اولا، ثم تتالت بعثة الانبياء والرسل، لان في لحظة الخلق لم يرسل نبي او رسول بدين لاحد.

يقول رسول الله (ص): {أول ما خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل ثم قال له: أدبر فأدبر ثم قال: {وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم علي منك، بك آخذ وبك أعطي وبك أثيب وبك أعاقب}. وفي حديث آخر عنه (ص): {اول ما خلق الله العقل} وقول الصادق والكاظم عليهما السلام {ان الله جل ثناؤه خلق العقل وهو اول خلق خلقه من الروحانيين عن يمين العرش من نوره}.

اما امير المؤمنين عليه السلام فيقول شارحا فسلفة بعثة الرسل والانبياء {فَبَعَثَ فِيهمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إلَيْهِمْ أنْبِيَاءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِىَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بالتَّبْلِيغِ، وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ} وهذا يعني ان العقل كان مخلوقا عندما بعث الله الرسل والانبياء بالدين والرسالات، والدليل على ذلك هو وصفه عليه السلام بان الدين لاثارة العقل، ما يعني انه كان مخلوقا عند البعثة.

كما أن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام يقول في هذا الصدد: {إن لله على الناس حجتين، حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة عليهم السلام، وأما الباطنة فالعقول}. وهي إشارة واضحة الى أن العقل، الحجة الباطنة، سبق الدين، الحجة الظاهرة.

ولكل ذلك وردت النصوص الكثيرة التي تمجد بالعقل، وإنه محور الدين والعلم والفهم والحكمة والعمل الصالح وكل شيئ، منها على سبيل المثال لا الحصر:{العقل أقوى أساس}. {العقل صلاح كل أمر}. {العقل حسام قاطع}. {العقل رسول الحق}. {العقل أفضل موجود}. {لا غنى أخصب من العقل}. {لا غنى أكبر من العقل}. {أغنى الغنى العقل}. {زينة الرجل عقله}. {الجمال في اللسان، والكمال في العقل}. {أصل الإنسان لبه، وعقله دينه}. {مثل العقل في القلب، كمثل السراج في وسط البيت}. {لا يستعان على الدهر إلا بالعقل}.

تاسيساً على ذلك، نفهم بأن العقل هو الأهم وهو المحور، ولذلك فإن الله تعالى يحاسب بالعقل وليس بالدين، وهو الذي يتميز به كل إنسان عن الآخر، فلقد ورد عن رسول الله (ص) قوله: {إذا بلغكم عن رجل حسن حال، فانظروا في حسن عقله، فإنما يجازى بعقله}. وعن أنس بن مالك قال: أثنى قوم على رجل عند رسول الله (ص) فقال رسول الله (ص): كيف عقله؟ قالوا: يا رسول الله نخبرك عن اجتهاده في العبادة وأصناف الخير، وتسألنا عن عقله؟ فقال: {إن الأحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر، وإنما يرتفع العباد غداً في الدرجات، وينالون الزلفى من ربهم على قدر عقولهم}. وقوله: {إن الرجل ليكون من أهل الجهاد، ومن أهل الصلاة والصيام، وممن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وما يجزى يوم القيامة إلا على قدر عقله}. وكذلك ما أشار إليه الإمام محمد الباقر عليه السلام، في معرض ذكره للحديث القدسي الشريف، عن الله تعالى، إنه أوحى الى موسى عليه السلام: {أنا أآخذ عبادي على قدر ما أعطيهم من العقل}. وقوله عليه السلام: {إنما يداق الله العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا}.

ولأولوية العقل، فإن الله تعالى أوجب على الإنسان، أن يؤمن بالعقيدة عن عقل وليس عن تقليد، ولذلك حرم الله تعالى الإيمان بإصول الدين وهي، التوحيد والنبوة والمعاد، بالإضافة الى العدل والإمامة، بالتقليد، وإنما فرض الإيمان والاعتقاد بها بالعقل فقط.

والآن، لنعرف ما الذي يترتب على العقل؟ اي ما هي فائدة العقل، لا زال هو المحور؟.

أولاً: سرد التاريخ وقصص الامم الماضية للعاقل، فلا يستفيد منه الجاهل {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ* إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد} و {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.

ثانيا: الايات للعاقل، اما الجاهل فلا تفيده في شيء {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الأَلْبَابِ} و {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ}.

ثالثا: وعي القرآن بالعقل:{كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}.

رابعا: العبادة بالعقل وليس بالجهل:{أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}.

خامسا: الانتاج في الحياة بالعقل {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الأَلْبَابِ}.

سادسا: القانون والنظام للعقلاء {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ* كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} و{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.

سابعا: الدين والانذار والاخرة (حسن العاقبة) للعقلاء {قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ* وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}.

ثامنا: وان افضل الحديث من العقلاء وللعقلاء {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}.

تاسعا: الحكمة، التي تعني وضع الشيء في موضعه بالتدقيق في الزمان والمكان، للعقلاء {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ}.

عاشرا: الوحدة بالعقل، اما الجاهل فيفرق الامة {لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لّا يَعْقِلُونَ}.

حادي عشر: سوء الخلق بانعدام العقل {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ}.

ثاني عشر: حسن الاختيار والتمييز بين الحق والباطل وبين الحسن والاحسن، بالعقل {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ* هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الأَلْبَابِ}.

ثالث عشر: التقليد والتحجر ورفض التطور في الفكر والرؤية سببه انعدام العقل {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ}.

رابع عشر: التقوى بالعقل {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}.

إذن، العقل اولا، ثم كل شيء آخر، فاذا غاب عن الحياة تحول الدين، مثلا، الى خطر عظيم يشرعن القتل والذبح والتدمير والتكفير والغاء الاخر وثقافة التمييز ويزرع الكراهية والتفرقة، ويحث على الجهل والتخلف والعبودية، وينشر ثقافة العصبية التي تعتمد مبدا احتكار الحقيقة، وهذا ما نراه شائعا اليوم في مجتمعاتنا.

العقل، اذن، هو المحور، فهل هو كذلك اليوم على ارض الواقع؟.

بمرور سريع على الحال التي نمر بها، لا يبدو اننا اتخذنا من العقل محورا في حياتنا، فهو اما غائب او مغيب او تقوده العاطفة او يسيره الدين المؤطر بمصالحنا الذاتية واجنداتنا السياسية الآنية، بعد ان تحول بالنسبة لكثيرين الى تجارة لتضليل البسطاء من اجل السيطرة على عقولهم وخيراتهم.

إننا نقرأ الدين بلا عقل، ونقرأ التاريخ والقرآن الكريم بلا عقل، كما أننا نقرأ النصوص، ونطالع الكتب، ونتلقى الفتوى، ونستمع الى المحاضر، نفعل كل ذلك بلا عقل، وكأننا منحنا عقولنا إجازة مفتوحة، وتركنا الآخرين يفكرون بالنيابة عنا، فتحولنا الى أجهزة استنساخ لا تعي ما تقرأ، ولا تفهم ما تسمع، ولا تستوعب ما ترى، حتى بات حالنا، كما وصفته الآية الكريمة: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} فندعي الدين ولا دين لنا.

ولاننا كذلك، تحولنا الى إمعات، ننفذ بلا وعي وبلا بصيرة، على عكس قول الله تعالى، على لسان رسوله الكريم: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}. أو قول صادق أهل البيت عليهم السلام: {العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا تزيده سرعة السير إلا بعدا}. لماذا؟ لأن امتلاك البصيرة يشترط حضور العقل، فإذا غاب العقل غابت البصيرة، وإن من يغيب العقل، وهو يقرأ النص أو يستمع الى متحدث أو يطلع على فتوى أو يطالع كتاباً أو تفسيراً، إنما هو يغيب البصيرة، فالأخيرة ليست نتاج القراءة أو المطالعة أو الاستماع بلا عقل، أبداً.

لماذا سيطر الفكر التكفيري اليوم على الساحة؟ ولماذا تسلط علينا فقهاء البلاطات الحاكمة الذين يصدرون فتاواهم تحت طلب الحاكم الجائر؟ لماذا سيطرت على عقولنا ثقافة المنامات والخرافات؟ لماذا قادنا علماء السوء من جهلة وفساق وعملاء وانصاف العلماء؟ لماذا وظف المشبوهون دماءنا وارواحنا ومعاناتنا وخيراتنا وبلداننا لتحقيق سياسات مشبوهة راحت تدمر البلدان وتقتل الانفس وتزهق الارواح؟ لماذا قادنا المتطرفون اقتياد الشاة الى مسالخها؟ لماذا {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}؟.

الجواب، وبكل بساطة، لأننا غيبنا العقل من حياتنا اليومية، عندما تصورنا أن الدين يعوض عنه، أو أن النص أو الفقيه أو الخطيب أو المفتي أو التاريخ أو السلف، يمكن أن يكون كل ذلك بديلاً عنه، فسقطنا في الفتنة، ونحن نظن إننا خرجنا منها أو ابتعدنا عنها، وشعارنا (اعصبها براس العالم واخرج منها سالما).

إن تغييب العقل ينتج التقليد الاعمى الذي بدوره ينتج عبادة الشخصية، والتي تنتج بدورها عملية صناعة الطاغوت، والتي تفننا بها ايما فن، وتميزنا بها ايما تميز، والا لماذا لم تنتج شعوب الغرب طغاة مثلنا؟.

لقد غيبنا العقل حتى بتنا اضحوكة في هذا العالم، غيبناه فقادتنا فتاوى مضحكة وخطب مهزلة وكلام مسخرة واجوبة على استفتاءات ما انزل الله بها من سلطان، غيبناه فتحولت حياتنا كلها الى خصومة في خصومة، نتخاصم مع ذباب وجوهنا اذا لم نجد من نخاصمه، وصدق الامام جعفر بن محمد الصادق (ع) الذي يقول {اياكم والخصومة، فانها تشغل القلب، وتورث النفاق، ومن زرع العداوة حصد ما بذر، ومن لم يملك غضبه لم يملك عقله} فانظروا كيف غلب غضبنا عقولنا؟ غيبناه فتحولنا الى جيش من الجهلة والاميين، اذا من اخلاقنا، على حد وصف الامام الصادق (ع) {من اخلاق الجاهل، الاجابة قبل ان يسمع، والمعارضة قبل ان يفهم، والحكم بما لا يعلم} لماذا؟ لانه {لا عدو اضر من الجهل} على حد قوله (ع).

إن العقل هو حاضر ومستقبل، ليس فيه ماض، الامر الذي يميزه عن الدين الذي هو ماض وحاضر ومستقبل، بمعنى آخر فان المرء يحتاج عقله لحاضر افضل ومستقبل احسن، كيف؟.

ان العقل يهدي للتي هي اقوم بالتاكيد وبالشروط التالية وهي: ان لا يقدم عليه صاحبه شيئا، ليكون هو القائد ابدا، وان لا تقوده العاطفة او المصالح الضيقة، وان يتم تنشيطه باستمرار سواء بالنص او بعبر التاريخ او بالفكر الجديد، من اجل ان لا يركن الى السبات او الخلود، وان يفكر بتجرد وموضوعية بلا انانية، وان يقدم الصالح العام على الصالح الخاص، حتى الصالح الخاص المشروع يلزم ان ياتي في اطار الصالح العام، من اجل ان لا نفقد احد اثنين، الفرد والمجتمع، على حساب الاخر.

عندها يمكن ان يكون العقل من اجل حاضر افضل ومستقبل احسن، وذلك من خلال:

الف: بناء الشخصية، باء: بناء المجتمع، جيم: صناعة مقومات الحماية سواء من الجهل او الاستبداد او فتاوى التكفير والقتل او ما اشبه.

إن تحسين الاداء في الحاضر، من اجل مستقبل افضل، يعتمد على العقل اولا واخيرا، من خلال:

اولا: توظيفه في عملية الاختيار، فالعقل هو الوحيد القادر على ان يمحص الامور ليختار الافضل والاحسن، فمثلا، في القران الكريم كل شيئ وعلى كل الاصعدة، فمن الذي يختار من بين هذا الكم؟ انه العقل بكل تاكيد في اطار الحاجة الزمكانية، وكذلك، ففي التاريخ الكثير من العبر والتجارب والخبرات، فمن الذي يختار من بين كل هذا الكم ما يفيده في حياته اليومية؟ بعيدا عن الترف الفكري؟ انه العقل بكل تاكيد.

لنضرب بسيرة ائمة اهل البيت (ع) مثلا في ذلك، فكلنا نعرف بان سيرتهم متعددة الادوار الا ان الهدف واحد لا غير، فمن الذي يختار من بين هذه الادوار الدور المناسب لهذه المرحلة او تلك؟ انه العقل بلا شك، فهو الذي يختار من بين عدة خيارات، فاذا غيبنا العقل تهنا في زحمة الخيارات ولم ننتفع بشيء.

ثانيا: تحديد الاولويات، الفكرية منها والعملية، فيقدم ويؤخر حسب حاجة الزمان والمكان، ولا يحقق المرء ذلك الا بالعقل، فهو القادر على تحديدها، فيقدم امرا ويؤخر آخر، فاذا غاب العقل اختلطت الاولويات، وضاعت الاستراتيجيات وتشابكت علينا ملايين التكتيكات التي تضيع الجهود والزمن والثمار.

ثالثا: العقلانية، والتي تعني الاختيار بين واجبين مثلا، او بين مستحبين، ولذلك قال امير المؤمنين عليه السلام {ليس العاقل من يعرف الخير من الشر، ولكن العاقل من يعرف خير الشرين} فمثلا، لقد منح الله تعالى الحق لذوي القتيل بالقصاص، وفي نفس الوقت شرع العفو، فمتى يختار ذوو القتيل القصاص ومتى يختارون العفو؟ ومن الذي يساعدهم على حسن الاختيار في اطار عقلانية موضوعية ليس فيها ضرر ولا ضرار؟ انه العقل فقط الذي يساعدهم على اختيار عقلاني متوازن لا يضر بالفرد ولا يضر بالمجتمع، انه اختيار صعب وفي نفس الوقت فانه اختبار للعقلانية، فلا القصاص، وهو حلال، نافع دائما وفي كل الظروف، ولا العفو، وهو جائز كذلك وممدوح، نافع ومفيد في كل الظروف.

وهكذا بالنسبة للكثير من القيم والمفاهيم، كالعدل والاحسان، وهما خلقان من خلق الله تعالى، فمتى نختار هذا ومتى نختار ذاك؟ انه العقل الذي يساعدنا على حسن الاختيار في اطار العقلانية، فلولاه لاخترنا الخيار الصائب في الوقت الخطا، او ربما جاز لنا ان نقول اننا سنختار الخيار الخاطئ في الوقت الخطا.

لقد قال احد الحكماء (حتى الشيطان يجد ضالته في الكتاب المقدس) لان في النص تبيان لكل شيئ، فلكل امرئ حاجة فيه وحجة، هذا، اذا ما غاب العقل او غيب لسبب من الاسباب، لذلك نرى مثلا ان الخوارج قاتلوا الامام امير المؤمنين عليه السلام بالقران، وان الامام قاتلهم بالقران كذلك، وعلى مر التاريخ فان الكل كفر الكل بالقران، وان كل (خلفاء المسلمين) حكموا بالشرعية بعد أن وجد لهم فقهاء البلاطات ما يبرر لهم ذلك في القران، فالقاتل والمقتول والمنحرف واللص وشارب الخمر والمنتهك لاعراض الناس والذي يلعب بالقرود وترقص بين يديه الغواني والحريم والغلمان، هؤلاء كلهم (خلفاء) حكموا بالشرعية بنص قرآني، لا يجوز لاحد ان ينتقدهم، بل انهم تحولوا اليوم لدى الكثير من الناس الى مصدر للشرعية، لاصدار الاحكام في القضايا السياسية والادارية وفي ممارسة الحكم والسلطة.

لقد حدث هذا عندما غيبت الامة عقلها، فتحولت الى امعة تسير خلف الحاكم وفقيهه بلا وعي وادراك وتمييز وارادة، وان ما يجري اليوم هو استنساخ للماضي وللاسف الشديد، فنرى مثلا ان فقيها معتوها مخرفا كشيخ موزه وفقيهها، يتلاعب بمقدرات الامة بلا وازع من ضمير، من دون إن يساله احد او ينتقده او يستفسر منه او يحاسبه او ياخذ على يديه، يصدر فتاواه المتناقضة بالجملة بلا رقيب.

وبصراحة اقول: فلو بقي العقل مغيبا فترة اخرى من الزمن، لتحولت بلداننا الى مسالخ للبشر، والى خربات ينعق فيها الغربان، اذ لا يبدو في الافق اي حل لحد الان، كما ان النفق مظلم كله، ليس فيه اي بصيص من نور في نهايته، وبالعقل وحده يمكن ان نفيق من هذه الماساة.

وان العقل الذي يمكنه ان ينقذنا هو العقل الذي يتميز بما يلي:

أولاً: لا يتوقف عند التاريخ ولا يقدس الماضي ولا يستنسخ تفسير السلف، لا لنص ولا لحدث.

ثانيا: يستفيد من التاريخ كدروس وعبر فقط، فلا يتعامل معه كشرعة للحاضر الا بعد ان يغربله بعقله، فلا يستنسخه استنساخا.

ثالثا: يطور فهمه للماضي بما يخدم حاضره ومستقبله، فلا يأسر نفسه في سجن الماضي او يقولبها بقالبه.

رابعاً: لا يتعصب ولا يتطرف، بل يتميز بالتوازن والعقلانية والوسطية.

خامساً: ان يلغي من قاموسه ثقافة الانتماء الى السلف او ما يسمى بـ (السلفية) فـ {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} اما ان نرد على كل من سألنا عن علة هذا الاختيار او ذاك بالقول {حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} و {إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} فان الحياة لا تستقيم بمثل هذه العقلية الخرافية المتحجرة والظلامية التي تنتمي الى الماضي ابدا.

ليس كل ما شهده الماضي يمكن ان يكون مفيدا لحاضرنا، وليس كل ما كتبه السلف او عمل به او فهمه من كتاب الله تعالى او من سيرة الرسول الكريم (ص) يمكن ان ننتفع به اليوم، انها قراءات قديمة يمكن تحديثها وتطويرها بما ينسجم والواقع، فهي ليست قوالب ثابتة وجامدة ابدا.

علينا ان نهتم بما يشغلنا اليوم وبهمومنا وما نحتاجه، وليكن التاريخ معينا لنا على ذلك لا بديلا عنه.

إن تحول التاريخ الى سقف في الوعي والفهم والاستنباط يضر بنا اكثر مما ينفعنا، لانه سيحجر عقولنا.

إن سر عظمة الإسلام هو أنه يعتمد العقل، فإذا غاب العقل غاب الإسلام، وكذلك القرآن الكريم، فإذا غاب العقل غاب الأخير، وهذا يتطلب منا أن نتعامل مع السلف كبشر أصابوا وأخطؤوا، وإنهم أخذوا من الدين والقرآن ما نفعهم، في ظل حاجتهم الزمكانية، وإن علينا أن نأخذ منهما ما ينفعنا، كذلك في ظل الزمكانية التي يحترمها الإسلام أيما احترام، وإلا لما كنا مسلمين اليوم، لأنه لن يكون ديناً خاتماً وخالداً من دون ذلك.

* ملخص المحاضرة التي ألقيت في مركز الإمام علي عليه السلام في العاصمة الأميركية واشنطن بتاريخ السبت (24) آب 2013

28/شوال/1434