إضاءات عملية من الصحيفة السجادية (3)


من شرائط الإجابة

 

موقع الإمام الشيرازي

        مما لا شك فيه أن الدعاء والضراعة إلى الله عزّ وجلّ تقوي روح الإنسان، فإن طلب المعونة من القوة الإلهية، تعين في قضاء الحوائج، وتسهيل أمور الدين والدنيا، وغفران الذنوب بعد الموت في الآخرة.

يقول المفكر المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي قدس سره: ربما يخطر في ذهن البعض السؤال التالي: إذا شاءت إرادة الله شفاء المريض مثلاً، فعندئذ لا حاجة إلى الدعاء، وإذا لم تشأ الإرادة الإلهية ذلك فلا أثر للدعاء حينئذ، فما هي فلسفة الدعاء؟

ويجيب (قده) عن ذلك: بأن المسألة لا تنحصر في الحالتين المذكورتين، بل قد تتعلق إرادة الله تعالى بواحدة من الحالات أدناه.. فمثلاً بالنسبة إلى المريض:

1ـ أحياناً تشاء إرادة الله تعالى شفاء المريض من دون دعاء.

2ـ وأحياناً تشاء إرادة الله تعالى بحيث إذا دعا المريض تحسنت حالته وشوفي، وإذا لم يدع لا يشفى.

3ـ أحياناً تشاء إرادة الله تعالى عدم شفاء المريض حتى بالدعاء، وذلك لمصلحة يراها الباري عزّ وجلّ.

يقول الإمام الصادق عليه السلام: «إن الدعاء يرد القضاء، وقد نزل من السماء وأبرم إبراما».

وقال الراوي: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: «إن الدعاء يرد ما قد قدّر وما لم يقدّر» قلت: وما قد قدر عرفته، فما لم يقدر؟ قال: «حتى لا يكون».

وقال الإمام علي بن الحسين عليه السلام: «الدعاء يدفع البلاء النازل وما لم ينزل».

وقال الإمام الكاظم عليه السلام: «عليكم بالدعاء، فإن الدعاء والطلب إلى الله عزّ وجلّ، يردّ البلاء، وقد قدّر وقضي ولم يبق إلا إمضاؤه، فإذا دعي الله وسُئل صرف البلاء صرفاً».

وقال أبو عبد الله عليه السلام: «إن الله عزّ وجلّ ليدفع بالدعاء الأمر الذي علمه أن يدعى له فيستجيب، ولولا ما وفق العبد من ذلك الدعاء لأصابه منه ما يجثه من جديد الأرض».

وعن علاء بن كامل قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: «عليك بالدعاء فإنه شفاء من كل داء».

وبذلك، تتبين أهمية الدعاء وطلب المعونة من الباري عزّ وجلّ الذي قال في محكم كتابه الكريم: ((وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)). وقال سبحانه: ((قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ)).

 

لماذا لا يستجاب الدعاء؟

كثير من الناس يسأل: لماذا لا يستجاب الدعاء؟

ويجيب المفكر المجدد الشيرازي قدس سره:

لماذا لا ينفع الدواء؟ وهذا جواب نقضي حسب الاصطلاح، والحلي: إن الله سبحانه جعل للأمراض الدواء، وجعل لبعض الأمراض والمقاصد الدعاء، وكل واحد منهما في الجملة، لا على نحو الكلية، إذ الأمر دائر بين الثلاث:

الأول: عدم الجعل مطلقا.

والثاني: الجعل مطلقا.

والثالث: الجعل في الجملة.

فالأول لا صحة له، لأنه نقص في الخلقة، فكل شيء قابل للخلقة وليس فيه محذور وجب أن يخلق، لأنه مقتضى الفياضية المطلقة منه سبحانه.

والثاني: لا صحة له، وإلا لزم خلاف الحكمة، إذ بذلك تتغير الدنيا عن كونها دنيا هكذا، بل تكون جنة، والمفروض أن الدنيا بهذه الكيفية نوع من الخلقة التي تتطلب الخلق بلسان الواقع، والفياض يخلق كل شيء فيه الحكمة بأن لم يكن فيه محذور.

فيبقى الثالث.

فلا يقال: ما أكثر ما يشفي الدواء؟

لأنه يقال: وما أكثر ما استجيب الدعاء، فإن أحدنا يذكر أنه دعا للدين، والفقر، والمرض، والولد، والعدو، وألف شيء وشيء واستجيب، نعم لا يستجاب الكل.

كما استعمل الدواء لعشرات الأمراض وشوفي، نعم ليس كل مرض يعالج بالدواء، وإلا لم يكن هناك مرض وموت وهرم وعقم ونقص خلقة وغيرها.

فالدعاء من الأسباب الكونية المعنوية، كالدواء، لا يصيب كله ولا يخيب كله، كسائر الأسباب والمسببات التي ليست علة تامة، وإنما لها شرائط وموانع ومعدات وقواطع، إلى غير ذلك.

فقوله سبحانه: ((ادعوني استجب لكم)) من باب المقتضي لا من باب العلة التامة.

ويقول سماحة المرجع السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله): (قد يجري الإنسان ألفاظ الدعاء على لسانه فقط، فيكون دعاؤه سطحياً، وقد ينطلق الدعاء من أعماقه، وهذا أفضل من الأول بلاشك، ولكنه أيضاً لا يكفي، بل لا بد أن يكون إلى جانب الدعاء والخشوع، سعي من قبل الإنسان نفسه لتحصيل ما يطلب من الله ،مستفيداً مما أعدّه الله سبحانه وتعالى للعباد، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر).

بيّن رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته الأطهار عليهم السلام، في رواياتهم وسيرتهم العملية، أسلوب الدعاء وشروطه، وما يوجب الاستجابة وموانعها.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «خير وقت دعوتم الله عزّ وجلّ فيه الأسحار، وتلا هذه الآية في قول يعقوب عليه السلام: ((سوف أستغفر لكم ربي)) وقال: (أخرهم إلى السحر).

وقال أمير المؤمنين عليه السلام: «اغتنموا الدعاء عند أربع، عند قراءة القرآن، وعند الأذان، وعند نزول الغيث، وعند التقاء الصفين للشهادة».

وعن أبي جعفر عليه السلام قال: «إن الله عزّ وجلّ يحب من عباده المؤمنين كل عبد دَعّاء، فعليكم بالدعاء في السحر إلى طلوع الشمس، فإنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، وتقسم فيها الأرزاق، وتقضى فيها الحوائج العظام».

وقال أبو عبد الله عليه السلام: «اطلبوا الدعاء في أربع ساعات، عند هبوب الرياح، وزوال الأفياء، ونزول القطر، وأول قطرة من دم القتيل المؤمن، فإن أبواب السماء تفتح عند هذه الأشياء».

وقال أبو عبد الله عليه السلام: «يستجاب الدعاء في أربعة مواطن، في الوتر، وبعد الفجر، وبعد الظهر، وبعد المغرب».

وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إذا رق أحدكم فليدع، فإن القلب لا يرق حتى يخلص».

وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إذا اقشعر جلدك، ودمعت عيناك، ووجل قلبك، فدونك دونك فقد قصد قصدك».

وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: «كان أبي إذا طلب الحاجة، طلبها عند زوال الشمس، فإذا أراد ذلك، قدم شيئا فتصدق به، وشم شيئا من طيب وراح إلى المسجد، ودعا في حاجته بما شاء الله».

وقال أبو عبد الله عليه السلام: «إياكم إذا أراد أحدكم أن يسأل من ربه شيئاً من حوائج الدنيا والآخرة، حتى يبدأ بالثناء على الله عزّ وجلّ والمدح له، والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله، ثم يسأل الله حوائجه».

يقول المفكر المجدد الشيرازي قدس سره: (بعض أدعية الإنسان تستجاب، أمّا ما لا يستجاب فهو لأحد أمرين, الأول, أنه يدعو في غير دائرة الدعاء، الثاني، إن الشرائط غير متوفرة، وإن الدعاء من باب المقتضى لا من باب العلّة التامة، فإذا لم يستجب لنا بعض أدعيتنا، لم يكن معنى ذلك، أن أدعيتنا كلّها لا تستجاب، إنما في هذه الموارد الخاصة لم يستجب الدّعاء، لعدم وجود العلّة التامة، أو لوجود المانع عن تأثير العلّة).

 

شروط الدعاء

يقول الإمام الصادق عليه السلام: «احفظ آداب الدّعاء، فإن لم تأت بشرط الدّعاء فلا تنتظر الإجابة».

وشروط الدعاء:

1 ـ المعرفة: الإمام الكاظم عليه السلام: «قال قوم للإمام الصادق: مالنا ندعو فلا يستجاب لنا؟ قال: لأنكم تدعون من لا تعرفونه».

2 ـ العمل بما تقتضيه المعرفة: عن الإمام الصادق في جواب السؤال السابق أيضاً: لأنكم لا تفون لله بعهده، وإنّ الله يقول: {أوفوا بعهدي أوف بعهدكم} والله لو وفّيتم لله لوفي لكم).

3 ـ طيب المكسب: رسول الله صلى الله عليه وآله: «أطب كسبك تستجاب دعوتك، فإن الرجل يرفع اللقمة إلى فيه حراماً، فما تستجاب له دعوة أربعين يوماً».

4 ـ حضور القلب ورقته عند الدعاء: رسول الله صلى الله عليه وآله: «لا يقبل الله عزّوجلّ دعاء قلب ساه» ـ وسئل النبي صلى الله عليه وآله عن اسم الله الأعظم؟ فقال: «كلّ اسم من أسماء الله أعظم، ففرّغ قلبك من كلّ ما سواه وإدعه بأي اسم شئت».

5 ـ أن لا يعلّم الله ما يصلحه: رسول الله صلى الله عليه وآله: قال الله تعالى: «يا بن آدم أطعني فيما أمرتك ولا تعلمني ما يصلحك».

6 ـ أن يعلم طرق نجاته وهلاكه: في الحديث الشريف: «اعرف طرق نجاتك وهلاكك كيلا تدعو الله بشيء فيه هلاكك وأنت تظن فيه نجاتك، قال الله عز وجل: {وَيَدْعُ الإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الإِنْسانُ عَجُولاً} (سورة الإسراء /11)».

كما ورد في الحديث القدسي قول الله تعالى: «يا ابن آدم، تسألني فأمنعك لعلمي بما ينفعك، ثم تلحّ عليّ بالمسألة فأعطيك ما سألت فتستعين به على معصيتي، فأهم بهتك سترك، فتدعوني فأستر عليك، فكم من جميل أصنع، وكم من قبيح تصنع معي».

7 – الورع: الصفات الرذيلة مانع من استجابة الدعاء، حيث لا تدع الدعاء يرتفع إلى أعلى.

 

أدعيتهم .. منهج اقتداء

يقول المفكر المجدد الشيرازي قدس سره:

إن سيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وأهل بيته الأطهار عليهم السلام وتعاملهم مع الناس، هي المثل الأعلى في كافة ميادين الحياة الاجتماعية، فإنهم القدوة في حبهم وعطفهم، وفي رأفتهم حتى بعدوهم، وفي أخلاقهم وحسن معاشرتهم، وقد جعلهم الله تعالى الأسوة الحسنة، حيث أمرنا جل جلاله باتباعهم والسير على هداهم، فقال عز من قائل: ((لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كانوا يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا)). إذن فمن أراد الله والنجاة في يوم القيامة، فعليه باتخاذ هؤلاء الأطهار (عليهم السلام) قدوة ومثلاً أعلى له في الحياة الدنيا، وذلك لأنهم سفن النجاة التي من ركبها نجى ومن تخلف عنها غرق وهوى.

ويقول المرجع الشيرازي دام ظله:

ليس كل من كان قريباً من النور يمكن أن يستفيد منه، ما لم يكن أهلاً للاستفادة، كما هو الحال في القريب من البحر الفرات، فإمّا أن ينهل من درره وعطاياه ويرتوي من عذب مائه أو يغرق فيه ويكون من الهالكين، وهكذا هو الحال فيمن كانوا قريبين من أهل البيت سلام الله عليهم والذين عاشوا في عصرهم، حيث قُيّض لكثير منهم أن غنم وفاز في الدارين، حتى جاء في بعضهم المدح والدعاء عن المعصوم، بينما تاه البعض الآخر في ضلالته وتردّى في غوايته رغم أنه كان قريباً من المعصوم أو معاصراً له، ونحن اليوم عندما نقرأ أدعيتهم عليهم السلام ونستلهم العبر من أقوالهم، فهذا يعني أنّنا قريبون منهم، وإن كنّا لا نرى أشخاصهم ونعيش في غير عصرهم، أمّا من لم يطّلع على أدعيتهم ولم ينهل من معين علومهم، فليس بمستوى أن يوفّق إلى الخير لأنه لم يتعرّف عليهم ولم يعرف قدرهم وعظمتهم التي يقصر البيان عن وصفها.

 

إضاءة

هنيئاً للقلب المفتوح في بحار أنوار الله. {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربّه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله} (الزمر/22). فإن القلب المفتوح يدخل إليه نور الله. وأما  القلب الأسود الذي قد أغلقت الرذيلة بابه، وإن كان نور الله منتشراً في كل مكان، ورحمة الله في كل مكان، فإن الرحمة لا تدخل إلى القلب المغلق. وهذا ليس قصوراً في رحمة الله، بل بسبب تقصير أصحاب القلوب المغلقة.

إفتح باب قلبك، فإن رحمة الله ستدخلها، وحينئذ تدعو فيستجاب لك...

نظّف قلبك من الذنب بالتوبة، وأعدّ قلبك ليكون من بيوت الله، وهيّأه لاستقبال النور، حينها سيكون دعاءه مستجاباً، والله اللطيف بعباده، وهو الواسع الكريم.      

12/ربيع الآخر/1435