إضاءات عملية من الصحيفة السجادية (4)


 

التسبيح عند الإمام السجاد سلام الله عليه

 

موقع الإمام الشيرازي

 

إن حياة الإمام زين العابدين (عليه السلام) وسيرته الطاهرة، مليئة بمكارم الأخلاق، وهي تشكل قسماً مهماً من بحر فضائله ومكارمه، فكان الإمام خير دليل وأسوة للإنسان الصالح، وأفضل نموذج لكل البشرية في طريق الخير والسعادة في الدنيا والآخرة.

 الإمام الشيرازي الراحل

                                                 -----------------------------------------

 

قال الله (عز وجل) في كتابه المبين (القرآن الكريم):

{تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً}([1]).

وييسبح الإمام علي زين العابدين (عليه السلام) مع السموات السبع والأرض ومن فيهن بحمد ربِّه قائلاً (عليه السلام):

(سبحانك اللهم وتعاليت. سبحانك من عظيم ما أعظمك...

سبحانك تسمع أنفاس الحيتان في قعور البحار..

سبحانك تعلم وزن السموات. سبحانك تعلم وزن الأرضين.

سبحانك تعلم وزن الشمس والقمر.

سبحانك تعلم وزن الظلمة والنور.

سبحانك تعلم وزن الهواء.

سبحانك تعلم وزن الريح كم هي من مثقال ذرة.

سبحانك قدوس قدوس قدوس.

سبحانك عجباً من عرفك كيف لا يخافك؟!

سبحانك اللهم وبحمدك.

سبحانه اللهم لا إله إلا أنت العلي العظيم).

المعنى اللغوي التسبيح

التسبيح مصدر سبَّح إذا قال سبحان الله، والتنزيه يقال: سبَّحتَ الله إذا نزَّهتهَ، عما يقول الجاحدون أي أَبْعدتَ عنه ما يقوله الجاحدون. ويكون بمعنى الذكر، يقال: فلان يسبح الله، أي يذكره بأسمائه نحو سبحان الله.

وبمعنى الصلاة: وهو يسبح أي: يصلي، ومنه {فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ}([2]). أي المصلين. وفيه إشارة إلى قوله تعالى: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ}([3]).

قال المفسرون: أي ينزهونه في جميع الأوقات ويعظمونه ويمجدونه دائماً، لا يلحقهم فتور ولا كلل.

تسبح الكائنات

تذكر الآيات القرآنية المختلفة تسبيح وحمد جميع موجودات عالم الوجود لله تعالى، وإن أكثر الآيات صراحة بهذا الخصوص، هي الآية التي ذكرت في أول هذا البحث (الإسراء/44) والتي تذكر لنا (بدون استثناء)، أن جميع الموجودات في العالم، والأرض والسموات، والنجوم والفضاء، الأناس والحيوانات، وعالم النبات وحتى الذرات الصغيرة، تشترك جميعاً في هذا التسبيح والحمد العام.

وهناك كلام كثير بين العلماء والمفسرين حول تفسير حقيقة هذا الحمد والتسبيح، فبعضهم اعتبر الحمد والتسبيح (حالاً)، والبعض الآخر (قولاً)، أما خلاصة أقوالهم فهي:

1ـ البعض يعتقد أن جميع ذرات الوجود في هذا العالم لها نوع واحد من الإدراك والشعور، سواء أكانت هذه الموجودات عاقلة أو غير عاقلة. وهي تقوم بالتسبيح والحمد في نطاق عالمها الخاص، بالرغم من أننا لا نستطيع إدراك ذلك أو الإحساس بهذا الحمد والتسبيح وسماعه.

2ـ الكثير يعتقد أن هذا التسبيح والحمد، هو على شاكلة ما نسميه بـ(لسان الحال)، وهو حقيقي غير مجازي، إلا أنه بلسان الحال وليس القول.

ولتوضيح ذلك نقول: قد يحدث أن نشاهد آثار عدم الارتياح والألم، وعدم النوم في وجه أو عيني شخصٍ ما، ونقول له: بالرغم من أنك لم تتحدث عن شيء من هذا القبيل، إلا أن عينيك تقول بأنك لم تنم الليلة الماضية، ووجهك يؤكد بأنك غير مرتاح ومتألم! وقد يكون لسان الحال حتى من الوضوح بدرجة، بحيث أنه يغطي على لسان القول، إذ يظهر حقيقة الحال لو حاول التستر عليها قولاً.

وهذا هو المعنى الذي صرح به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (سلام الله عليه) بقوله:

(ما أضمر أحد شيئاً إلا ظهر في فلتات لسان وصفحات وجهه)([4]).

من جانب آخر هل يمكن التصديق بأن لوحة فنية جميلة للغاية تدل على ذوق ومهارة رسَّامها، لا تمدحه أو تثني عليه؟ ثم هل يمكن أن ننكر أن بناءً عظيماً أو مصنعاً كبيراً أو عقولاً إلكترونية معقدة أو أمثالها، أنها تمدح صانعها ومبتكرها بلسان حالها غير الناطق؟

لذا يجب التصديق والتسليم بأن عالم الوجود العجيب ذا الأسرار المتعددة أو العظيمة الكبيرة، والجزئيات المحيرة، يقوم بتسبيح وحمد الخالق عز وجل. وإلا فهل التسبيح سوى التنزيه عن جميع العيوب؟فنظام عالم الوجود ناطق بأن خالقه ليس فيه أي نقص أو عيب، ثم هل (الحمد) سوى بيان الصفات الكمالية؟ فنظام الخلد والوجود كله يتحدث عن الصفات الكمالية للخالق وعن علمه وقدرته اللامتناهية وحكمته الواسعة. خاصة وأن تقدم العلوم البشرية وانكشاف الغطاء عن بعض أسرار وخفايا هذا العالم الواسع، توضح هذا الحمد والتسبيح العام بصورة أجلى. فاليوم مثلاً ألَّف علماء النبات المؤلفات العديدة عن أوراق الأشجار، وخلايا هذه الأوراق، والطبقات السبع الداخلية في تكوينها، والجهاز التنفسي لها، وطريقة التغذية وسائر الأمور الأخرى التي تتصل بهذا العالم.

لذلك، فإن كل ورقة توحد الله ليلاً ونهاراً، وينتشر صوت تسبيحها في البساتين والغابات، وفوق الجبال وفي الوديان، إلا أن الجهلاء لا يفقهون ذلك، ويعتبرونها جامدة لا تنطق([5]).

ولا داعي هنا للخوض في اختلاف المفسرين المسلمين حول تفسير كيفية تسبيح المخلوقات هل هو بـ(لسان الحال) أم بـ(القول) أم بكليهما معاً.

فإن ما نعلمه من أسرار وخفايا العالم في مقابل ما لا نعلمه كالقطرة في قبال البحر، وكالذرة في قبال الجبال العظيمة.. إننا في الواقع لا نستطيع أن نسمع تسبيح وحمد هذه الموجودات الكونية مهما أوتينا من العلم، لأن ما نسمعه هو كلمة واحدة فقط من هذا الكتاب العظيم!!

وعلى هذا الأساس تستطيع الآية الكريمة أن تخاطب العالم بأجمعه وتقول لهم: إنكم لا تفقهون تسبيح وحمد الموجودات بلسان حالها، أما الشيء الذي تفقهوه فهو لا يساوي شيئاً بالنسبة إلى ما تجهلون.

وقد روي عن الإمام محمد الباقر (عليه السلام) أنه قال: (نهى رسول الله أن توسم البهائم في وجوهها، وأن تضرب وجوهها لأنها تسبح بحمد ربها)([6]).

وفي حديث آخر عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (للدابة على صاحبها ستة حقوق: لا يحملها فوق طاقتها، ولا يتخذ ظهرها مجلساً يتحدث عليها، ويبدأ بعلفها إذا نزل، ولا يسمها في وجهها، ولا يضربها فإنها تسبح، ويعرض عليها الماء إذا مر بها([7]).

 

سبحانك تعلم

لم يكن لأحد، في عصر الإمام السجاد (عليه السلام) الذي مضى عليه أكثر من ثلاثة عشر قرناً، أن يفقه ما عناه الإمام في تسبيحه الذي يقول فيه: (سبحانك تعلم وزن الظلمة والنور). حيث لم يكن أحد يستوعب في ذلك الزمان أن للظلمة والنور وزن. ومضت الأجيال على هذا الاعتقاد، حتى ظهر آينشتاين، وقال بالنظرية النسبية، التي تقول إن أنواع الطاقة كافة من ميكانيكية وحرارية وإشعاعية وكهربائية وذرية ونووية تمتلك كتلة، يعبر عن ذلك بوساطة العلاقة الشهيرة E=MC2، أي أن الطاقة E تساوي الكتلة M بمربع سرعة الضوء C، أو بشكل آخر M=E\C2، أي أن الكتلة تساوي الطاقة مقسومة على مربع سرعة الضوء.

فمثلاً كتلة الطاقة الكهربائية التي تولدها يومياً محطة استطاعتها 1 ميغا واط تعادل غراماً واحداً، أما كتلة الإشعاع الشمسي الذي يصل إلى الأرض في كل ثانية فتساوي اثنين من الكيلو غرامات([8]). وإن هذا يُنحِّي قانون انحفاظ المادة القديم جانباً، ويستبدله بقانون انحفاظ الكتلة الأكثر عمومية والذي يتضمن تلقائياً انحفاظ الطاقة.

فمن أين علم الإمام السجاد (سلام الله عليه) بهذه المعلومة الخطيرة في علم الفيزياء، في ذلك الزمن الغابر، عندما كانت معلومات الإنسان عن علم الفيزياء، خصوصاً في الجزيرة العربية، في أضعف مستوياتها، لو لم يكن إماماً معصوماً يتلقى إلهامه وعلومه عن طريق السماء؟!

أما في مناجاة (الذاكرين) (المناجاة الثالثة عشر)، فيناجي الإمام زين العابدين (عليه السلام) ربه بعبارات رائعة قل نظيرها في تاريخ الأديان والتراث الديني والثقافي الإنساني، فهو (عليه السلام) يقول كلمات تحرك القلوب والعقول باتجاه خالقها ليجعلها تستنير بأنواره الرحمانية، إذ يقول (عليه السلام):

(إلهي بك هامت القلوب الوالهة، وعلى معرفتك جمعت العقول المتباينة، فلا تظمئن القلوب إلا بذكراك، ولا تسكن النفوس إلا عند رؤياك. أنت المسبح في كل مكان، والمعبود في كل زمان.

والموجود في كل أوان.

والمدعو بكل لسان.

والمعظم في كل جنان،

أستغفرك من كل لذة بغير ذكرِك.

ومن كل راحة بغير أنسِك.

ومن كل سرور بغير قربِك.

ومن كل شغل بغير طاعتك.([9]).

كم هي كبيرة خسارة البشرية لعدم تعرفها على هذا الإمام العظيم وعلى بقية الأئمة المعصومين من آل بيت رسول الإسلام صلوات الله عليهم، وكم هي خسارة المسلمين عموماً، وكثير من الشيعة لعدم التزامهم (الفعلي – العملي) بمعارف وسلوكيات هؤلاء الأئمة الأطهار.

كم يوجد في مناجاة الإمام هذه من حثٍ للإنسان ودفع له إلى طريق البحث والكشف المعرفي والعلمي في مخابر هذا الكون اللامتناهي حتى تطمئن نفسه لرؤية الله سبحانه الخالق البارئ المدبر لكل شيء من هذا الوجود الذي نعيش فيه والعوالم الظاهرة والخافية التي تحيط بنا.

إذا رفعنا أعيننا إلى السماء أشتد بنا العجب لكثرة ما نشاهده من النجوم اللامعة، السابحة في هذا الفضاء العريض، السائرة على أنظمة لا تحيد عنها، والناس هنا على الأرض واثقون من دقة حركاتها، ومواقعها، ومواقيت ظهورها ومغيبها فيهتدون بها في ظلمات البر والبحر، أليس ذلك بآية للذين يلتمسون الآيات على أن للكون خالقاً هو الله؟ {أَ فِي اللهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ..؟}([10]).

إننا إذا كنا عاجزين عن أن ندرك الله بحواسنا، أو أن نرسم له صورة بالمخيلة أو العقل، فإننا نصل إلى معرفته بأفعاله، وما الكون وما اشتمل عليه من مخلوقات إلا أفعال الله تعالى، وأثرٌ لقدته، وعلمه، وحكمته.

فإذا كنا لا نستطيع أن نرى العدل، أو الحرية، أو المساواة، ولا أن نتصور لها شكلاً، وإنما ندركها بآثارها، فندرك العدل بالأعمال العادلة، وندرك الحرية بالمواقف المعبرة عنها، وندرك المساواة بالأوضاع الاجتماعية التي تبرز فيها آثارها.

فإذا كنا لا ندرك هذه القيم بوسائلنا في المعرفة الحسية لأنها ليست أشياء مادية، وإنما ندركها بآثارها، فكذلك الذات الإلهية، لا ندرك عز وجل إلا بآثاره، وأفعاله فينا وفي الكون، وقد نبهنا هو سبحانه إلى ذلك، والى أن وسائلنا في المعرفة عاجزة عن إدراكه، فقال تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}([11]).

 

9/جمادى الآخرة/1435


[1] ـ سورة الإسراء/44.

[2] ـ الصافات/ 143.

[3] ـ الأنبياء/20.

[4] ـ نهج البلاغة/الكلمات القصار/رقم/26.

[5] ـ ن.م.ج9، ص12،11.

[6] ـ نور الثقلين ج3، ص168.

[7] ـ من لا يحضره الفقيه: ج2 ص286 باب حق الدابة على صاحبها ح2465.

[8] ـ سلسلة الثقافة المميزة رقم (16): العتمة في الليل: ص204 إدوارد هاريسون.

[9] ـ من مناجاة الذاكرين.

[10] ـ سورة إبراهيم/10.

[11] ـ الأنعام: 103.