البعد الاجتماعي في شخصية وسيرة الإمام موسى الكاظم

في حضرة العبد الصالح باب الحوائج الى الله وذي النفس الزكية


الحلقة الأولى

 

د. هيثم الحلي الحسيني

 

 موقع الإمام الشيرازي       

   لم يكن تلقيبه بباب الحوائج الى الله مصادفة، أو من باب الثناء والإطراء، وإنما هي صفة قد أجمع عليها جمهور علماء المسلمين وفقهاؤهم ومؤرخوهم، في مقاربة شخصيتة، التي قلّ ما يجود بشاكلتها التأريخ، حتى عدّت صفحة خالدة، في سفر التأريخ العربي الإسلامي، وقد لازمته هذه الصفة، في نشأته وسيرته وحياته، وفي الرسالة التي حملها، وإنجازاته العلمية، وأدواره المجتمعية، وحتى بعد إنتقاله الى الرفيق الأعلى، إذ تشرفت حاضرة المسلمين بغداد، بإحتواء جسده الطاهر، ليكون على مر العصور، ترياقاً لأهلها، كما عبر عنه إمام الشافعية، الذي ضاق به المقام فيها، بعد أن فارق المدينة سيدها.

وذلك يستدعي مقاربة تأملية، في بناء هذه الشخصية، وبالذات من حيث الجنبة المجتمعية، والرعوية الإنسانية، التي اختصت بها، بهدف التعريف بأدوار أئمة آل البيت الهداة، الذين يحتاج مجتمعنا في مرحلته الخطيرة، الى الإقتداء بهم، وخاصة النخبة السياسية، أو المتصدين للشأن العام، في الدولة والمجتمع، وستنصرف هذه الحلقة، بجوانب التعريف بشخصية الإمام، وما تميزت به من خصال، أهلته لأداء أدواره ومهامه، خاصة في مجالات التكامل والضمان الإجتماعي، والرعاية المجتمعية والإنسانية.

لقد كان لإئمة آل البيت، بعد الرسول الأعظم، أكبر الأثر في نشر الفضيلة بين صفوف المسلمين، وتربيتهم على المثل الرفيعة، ودعوتهم الى الطريق السوي، وبث مكارم الإخلاق والقيم السامية، وعيا منهم، أن المجتمع الإسلامي الجديد، بات في حاجة ماسة، الى صيانته ومناعته، بعد أن انشغل ولاة الأمر، في أمور الدولة والسياسية، وترصين الحكم والسلطة، فكانت تلك المهمة، قد نهض بها الأئمة، كل في مرحلته وأدواره، في إستجابة للحاجة الفكرية والحضارية الحقيقية، التي قامت عليها العقيدة الإسلامية.

ولقد ورث الإمام موسى الكاظم، عن أبيه الإمام الصادق، أعظم الخصال في العلم والحلم والشجاعة والكرم والإباء، وعزة النفس ومساعدة المحتاج، والصبر على الأذى، فكانت الدار التي ولد ونشأ بها في المدينة المنورة، جامعة كبيرة، تموج بالحكماء وأهل العلم، إذ يجيب والده عن أسئلتهم وإشكالاتهم، دون إلتفات الى نحلهم وأهوائهم، ومذاهبهم العلمية أو الفقهية، وكان بينهم كبار التابعين، الذين لم يدركوا الرسول الأكرم، لكنهم أدركوا أصحابه أو تابعو التابعين، أو الفقهاء المجتهدين، من أمثال مالك والنعمان والسفيانيان ومن في طبقتهم، حتى تشرب الإمام العلم والمعرفة، من أصولها وأركانها.

وقد كانت جميع الأمصار وقبائل العرب، ترسل أفضل أبنائها، للدراسة في جامعة الإمام الصادق، التي أنشأها كأول مدرسة علمية في تأريخ المسلمين، حتى بلغوا الآلاف، ممن جمع دروسه في أربعمائة مجلد، سموها بالأصول الأربعمائة، حتى وصفه أبو حنيفة، بإمام الحق، وأنه "أعلم الناس لأنه الأعلم بإختلافهم"، إذ كان يدير الحوارات والنقاشات، الفقهية والفلسفية، بإقتدار عجيب، ومن هذه الجامعة العلمية، خرجت المدارس الفقهية الإسلامية، وهي مدرسة "الحديث والسنة" لإمام المذهب المالكي، وتعرف بمدرسة أهل المدينة، ومدرسة "القياس والرأي"، لإمام المذهب الحنفي، وتعرف بمدرسة أهل العراق.

وفي تلك الفترة، أخذت المدارس الفلسفية اليونانية، تدخل ثقافة المسلمين، فأسس الإمام في مواجهتها، أول مدرسة لذلك في الإسلام، ولم تقف إهتماماته في الفقه والرد على الفلاسفة، بل شملت سائر العلوم، في الكيمياء والطب والصيدلة والفلك والرياضيات وسواها، فكان من خريجيها، أمثال جابر بن حيان الكوفي، الذي تعد ريادته في علم الكيمياء، بمثابة ريادة إفلاطون لعلم المنطق، وكما تثبته كبريات الجامعات والمتاحف الأوربية، في آثاره الشاخصة فيها، وفي جميعها يقول "حدثني أستاذي ومولاي جعفر بن محمد".

ثم ينتقل الإمام الى الكوفة، فيشيع فيها إشعاع العلم والمعارف، حتى يروي عنه فيها، مئات العلماء والفقهاء والمحدّثون، في تسعمائة حلقة درس، جميعهم يذكر "حدثني الإمام جعفر بن محمد"، وكانت تلك الجامعة العلمية الأولى في الإسلام، التي تواصلت الى يومنا هذا، متمثلة بالحوزة العلمية في النجف الأشرف، الوريثة الشرعية لمدرسة الكوفة العلمية، لتناظر بذلك مدرسة القيروان في تونس، والأزهر الشريف في القاهرة، التي حذت حذوها، حتى قال عنه إمام المذهب المالكي "مارأت عين ولا سمعت اذن، ولا خطر على قلب بشر، أفضل من جعفر بن محمد، علما وأدبا وعبادة وورعا"، حتى دعي بإمام الأئمة والفقهاء وأستاذهم.

فلهذه المقدمات، أظهر الإمام موسى الكاظم منذ طفولته، نبوغا في العلم والفقه وسرعة البديهة وحضور الجواب، إذ كان كبار العلماء، الذين يفدون بإنتظار أدوارهم، للحضور بين يدي والده الإمام، يبرع في محاورتهم بالحجة والدليل، ورجاحة العقل وقوة الإستدلال والبراهين العلمية، فيثير إعجابهم، وبعضهم يكتفي بإجاباته وأقواله، فيعودا أدراجهم، وهو الغلام اليافع، ومن بينها إجابته للإمام أبي حنيفة، الذي رآه يصلي عند دهليز الدار، والناس تمر من أمامه، دون أن يعبأ بهم، فسأل عن جواز ذلك، في حضرة أبيه، الذي ترك الإجابة لولده، من فرط ثقته بعلمه ونبوغه، فأجاب بذكاء وفطنة، أنه قد إنشغل عن الناس من حوله، فيمن يصلي اليه، لأنه "كان أقرب اليّ منهم"، مستشهداً بالآية الكريمة "ونحن أقرب اليه من حبل الوريد"، فتعجب النعمان لإجابته قائلا "ذرية بعضها من بعض".

وكان آخر ما تلقاه من وصية والده الإمام "أن شفاعتنا لا تنال مستخفا بصلاة"، وفي ذلك إشارة، لإشتراط العبادة والورع والتدين الصحيح، فيمن يظهر الولاء لمدرسة آل البيت، ويقتفي مناهجهم، وأن "صلة الأرحام والبر بالإخوان ولو بحسن الجواب ورد السلام، يعصمان من الذنب"، فتميزت رسالته، بثنائية العبادة الصحيحة والسلوك الإجتماعي، التي أظهرها في سيرته، سلوكا وتقوى وورعا.

 

إمامته، صفاته وسيرته

كان أحسن الناس صوتاً في تلاوة القرآن الكريم، يبكي من خشية الله حتى تحضل لحيته الشريفة من الدموع، وكان يطيل في سجوده تعبدا، حت لقب بالعبد الصالح، فكان لكل هذه الخصال الكريمة، أهلاً للإمامة بعد أبيه، الذي أولاه رعاية خاصة، رغم أنه لم يكن أكبر أنجاله، فالأكبر كان "إسماعيل"، الذي شاءت حكمة الله أن يتوفاه في حياة والده، كي لا يحصل الإختلاف بين الناس في تعيين الإمامة، فقد نص الإمام عليه لبعض خاصته، لأسباب أمنية، فضلاً عن مقولته أنهم سيهتدون إليه، فمن المنطق أن لا تنتقل الإمامة الى اللاحق إلّا بعد وفاة السابق، ومع ذلك فقد تبع إسماعيل، بعض الناس، وهم الفرقة الإسماعيلية، التي لم تنقطع الإمامة فيهم، وقد تفرقت الى عدة فرق، قائمة الى يومنا هذا، وخاصة النزارية والبهرة والفاطمية، في بعض البلاد، كالهند والشام.

كان الظرف الأمني والسياسي، صعباً للغاية في فترة إمامة الإمام الكاظم، بخلاف جل فترة إمامة أبيه الصادق، التي شهدت فترة إنحلال الدولة الأموية وإضمحلالها، ثم قيام الدولة العباسية، فالدول كحال دورة الإنسان في الطبيعة، تنشأ ضعيفة ثم يشتد عودها وتقوى، وتستقر لفترة، ثم يدب فيها الضعف، حتى زوالها، "إذا تم شيء بدا نقصه، ترقب زوالاً إذا قيل تم"، أو هي كأداء الآلة والمعدة التقنية، وفق ما يشار إليه في الدراسات الهندسية، بمعامل الكفاءة، حيث يبدأ منحني الأداء من الصفر، ثم يصعد ويستقر في مستوى الكفاءة، لفترة عمر الإشتغال، ثم يعدود في نهايتها، الى الصفر أو قربه.

فقد استلم الإمام الكاظم مهام إمامته، في أقوى عصور الدولة العباسية، والتي يعبر عنها التأريخ، بالفترة العباسية الذهبية، إذ عاصر في إمامته، خلافة المنصور والمهدي والهادي والرشيد، فالدولة العباسية التي بدأت حركتها، في راياتها السوداء، في الدعوة الى الرضا من آل محمد، بمعنى الى إمام واجب الطاعة من آل البيت، دون إشهار لتنظيماتهم وقادتهم وزعاماتهم، باتوا بفضل "وعاظ السلاطين"، ينشر إعلامهم السياسي، أنهم الأحق بالخلافة والحكم وأمر المسلمين، دون سائر قريش وبني هاشم، وقد تزامن ذلك مع سياسية القمع والترهيب والتهميش، وما يتبعها من ظلم وقهر إجتماعي.

 

مهمته ورسالته

بهذه التركة الأمنية والسياسية الثقيلة، باشر الإمام الكاظم مهام إمامته، غير أنه تصدى لمهمته بكل شجاعة وكفاءة وإقتدار، واضعا إستراتيجية عمل، في إستجابة لمتطلبات المرحلة وحاجاتها وضروراتها، لمهمة عليا ورسالة سامية، كان عنوانها الإصلاح المجتمعي والرعاية الإجتماعي، هدفها وغايتها، الفرد والإنسان والمجتمع، من خلال الإهتمام بأمور المسلمين، وقضاء حاجاتهم، والأخذ بيد الضعيف "ليس منا من بات ليلته ولم يهتم بأمور المسلمين".

فالدولة في تلك المرحلة، كانت بعيدة عن هموم المجتمع، منشغلة عنه في السياسية، ورجالاتها منشغلون بإمتيازاتهم الوظيفية، فكانت الفجوة قد توسعت، بينهم وبين بسطاء الناس، فبذلك قد تحددت مسؤولية إمام زمانه، وذلك يبين أن أدوار الإئمة الهداة، ليست منجمدة ضمن أهداف محددة، بل هي كحركة الحياة، تتنفس حاجات المرحلة ومتطلباتها، وتشترك وتتكامل مع بعضها، لتقدم نظرية متكاملة للعمل، ومنهج للحياة، وتلك هي الغاية العليا، لرسالة الإسلام وعقيدته.

كان الإمام الكاظم، قد إشترى ضيعة هي "اليسيرية"، وجعلها مركزاً لقضاء حاجات الناس، فكان يخاطب صاحبه هشام: "إن العاقل أو المتعلم، لا يحدث من يخاف تكذيبه، ولا يسأل من يخاف منعه، ولا يعد ما لا يقدر، ولا يرجو ما يعنف برجائه، ولا يعد ما يخاف فوته بالعجز عنه". وبذلك تميزت حركته الإجتماعية، فكان يسعى الى التأثير بالحكم وترشيده، من خلال وعظه ولاة المسلمين، وتوجيهم الى جادة الصواب، ضمن مناظرات جريئة، لتصويب الأخطاء، إن في السياسية أو الفقه أو في القضاء.

وبهذا فقد نشر ثقافة البر والإحسان، والتكامل الإجتماعي، والنفع العام والدعم المجتمعي، ومسؤوليات الوظيفة العامة، كونها تكليف للخدمة، ووكالة عن المجتمع، وليست نافذة للإثراء غير المشروع، مترجما بهذه الثقافة، المعنى الحقيقي، للإنتماء لمدرسة آل البيت، والدخول بولايتهم، فليس كافيا لإظهار ذلك، حب آل البيت والتودد العاطفي لهم، الذي قد يدخل في باب الرياء المرفوض، "الذي أقلّه كفر"، كما يقول سيد الشهداء، الإمام الحسين السبط، فالآية الكريمة التي فرضت التودد لآل البيت ومحبتهم "قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة بالقربى"، لا تقبل ذلك بالعاطفة المجردة، وإنما بإقتران العمل والأفعال والسلوك، الفردي والمجتمعي.

وذلك السلوك المجتمعي، يتحقق في قبول الآخر، واحترام الإختلاف وثقافة اللاعنف، التي كانت شعار النهضة الحسينية، في سائر صفحاتها، من خلال الدعوة للإصلاح، ثم تولّى الإمام السجاد زين العابدين، مهمة الإعلام لهذا الفكر، ونشره والتثقيف عليه، خاصة من خلال موسوعته الفكرية والفقهية والعقدية الشاملة، في صحيفته المعروفة بالسجادية، التي اتخذ فيها من الدعاء، وسيلة ناجعة للتأثير والإنتشار، عابرة لقيود السلطة وإجراءات القمع، ثم تبعها دور الإمامين الباقر والصادق، في جوانب نشر العلوم الفقهية والصرفة والتطبيقية، والفلسفة الإسلامية، وتأسيس الجامعة الفكرية والعلمية.

ثم تولّى الإمام الكاظم المهمة، والتي بمضمونها، أنّ من لا يحسن لإخوانه، ولا يسعى لقضاء حاجاتهم ومعونتهم، إقتداءً بسلوكه ومنهجه ومؤسسته المجتمعية، فهو ليس من أتباعه، ليكون الجميع مقفيين، إزاء مسؤولياتهم المجتمعية والإنسانية.

وستنصرف الحلقة القادمة، الى تبيان الأدوار المجتمعية والإنسانية في سيرة الإمام الكاظم، والمهام الرعوية الإجتماعية التي تكفّل بها، ثم صموده وثباته، في إستمرار أداء رسالته المجتمعية، وسعيه لترشيد الدولة والحكم، رغم إجراءات القمع والترهيب والتهديد.

17/رجب/1435