![]() |
|
إضاءات عملية من الصحيفة السجادية (6)
في الاعتذار من تبعات العباد ومن التقصير في حقوقهم (1) موقع الإمام الشيرازي من دعاء الإمام زين العابدين وسيد الساجدين عليه السلام في الاعتذار من تبعات العباد ومن التقصير:
اللّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِنْ مَظْلوُمٍ ظُلِمَ بِحَضْرَتِي فَلَمْ انَصُرْهُ وَمِنْ مَعْروفٍ أُسْدِيَ إِلَيَّ فَلَمْ أَشْكُرْهُ، وَمِنْ مُسيءٍ اعْتَذَرَ إِلَيَّ فَلَمْ أَعْذِرْهُ، وَمِنْ ذي فاقَةٍ سَألَنِي فَلَمْ أوُثِرْهُ، وَمِنْ حَقِّ ذي حَقٍّ لَزِمَنِي لِمُؤْمِنٍ فَلَمْ أُوَفِّرْهُ وَمِنْ عَيْبِ مُؤمِنٍ ظَهَرَ لي فَلَمْ أَسْتُرْهُ، وَمِنْ كُلِّ إِثْمٍ عَرَضَ لي فَلَمْ أَهْجُرْهُ، أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ يا إِلهِي مِنْهُنَّ وَمِنْ نَظَائِرِهِنَّ اَعْتِذارَ نَدامَةٍ يَكُونُ واعِظاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ أَشْباهِهِنَّ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَاجْعَلْ نَدامَتِي عَلى ما وَقَعْتُ فيهِ مِنَ الزَّلاّتِ، وَعَزْمي عَلى تَرْكِ ما يَعْرِضُ لِي مِنَ السَّيِّئَاتِ تَوْبَةً تُوجِبُ ليَ مَحَبَّتَكَ، يَا مُحِبَّ التَّوّابِين ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ شرح الدعاء: (اللهم إني أعتذر إليك) أي: أطلب منك العذر بأن تعفو عني. (من مظلوم ظلم بحضرتي) أي: حال كوني حاضراً. (فلم أنصره)، وإني قادر على ذلك. (ومن معروف أسدي إليّ)، فإن الإسداء بمعنى الإحسان (فلم أشكره)، فإن شكر المعروف لازم. (ومن مسيء اعتذر إلي فلم أعذره) أي: لم أقبل عذره، فإن من أدب الإسلام، أن يقبل الإنسان عذر المعتذر. (ومن ذي فاقة) حاجة (سألني فلم أوثره) أي: لم أقدمه على نفسي بإعطائه وحرمان نفسي. (ومن حق ذي حق لزمني لمؤمن فلم أوفره) أي: لم أعطه حقه. (ومن عيب مؤمن ظهر لي فلم أستره) مع أن اللازم ستر عيوب الناس. (ومن كل إثم) ومعصية. (عرض لي) أي: ظهر. (فلم أهجره) أي: لم أتركه بل أتيت به. (أعتذر إليك يا إلهي منهن) أي: من هذه الخصال الذميمة. (ومن نظائرهن) أي: أمثالهن من سائر الخصال المذمومة. (اعتذار ندامة) أي: اعتذاراً ناشئاً من الندامة. (يكون) ذلك الاعتذار. (واعظاً لما بين يدي من أشباههن) أي: أمثال هذه الصفات المذمومة. (فصلِّ على محمد وآله واجعل ندامتي على ما وقعت فيه من الزلات) بأن أندم على المعاصي التي صدرت مني، والزلات جمع زلة بمعنى العثرة شبَّه العاصي بالعاثر الذي يقع، إذ كل منهما يتضرر هذا جسماً وذاك نفساً (و) اجعل (عزمي على ترك ما يعرض لي من السيئات)، بأن أعزم وأنوي ترك كل سيئة تجول بخاطري. (توبة) مفعول ثان لـ[اجعل] (توجب) تلك الندامة وهذه العزيمة (لي محبتك) بأن تحبني (يا محب التوابين) فإنه يحب التوابين كما في القرآن الحكيم. كتاب (شرح الصحيفة السجادية) للإمام الشيرازي (قده) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ندخل اليوم مدرسة الإمام السجاد زين العابدين صلوات الله عليه لنستمع منه إلى درس عظيم في فن السلوك الفردي والتعامل الإنساني الرفيع، بين أفراد المجتمع البشري قاطبة. فالإمام علي السجاد عليه السلام يشير في الدعاء إلى مواضع ضعف النفس الإنسانية التي يمكن لها ـ إن أهملت ـ أن تتحول إلى بقع مظلمة طاغية، تتعدى حدودها لتطفئ بكثافتها وظلماتها، مواقع الخير والنور في الأنفس المجاورة لها والمتعاملة معها. ولذا من أجل إنقاذنا من ظلمات النفس الطاغية، وتعليمنا كيفية السباحة في بحر الحياة، حتى نصل إلى شاطئ السلام مع الله ومع عباد الله، يلفت الإمام عليه السلام انتباهنا في هذا الدعاء العظيم إذ يقول معتذراً إلى الله تعالى: 1ـ (اللهم إني أعتذرُ إليك من مظلومٍ ظُلم بِحَضْرَتي فلم اَنْصُرْهُ. 2ـ ومن معروفٍ أُسْدِيَ إِليَّ فلم أَشْكُرْهُ، 3ـ وَمن مُسيء أعتَذَرَ إليَّ فلم أَعْذِرْهُ، 4ـ ومن ذي فاقةٍ سألني فَلَمْ أُوْثِرْهُ، 5ـ ومن حقِّ ذي حقٍّ لَزِمَني لِمُؤْمِنٍ فَلَمْ أُوفِّرْهُ، 6ـ ومن عيبِ مُؤْمِنٍ ظَهَرَ لي فَلَمْ أَسْتُرْهُ، 7ـ ومن كُلِّ إثْمٍ عرض لي فلم أَهْجُرْهُ. أعتذر إليك يا إلهي مِنْهُنّ،َ ومن نظائِرِهِنّ،َ اعتذارَ ندامةٍ، يكونُ واعظاً لما بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ أشباهِهِنَّ. فصلِّ على محمد وآله وأجعل ندامتي على ما وَقَعْتُ فيه من الزَّلاَّتِ، وعزمي على ترك ما يعرضُ لي من السيِّئات، توبةً تُوجُب لي محبَّتك يا مُحِبَّ التَّوابين). وفي ظل الواقع المأزوم (سياسياً وأمنياً وثقافياً واقتصادياً واجتماعياً) الذي تعيشه عموم المجتمعات المسلمة، فإن من وظيفتنا اليوم، أن نحفظ عن ظهر قلب الجمل السبع (أعلاه)، لنتأملها بعقولنا، ونعلقها على جدران بيوتنا ومحال أعمالنا، لنضيء بذلك سبع شمعات في قلوبنا المظلمة بـ(الأنا) التي هي منبع كل الرذائل، ومرتع جنود الشيطان التي تعيث فساداً في حياة الفرد والمجتمع. 1ـ (اللهم إني أعتذرُ إليك من مظلومٍ ظُلم بحضرتي فلم أَنْصُره) الظالم هو من يتعَّدى حدوده فيتجاوز حدود حقوق الآخرين المادية والمعنوية. (ظَلَمَ) ظُلماً، وَمَظْلِمَةً: جار وجاوز الحدّ. أي أّخَلَّ بالنظام العام الذي يُوفر الحقَّ. و(ظلم): وضع الشيءَ في غير موضعه، العيش بسلام لكل مخلوق، وليس فقط للإنسان وحده، ولذا قال الله تعالى: {وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}([1]). {وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}([2]). {إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}([3]). وبما أن الإمام السجاد عليه السلام يعلمنا عن طريق اعتذاره إلى الله من عدم نصرته لمظلوم ظلم بحضرته، فهذا يعني أن الإنسان مسؤول عن عدم اكتراثه لمظلومية المظلوم. لذا يُقسِّمُ الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، الظلم إلى أقسام ثلاثة، حيث يقول: (ألا وإن الظلم ثلاثة: فظلم لا يُغفر، وظلم لا يُترك، وظلم مغفور لا يُطلب، فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله. قال الله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ}. أما الظلم الذي يُغفر، فظلم العبد نفسه عند بعض الهنّات (من صوم يوم تركه، أو صلاة تركها...). وأما الظلم الذي لا يُترك منه شيئاً، فظلم العباد بعضُهم بعضاً)([4]). إذن، الظلم الذي لا يُغفر أبداً هو ظلم عقائدي، كأن يشرك الإنسان بالله تعالى (عدم الإيمان برسالة رسول الله، أو يشرك بأوامر الله، فيطيع أعداء الله ويجحد أولياء الله). ظلم عبادي (هو ظلم مغفور)، ظلم العلاقات والمعاملات الاجتماعية لا يترك منه شيء، يُروى عن رسول الله صلى الله عليه وآله، أنه قال: يقول الله عزَّ وجلَّ: (وعزَّتي وجلالي لأنتقمنَّ من الظالم في عاجله وآجله، ولأنتقمنَّ ممَّن رأى مظلوماً فقدر أن ينصرَه فلم ينصره)([5]). إن الانتقام الإلهي سيكون من الظالم، وممن سكت عن الظلم طوعاً، وهو يقدر أن يرده ويوقفه. ولذلك جاء الحثُّ على إعانة المظلوم، في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف: قال الله تعالى: (وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً([6]))([7]). وفي الحديث، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من أخذ للمظلوم من الظالم كان معي في الجنَّة مصاحباً)([8]). وأوصى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ولديه الحسَنَيْن عليهما السلام قائلاً: (قولا الحق، واعملا للأجر، وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً)([9]). إن الظالم لا يشم رائحة الجنَّة ولا ينعم بأنوار رحمة الله، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله، أنه قال: (بين الجنَّة والعبد سبع عقاب (أي عقبات)، أهونها الموت، قال أنس بن مالك: قلت: يا رسول الله فما أصعبها؟ قال: (الوقوف بين يدي الله عز وجل إذا تعلق المظلومون بالظالمين)([10]). وتوضيح ذلك بما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله قوله: (أنه ليأتي العبد يوم القيامة وقد سرَّته حسناته، فيجئ الرجل فيقول: يا ربَّ ظلمني هذا، فيؤخذ من حسناته فيجعل في حسنات الذي سأله، فما يزال كذلك حتى ما يبقى له حسنة، فإذا جاء من يسأله نظر إلى سيِّئاته فجعلت مع سيِّئات الرجل، فلا يزال يستوفي منه حتى يدخل النار)([11]). ويقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله: (أوصى الله عزَّ وجلَّ إليَّ: (يا أخا المرسلين! يا أخا المنذرين! أنذر قومك أن لا يدخلوا بيتاً من بيوتي إلا بقلوب سليمة وأَلْسُنٍ صادقة، وأيدٍ نقيَّة، وفروج طاهرة، ولا يدخلوا بيتا ًمن بيوتي ولأحد من عبادي عند أحدٍ منهم ظلامة فإني ألعنه ما دام قائماً بين يَدَيَّ يُصليِّ حتىَّ يردَّ تلك الظلامة إلى أهلها) ([12]). ومما جاء في الروايات الشريفة عن ظلم الإنسان نفسه: قال الإمام علي عليه السلام: (ظَلَمَ نفسه من عصى الله وأطاع الشيطان)([13]). قال عليه السلام: (من أهمل العمل بطاعة الله ظلم نفسه)([14]). وقال الإمام الصادق عليه السلام: كتب رجل إلى أبي ذرّ: يا أبا ذرّ أطرفني بشيءٍ من العلم، قال: فقال له الرجل: وهل رأيت أحداً يسيء إلى من يحبّه؟! فقال له: (نعم، نفسُك أحبُّ الأنفس إليك، فإذا أنت عصيت الله فقد أسالت إليه)([15]). أما دعاء المظلوم فيكفي ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله إذ يقول: (اتَّقوا دعوة المظلوم وإن كان كافراً، فإنَّه ليس دونه حجاب)([16]). ويقول الإمام الصادق عليه السلام: (من عذر ظالماً بظلمه سلَّط الله عليه من يظلمه، فإن دعا لم يستجب له، ولم يأجره الله على ظلامته)([17]). وكان أمير المؤمنين عليه السلام يقول متبرِّءاً من الظلم: (والله لئن أبيتَ على حسك السعدان مُسَهَّداً، أو أُجَرَّ في الأغلال مُصفَّداً، أحبُّ إليَّ من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد، وغاصباً لشيء من الحطام، وكيف أظلمَ أحداً لنفس يُسرع إلى البلى قفولُها، ويطول في الثرى حلولُها)([18]). وقال عليه السلام: (والله لو أُعطيت الأقاليم السبعةِ، بما تحت أفلاكها، على أن أعصي الله في نملة أسلبها جُلب شعيرة ما فعلته)([19]). أما أصحاب الأنفس المظلمة فكم تداس ـ كل يوم ـ بأقدامهم حقوق الكثير مما الناس، ويجرحون كرامتهم ومشاعرهم بأنانيتهم المفرطة، وهم لا يكتفون بسحق نملة بأقدامهم وهي تحمل رزق ساقه الله إليها إلى قريتها؟! يقول الله تبارك وتعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}([20]). إذن، لنردد (ونحفظ) ما علمه لنا، وأوصانا به، أستاذ الحقوق والأخلاق الإمامِ زينِ العابدينِ عليه السلام: (اللهم إني أعتذر إليك من مظلومِ ظُلم بحضرتي فلم أنصره).. والمظلوم مظلوم، سواء أكان نملةَ أو شجرةَ أو حجرة أو إنساناً، أو أيَّ شيء في هذا الوجود. 11/شعبان/1435 [1] ـ البقرة/258. [2] ـ آل عمران/57. [3] ـ الأنعام/21، يوسف/23. [4] ـ نهج البلاغة/ الخطبة/ 176. [5] ـ كنز العمال/7641. [6] ـ مُقيتاً: مقتدراً، أو حفيظاً. [7] ـ سورة النساء/85. [8] ـ البحار/ج 75/ 359/ 75. [9] ـ البحار ج100/ص90/ 75. [10] ـ كنز العمال/8862. [11] ـ نهارية البداية والنهاية2/55، وكنز العمال/ 7642/ 7644. [12] ـ كنز العمال/4360. [13] ـ غرر الحكم/6057. [14] ـ غرر الحكم/8541. [15] ـ الكافي ج2/ص458/ح20. [16] ـ كنز العمال/7602. [17] ـ الكافي ج2/ص334/ح18. [18] ـ نهج البلاغة/ الخطبة 224. [19] ـ نهج البلاغة/ خطبة 24. [20] ـ سورة الأنعام/82. |