![]() |
|
|
حديث الغدير متواتر أعلى درجات التواتر لا ينكره إلاّ منافق جاهل
موقع الإمام الشيرازي
إنّه لمن دواعي الغبطة والسرور الحديث عن يوم الغدير الأغر الأنور، خاصة في مناسبة مرور أربعة عشر قرناً على ذلك الحدث العظيم. وإنه من واجب المحبة والولاء لهذا الإمام العظيم عليه السلام الذي خطب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم على رؤوس الأشهاد يوم الغدير وقال في حقه (من كنت مولاه فعليّ مولاه) وقام لأجل ذلك المخلصون من الصحابة يهنئون الإمام بأنّه أصبح مولى كل مؤمن ومؤمنة. فمن شعب الايمان أن يظهر المؤمن ولائه لهذا الإمام في كل آن وزمان ومكان، ويفصح بما يكنه من واجب الولاء والطاعة لإمامته التي لا زالت فرضاً لازماً على كل مؤمن ومؤمنة في شرق الأرض وغربها، لقول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) للإمام عليه السلام: (يا عليّ إنه من فارقني فقد فارق الله ومن فارقك فقد فارقني). وقوله: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى)، ومن آمن بموسى وكفر بهارون فقد خرج من الملة!! وهنا أخص الكلمات بحديث الغدير من جهة ثبوته متواتراً التواتر الذي يقطع لكل مؤمن إذا سمعه، فكأنما سمعه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) يوم الغدير الأغر!! فأقول: لمّا قال أمير المؤمنين، وسيّد العرب، والصديق الأكبر، ويعسوب المؤمنين، وزوج سيدة نساء العالمين، ووالد سيدي شباب أهل الجنة، ومولى كل مؤمن ومؤمنة، وأخ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): (سيأتي من بعدكم زمان، ينكر الحق فيه تسعة أعشارهم، لا ينجو منه إلاّ كل مؤمن نومة – يعني الغافل عن الشر – أولئك أئمّة الهدى، ومصابيح العلم). كما رواه عنه غير واحد من أئمة الحديث، وفي مقدمتهم أحمد في فضائل الصحابة 1 / 529. كان يريد عليه السلام بهذا الكشف الصادر عن ميراث النبوة، أهل الشر أعداء بيت النبي عليه الصلاة والسلام، وهم أصحاب الكساء، والذين كان شغلهم الشاغل، هو نفث سموم نفاقهم، وردّ كل فضيلة وكل منقبة وكل كرامة وولاية ثبتت للإمام عليه السلام بالطرق الصحيحة والمتواترة التي لا يمكن لمن له أدنى مسكة من العلم أن ينكرها أو يردها أو يجد السبيل إلى الطعن في ثبوتها!! لا من جهة أسانيدها وطرقها المتعددة، ولا من جهة معناها المطابق لحال الإمام عليه السلام، بغياً وحسداً من عند أنفسهم، وسيراً وراء من أبطن النفاق، وأظهر الإيمان منذ عصره عليه السلام، كما أشار إلى ذلك الصحابي الجليل شهيد الحق عمار بن ياسر رضي الله عنه في كلمته التي قالها في البغاة الخارجين عن الإمام عليه السلام يوم صفين: (ما أسلموا ولكن استسلموا وأبطنوا الكفر فلما وجدوا عليه أعواناً أظهروه) ولا زال هذا حال كل من تبع هؤلاء البغاة إلى الآن يظهر الإسلام ويبطن النفاق والكفر بشهادة النبي صلّى الله عليه وآله وسلم في قوله المتواتر: (لا يحبك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق). فكلما سنحت لهم الفرصة في بث سموم نفاقهم إغتنموها لإظهار ما انطوت عليهم نفوسهم الخبيثة من رد ما ثبت للإمام عليه السلام من المناقب والفضائل والمزايا والخصائص التي أجمع أهل الحديث على أنه لم يرد لغيره مثلها ولا نصفها بل ولا ربعها. وهذه ليست دعوى مجردة عارية عن الدليل والبرهان، فكل من تتبع كتب الحديث، منذ تدوينها إلى العصر الذي انتهى فيه التدوين، إلا وجزم بأن ما ورد عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم في فضل الإمام عليه السلام لم يرد مثله في غيره من الصحابة. ولو تصدى الإنسان لذكر هذه المناقب، وشرح هذه الفضائل، وعدّ هذه المزايا التي ثبتت بالطرق المتواترة أو الصحيحة التي لا طعن فيها، لاحتاج إلى مجلدات، ولطال الوقت، ولم يحط بذلك. وهذا لا ينكره إلاّ منافس خبيث، لا إيمان له ولا دين له، وإن زعم أنه من أهل السنّة وأهل الجماعة وأهل الدين والعلم!! ويكفي من هذه المناقب وهذه المزايا التي لم تثبت لأحد من الصحابة على كثرتهم واقعة (غدير خم)، فإنها أثبتت لهذا الإمام عليه السلام على لسان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، أنه مولى كل مؤمن ومؤمنة، وأنه أولى بالمؤمنين بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم من أنفسهم. ولأجل ذلك صعب على المنافقين وأتباعهم، ومن لفّ حولهم ودار في فلكهم، منذ عصر الإمام عليه السلام، وورد هذا الفضل، وهذه المزية التي أختص بها الإمام وحده، دون غيره من كبار الصحابة، فضلاً عن صغارهم، لأنها قاطعة لسان كل منافق وناعق من النواصب، من أعداء الإمام عليه السلام، وحاكمة عليهم – مع ذلك – بعدم الإيمان، حيث لم يتولوا الإمام، ولم يذعنوا لإمامته وولايته لقوله صلوات الله عليه وآله: (من كنت مولاه فعلي مولاه). أقول صعب على المنافقين وأتباعهم ثبوت هذه المزية، وكبر في صدورهم الإذعان لها، فلم يجدوا ملجأ ولا مهربا، من دلالتها على عدم إيمانهم، إلاّ بما نفثه الشيطان في نفوسهم المنافقة، الخارجة عن الولاية، الناكثة عن الإمامة الثابتة للإمام عليه السلام، إلاّ بانكارها دفعاً بالصدر، ورمياً بالكذب، والطعن بالجهل المكشوف في ثبوت حديث الغدير، والكلام فيه بما ينبئ عن جهلهم التام بعلم الحديث، ويدل مع ذلك على أنهم أهل حقد وحسد، وإنهم لم يتذوقوا من العلم شيئاً، فلذلك غاب عقلهم، وذهب منهم الحياء، فردّوا العمل بحديث الغدير لعدم ثبوته وصحته – بزعمهم - كما فعل ابن تيمية ومن على شاكلته. ومن المعروف المعلوم، أن الحقد يعمي القلوب عن معرفة الحق، والهوى يعمي البصيرة ويطمسها، فتنكر من الحق ما هو أظهر من الشمس في كبد السماء!! وهذا ما حصل ممن يدعي العلم بالحديث، من النواصب أعداء الإمام عليه السلام، فإنهم لما نظروا في حديث الغدير، وقلوبهم مملوءة بالغيظ، وصدورهم طافحة بالكيد والحقد والحسد، ونفوسهم مظلمة منطوية على الكفر بكل منقبة للإمام عليه السلام، غاب عقلهم، وطار رشدهم، رغم ما يدعون أو يصفهم به الناس من العلم والحفظ. وسارعوا إلى الطعن في ثبوت حديث الغدير المتواتر، وإنه باطل السند أو ضعيف لا يعمل بمقتضاه، ولا يلتفت إلى معناه، ولا ثبتت به مزية للإمام عليه السلام، فيالله العجب!! كيف يدعي العلم، ويزعم أنه من حفاظ الحديث ورجاله، بل كيف يدعي العقل والرشد، من يأتي إلى حديث (غدير خم)، ويقول إنه ضعيف السند أو باطل لا أصل له!! مع أنه – وأيم الحق – حديث متواتر عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم، أكثر من مائة صحابي، وهذا أعلى وأعز ما يكون من الحديث المتواتر، فإنه لم يرد حديث قال الحفاظ بتواتره ووصل إلى هذه الدرجة من هذا العدد الكبير من الصحابة الذين رووه عن مشاهدة ورؤية وحضور عند عودة النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من حجة الوداع، وقال في خطبته على رؤوس الآلاف من أصحابه عند غدير خم: (من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره)، فلا يقول بعدم تواتر حديث الغدير إلاّ جاهل بليد لم يدر العلم، ولم يخض في ميدانه أو منافق حاقد أبطن النفاق، وأظهر الإسلام، وسوى هذين لا يمكن لمن له عقل ونظر، أن ينكر تواتره فضلاً عن صحته!! وقد نص على تواتره جماعة من الأئمّة، منهم الحافظان الذهبي والسيوطي. وذكره هذا الأخير في كتابه الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة، وهو مطبوع، وجمع طرقه الإمام الحافظ المشهور محمّد بن جرير الطبري في مجلدين ضخمين، قال الذهبي: رأيت مجلداً من كتاب ابن جرير في طرق حديث "من كنت مولاه"، فاندهشت له ولكثرة تلك الطرق. وقد رد فيه ابن جرير على بعض معاصريه الذي أنكر صحة حديث (الغدير)، وقد أتى فيه بما يقطع عنق النواصب من الطرق الدالة على تواتر الحديث. وجمع طرقه أيضاً في كتاب خاص الحافظ أبو العباس ابن عقدة، وذكر فيه أكثر من سبعين صحابياً الذين رووا حديث الغدير، كما قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب 7: 339. وجمع طرقه الحافظ الذهبي أيضاً، كما ذكر ذلك في تذكرة الحفاظ، وجمع طرقه الحافظ العراقي، كما ذكره ابن فهد في ترجمته، من ذيل طبقات الحفاظ، وجمع طرقه أيضاً واستوعبها الحافظ الكبير أبو القاسم ابن عساكر، مؤرخ دمشق، وقال ابن كثير: "أورد أحاديثاً كثيرة في هذه الخطبة". وقال الحافظ ابن حجر في التهذيب 7: 339، في ترجمة الإمام عليه السلام، بعد أن ذكر ما ذكره ابن عبد البر من طرق حديث الغدير: "وقد جمعه ابن جرير في مؤلف خاص فيه أضعاف من ذكر وصححه". وقال ابن حجر في الفتح 7: 55: وأما حديث (من كنت مولاه فعلي مولاه)، فقد أخرجه الترمذي والنسائي، وهو كثير الطرق جداً، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان. وقال الحافظ الذهبي متعقباً من رد على الحاكم صاحب المستدرك تصحيح حديث الطير و(من كنت مولاه فعليّ مولاه)، أما حديث الطير: "فله طرق كثيرة جداً، وقد أفردتها بمصنف، ومجموعها هو يوجب أن يكون للحديث له أصل، وأما حديث (من كنت مولاه فعليّ مولاه)، فله طرق جيدة، وقد أفردت ذلك بجزء أيضاً". ونص على تواتر حديث الغدير من المتأخرين الزرقاني، شارح المواهب والمناوي في التيسير شرح للجامع الصغير. وبعد، فماذا يقول بعد هذا الجهلة المنكرون للحق، التابعون لنواعق النفاق من باطل وزور في رد حديث الغدير؟! وبماذا يطعنون في تواتره التواتر الذي ما ثبت مثله إلاّ لحديث أو حديثين لا غير، فمن سمعه كأنما سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطب على الملأ العظيم من أصحابه يوم الغدير: (من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه). فأنصح كل مسلم ناصح لنفسه، أن يصدق في ولاية الإمام عليه السلام، حتى لا يدخل في زمرة المنافقين المبغضين لله ولرسوله وللمؤمنين الصادقين. فقد قال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام مخبراً عن عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليه: (إنّه لما عهد إلى النبي انه لا يبغضني إلاّ منافق ولا يحبني إلاّ مؤمن). ولهذا كان حبه من أفضل الأعمال وأقربها إلى الله تعالى لنيل الدرجات في الآخرة والفوز بالجنة. ويدلّ على هذا ما رواه أبو نعيم في الحلية 5: 32 عن يحيى بن كثير الضرير قال: "رأيت زيد اليامي في النوم، فقلت إلى ما جرت يا أبا عبد الرحمن؟ قال إلى رحمة الله تعالى قلت: فأي العمل وجدت أفضل؟ قال: الصلاة وحب عليّ بن أبي طالب عليه السلام". وأختم بشيء ذكره، وهو إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لما خطب على الملأ يوم الغدير وقال: (من كنت مولاه فعليّ مولاه)، بدأ خطبته الكريمة بقوله: "كأني قد دعيت فأجبت، أني قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله تعالى وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض". ثم قال: "إن الله مولاي، وأنا ولي كل مؤمن"، ثم أخذ بيد عليّ فقال: (من كنت مولاه فعليّ مولاه اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه) رواه أحمد والحاكم. فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من كنت مولاه فعليّ مولاه) بعد قوله: (كأني قد دعيت فأجبت) تعريف واضح بيّن، وإرشاد للمؤمنين، بأن الأمر بعده للإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وإنه وصيه على أمته المؤمنة الصادقة في إيمانها الأمين في تبليغ رسالته. ولذلك قال له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى فكما كان هارون خليفة موسى في أمته وتبليغ شريعته، كذلك أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن عليّ عليه السلام بأنه منه بهذه المنزلة وكفى هذا بياناً. وإن أنكر هذه الوصية من ابتعد عن التحقيق وجرفه سيل النواصب المنافقين!! مع ثبوت ذلك في غير حديث صحيح مما يدل على أنّ الولاية الشرعية المهدية الهادية للحق هي للإمام عليه السلام وحزبه وأنصاره. وقد بيّن صلوات الله عليه وآله وسلم فضل إمامته على غيره بقوله: (ان تولوها علياً تجدوه هادياً مهدياً). ولكن الناس – والأمر لله – انصرفوا عن الحق، وسلكوا سبيل الشيطان، وقلبوا ظهرهم عن الولاية الشرعية، فعاشوا دهرهم، ولا زالوا يعيشون، في انقلاب عن شريعة الله تعالى في الولاية الثابتة والإمامة الصحيحة، ولكن لابدّ من أن يرد الله تعالى الحق إلى نصابه والمياه إلى مجراها، فيخرج لهذه الأمة من يصحح لها الأمر، ويردها إلى طريق الرشد والهداية والعدل، ولو لم يبق من الدنيا إلاّ نصف يوم، كما تواتر عن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم. * من علماء المغرب / مدينة طنجة 19/ ذو الحجة/ 1435 |