هل جاء "الكتاب المقدس" على ذكر العباس بن علي بن أبي طالب عليه مراضي الرب


 

إيزابيل بنيامين ماما آشوري

موقع الإمام الشيرازي

 

إرمياء نبيٌ كلّمه الرب وكشف له ـــ في انخطافة روحية ــ كل ما سيقع للأمم الآتية، فامتلأ سفره كله بأحداث ومعارك، حيث نرى ذلك جليا واضحا من افتتاحية هذا السفر حيث يقول:

((كلمة الرب التي صارت إلى إرميا النبي عن الأمم)).(2)

فالحديث يدور هنا عن الأمم وما سيجري عليها.

من بين هذه الأمم، أفرد إرميا ذكر أمة كانت في عهده خاملة، لا ذكر لها، يصفها "الكتاب المقدس" بأنها غبيّة لأنها عبدت الأحجار، وربطت مصيرها بمصير حجر أصم لا ينفع نفسه. وهذه الأمة أولعت كثيراً بقتل الصالحين، والسبب أنها وضعت يدها، منذ بداية مجدها، بيد اليهود قتلة الأنبياء والمصلحين والصالحين، فأصبحوا أداة بيد اليهود، وإلى هذا اليوم، عدا فئة قليلة تفاعلت مع هذا الدين الجديد، فاحتضنت الصالحين والأولياء وجعلت لهم كرامة ومجدا وعزا.

من جملة ما اهتم به هذا السِفر، هو معركة ستقع على ساحل الفرات، ثم يُحدد مكانها بأنها بالقرب من مدينة كركميش (جرابلس).

وقد دارت حوارات ونقاشات حادة وكثيرة، بيني وبين الكثير، ممن قرأ بحثي حول (ذبيح شاطئ الفرات)، وعلى مختلف المستويات، وكان الاعتراض الأول والأخير، أن (كركميش) تقع في أعالي سوريا، على الحدود مع تركيا، وأن المعركة بين الوثنيين.

أجبت عن هذا الإشكال، ودار حديث واسع، بيني وبين شخصيات دينية وعلمية، ومنها شخصية دينية نجفية (3)، أيد فيها بعض ما أوردته، حول المكان والحادث، ولكن بقيت هناك بعض المشكلات، حيث أني ومنذ سنة أبحث في المصادر لحلها ومنها: هذا الخلط في أحداث النبوءة بشكل أربكها، وقد عثرت اليوم على تفسير لهذا الاختلاف الذي جعل كركميش (جرابلس) تكون في قلب الحدث، وهذا الإشكال، هو أن نص إرميا يبتدئ بهذه الجملة:

((في ابتداء ملك يهوياقيم بن يوشيا ملك يهوذا صار هذا الكلام إلى إرمياء)).

ولكن الكارثة الكبرى التي تدل على تحريف مروّع للنص، وقلب مقصود للحقائق، أن النص نفسه يتغير بعد عدة كلمات ليصبح هكذا:

((هكذا قال الرب لي إصنع لنفسك ربطا وانيارا، واجعلها على عنفك، وارسلها إلى ملك أدوم وإلى ملك مواب وإلى ملك بني عمون ... إلى صدقيا ملك يهوذا)).

فكيف يكون إرمياء النبي، في حكومة يهوياقيم بن يوشيّا ملك يهوذا، وفي نفس الوقت يكون في حكومة صدقيا ملك يهوذا، وبينهما سنين متمادية؟ّ!! قلت في نفسي أرجع للتفاسير لأرى ماذا يقول الآباء المقدسون، حول هذه الإشكال، وكيف يفسرون هذا الاختلاف المريع.

فذهبت إلى تفسير (أصحاح 27)، من سفر إرميا، للقس أنطونيوس فكري (إر 27: 1)، والذي شعر على ما يبدو، بخطر هذه الجملة، التي أخذت بعنقه، فلم يكن له بد من الاعترف فقال: (( نجد هنا مشكلة ظاهرية، أن في آية (1) يذكر اسم يهوياقيم، بينما يُذكر اسم صدقيا في باقي الإصحاح)).

فلم يقنعني هذا الجواب، فذهبت إلى تفسير (إصحاح 27) من سفر إرميا للقمص تادرس يعقوب (إر 27: 1)، الذي قال وبكل وضوح: ((تفترض أحداث هذا الإصحاح سبي عام 597 ق.م. بعد تجليس الملك صدقيا. جاء في النسخ العربية والسريانية وغيرها "ملك صدقيا" عوض "يهوياقيم" أما الترجمة السبعينية فلا توجد بها الآية الأولى)).

وهنا اتضحت لي حقيقة كارثية مرّة، وهي أن هناك ترجمات حذفت النص المزيف، ومنها الترجمة السبعينية للكتاب المقدس (4).

عندما شعرت بخطورة هذه النصوص وعدم انسجامها قامت برفع الفقرة الأولى من السفر والتي تقول: (أن يهوياقيم هو ملك يهوذا)، وأبقت على النص الذي يقول: (أن صدقيا هو ملك يهوذا).

حزنت كثيرا لهذا التلاعب (الكارثي)، وجعلني أتأمل كثيراً في أسباب ذلك، فحدثتني نفسي بأن أذهب وأراجع النص الذي يقول:

((قد سمعت الأمم بخزيك، وقد ملأ الأرض عويلك، لأن بطلا يصدم بطلا فيسقطان كلاهما معا)).

فتعجبت كيف أن الأمم تسمع بعويل وبكاء هذه المرأة المقدسة، ثم يصفها الكتاب المقدس بأن ذلك (خزي)، في هذا النص يوجد شيء محيّر جدا، وهو أن هناك إمرأة تبكي بحرقة، وهذه المرأة ليست عادية لأنها لو كانت كذلك لما سمع العالم كله عويلها، وهي تبكي على إثنين من الأبطال سقطا معاً، ولكن النص هنا لا يقول أنهما تعاونا، ونصر أحدهما الآخر بل يقول: (بطل يصدم بطلا فيسقطان معا)، وهذا أيضا لا يستقيم.

فقلت لأذهب إلى النص الأصلي، فتناولت النسخة الآرامية، ويا لهول الكارثة، ويا للمصيبة التي تحتار لها العقول، لم يكن النص هكذا، لقد جرى تغييره، وفي الحقيقة لا أعرف الأسباب التي أدت إلى تغييره.

النص في النسخة العبرية يقول:

((שמעתי צער אומות, מילא את האדמה בוכה, כי גיבור גיבור קואומו תומך שניהם יחד)).

وعند ترجمة النص من العبري إلى العربي يكون هكذا:

((قد سمعت الأمم بحزنك، وقد ملأ الأرض بكاؤك، لأن بطلا ينصر بطلا فيسقطان كلاهما معا)).

بينما النص العربي الموجود بين أيدينا يقول:

((قد سمعت الأمم بخزيك، وقد ملأ الأرض عويلك، لأن بطلا يصدم بطلا فيسقطان كلاهما معا)).

إذن التحريف وقع في كلمتين (حزنك تم ترجمتها إلى خزيك) و(ينصر تم ترجمتها إلى يصدم) فقلبتا النص رأسا على عقب فاصبح النص شتيمة قبيحة بينما هو مدح سماوي لبكاء وعويل هذه المرأة.

فمن هما هذان البطلان؟

والآن، بعد أن تبين لك التحريف الحاصل في النص، والذي أبعده عن معناه، وعن مكانه الحقيقي. نقول:

إن المرأة الباكية الحزينة التي ملأ عويلها وبكاؤها الآفاق، فأصبح على كل شفّة ولسان، هي (زينب بنت علي بن أبي طالب)، فقد بكت على أخويها (العباس، والحسين) إلى أن ماتت كمدا عليهما، ومن هنا يجب علينا قراءة النص قراءة صحيحة، وإرجاعه إلى سياقة الذي تكلم به النبي إرميا، فنقول أن النص الصحيح، هو كما في النص العبري:

((لقد سمعت الأمم بحزنك، وقد ملأ الأرض بكاؤك. لأن بطلا ينصر بطلا فيسقطان كلاهما معا)).

البطل الأول عالجنا أمره، وبيّنا حقيقته في البحث السابق، وهو تحت عنوا:

((من هو قتيل شاطئ الفرات في الكتاب المقدس)). (5)

ولكن من هو البطل الثاني الذي ينصر البطل الأول فيسقط معه، في نفس أرض المعركة على جانب شط الفرات.

يقول إرميا كما في النص العبري ירמיהו إرميا 46: 6:

((كلمة الرب التي صارت إلى إرميا النبي عن الأمم،على نهر الفرات في كركميش، في السنة الرابعة ليهوياقيم بن يوشيا ملك يهوذا: أعدوا المجن والترس وتقدموا للحرب. أسرجوا الخيل، واصعدوا أيها الفرسان، وانتصبوا بالخوذ. اصقلوا الرماح. البسوا الدروع. لماذا أراهم مرتعبين ومدبرين إلى الوراء، وقد تحطمت أبطالهم وفروا هاربين، ولم يلتفتوا؟ الخوف حواليهم، يقول الرب. الخفيف لا ينوص والبطل لا ينجو. في الشمال بجانب نهر الفرات عثروا وسقطوا. من هذا الصاعد كالنيل، كأنهار تتلاطم أمواهها؟ اصعدي أيتها الخيل، ولتخرج الأبطال. فهذا اليوم للسيد رب الجنود يوم نقمة للانتقام من مبغضيه، فيأكل السيف ويشبع ويرتوي من دمهم. لأن للسيد رب الجنود ذبيحة في أرض الشمال عند نهر الفرات)).

اصعدي إلى جلعاد وخذي بلسانا يا عذراء،لا رفادة لك. قد سمعت الأمم بحزنك، وقد ملأ الأرض عويلك، لأن بطلا ينصر بطلا فيسقطان كلاهما معا)).

في النص السابق، تتجلى لنا ثلاث شخصيات تمثل الأبطال الحقيقيين للمشهد المحزن وهم : امرأة ورجلان.

النص يصف المرأة بأنها (لا رفادة لها) أي بلا سند ولا دعم حيث قُتل من كان يسندها (6)، وهذا المرأة كثر عويلها، حتى وصل إلى أسماع العالم، واشتهر حزنها حتى ملأ الأرض.

أما الشخصية الثانية، فهو شخصية مقدسة جدا، كان بطلا تحرك من أجل العدل، ولعل وصف النص له بأنه (للرب ذبيحة على شاطئ الفرات)، يعكس لنا مدى قدسية هذا الشخص الذي ارتبطت ذبيحته بالرب الله، لا كما يقول البعض بأن هذه الذبيحة هي الأمم الوثنية. متى كانت الذبائح الوثنية للرب؟ وكذلك لم نجد منذ زمن إرمياء النبي، وإلى هذا اليوم شخصاً مقدساً مات مذبوحا بالقرب من الفرات، غير القديس الحسين بن علي بن أبي طالب عليه مراضي الرب. ومن عنده غير هذا الكلام فليأتني به.(7)

وأما الشخصية الثالثة، فبما أنه ارتبط بالشخصية الأولى، وكان ناصراً، ترك تأثيرا قويا على أحداث شاطئ الفرات، ومن هنا قرنه الرب في النص فعبّر عنه بأنه (بطلا ينصر بطلا فيسقطان كلاهما معا)).

وأيضا وعلى طول شاطئ الفرات لم نجد شخصا وقع مع ذبيحة الرب على شاطئ الفرات غير العباس بن علي بن أبي طالب عليه مراضي الرب.

المصادر والتوضيحات

1- سفر إرميا 46: 12 .

2- افتتاحية سفر إرميا 49 : 1 .

3- هو السيد المقدس صدر الدين القبانجي حيث ايد كثيرا مما ذكرته استنادا إلى المصادر المتوفرة بين يديه ومنها قواميس اللغة وغيرها، وقد صحح لي كلمة وردت في نص إرميا حيث اعترض على كلمة ( يصدم) فقال بأنها لا تُناسب السياق لغويا والمفروض أنها تكون يعضد مما اضطرني إلى الرجوع إلى النسخ الأصلية للنص الآرامي ثم اليوناني، فوجدت أن قوله صحيح وإنما التحريف وقع من قبل المترجمين. وكذلك دار نقاش حامي بيني وبين بعض آباء الكنيسة انسحبوا فيه نظرا لقوة ما قدمته لهم من ادلة.

4- الترجمة السبعينية هي الترجمة اليونانية للعهد القديم التي أجريت في القرن الثالث قبل الميلاد. وبسبب عدد اليهود الذين لايعرفون العبرية قام اثنان وسبعون من الأحبار بالترجمة. ويرمز لها بعددها اللاتيني LXX أي سبعون. فانظر إلى دقتها حيث اشرف على ترجمتها هذا العدد الكبير من الاحبار.

5- هذا الموضوع من اكثر المواضيع قراءة ويوجد في مواقع كثيرة وهذا رابط احدها وهو الجزء الثاني من البحث

http://kitabat.biz/subject.php?id=28604

وهذا رابط الجزء الأول http://kitabat.biz/subject.php?id=28566

في كلا الرابطين توجد الترجمة الإنكليزية، وهو من ترجمة الأخت نورا الجادري وفقها الرب . ولكن مما يؤسف له، أن هناك من قام بوضع نسخة مزيفة، حيث ذكر فيها اسما ولقبا دينيا، لكي يوقع بيني وبين مؤسسة دينية كبرى، ولكني ومن أجل كشف هذا التلاعب، طلبت من الجميع الرجوع إلى صفحتي لنسخ الموضوع، وعدم الاعتماد على ما في المواقع الأخرى.

6- أحد معاني كلمة (رفادة) كما في قاموس المعاني هو: رفَد الحائطَ: سندَه ودعَمه. أي الداعم والمساند.

7- اقتبس هذا النص من بحثي السابق عن نبوءة قتيل شاطئ الفرات:

((حتى التقيت بالأب صبيح بولس بيروني وسألته عن النص الذي يذكر بأن هناك ذبيحا على شاطئ الفرات، فمن يكون هذا الذبيح؟. فنظر إلي مليا ثم قال: لولا انك مسيحية وباحثة في علم اللاهوت وان هذا ضمن دراساتك ما اجبتك على سؤالك ولكني سأجيبك. قال: أولا إن شاطئ النبوءة يمتد طولا على امتداد نهر الفرات من منابعه وحتى مصبه في البصرة. ولكنني استطعت أن احصر منطقة الحدث في صحراء تقع في العراق بالقرب من بابل. الثاني: بحثت ايضا عن تفسير هذه النبوءة فوجدت أنه من تاريخ نزول هذه النبوءة وحتى يومنا هذا لم تتحقق هذه النبوءة إلا مرة واحدة. قلت له: واين المكان ومن هو الذبيح؟ قال: إن النبوءة تتحدث عن شخص مقدس (ابن نبي) وهو سيّد عظيم مقدس اسمه تاريخيا (اله سين) موجود اسمه في إرميا الطبعة السبعينية. ولما سألت قداسة الاب بطرس دنخا كبير الاساقفة والمتخصص في التاريخ عن معنى كلمة ((إله سين)) قال: إن العرب كانوا في جنوب العراق يقلبون الهاء حاء . فتصبح (الحسين) مثلما يقولون: الاهواز يقلبونها الاحواز، هذا هو المذبوح بشاطئ الفرات وهي نبوءة تتعلق بابن نبي مقدس جدا وهو سيكون سيّدا في السماء)).

12/محرم الحرام/1436