الاعتدال في فكر الإمام الشيرازي


 

 

عادل الصويري

موقع الإمام الشيرازي

 

ينطلق المجدد الشيرازي الثاني، من خصوصية إسلامية تنتمي للفكر المحمدي الأصيل، في تقديم رؤيته الخاصة بمستقبل الإنسانية القائم على مفاهيم الحرية والاعتدال، راسماً بهذه الخصوصية مسارات وصياغات تستشرف الآفاق المستقبلية المنظورة.

ويعتقد الإمام الشيرازي أنَّ أهم مكون من مكونات الاعتدال؛ هو الرجوع للإسلام الحضاري، ولجذوره المتسامحة التي حققت "تقدماً حضارياً بخطوات بعيدة في باكورة ظهوره، فأخذ بزمام العالم، وهذا لم يتم في فراغ، إنما كانت دعائم يستند إليها، أقام على أساسها بناءه الحضاري"(1).

ولعل قيم العدل والإحسان في الفكر الإسلامي من أهم هذه الدعائم التي أشار إليها الإمام الشيرازي الراحل مستشهداً بآيات من القرآن الكريم، وبالأحاديث الشريفة، والروايات الواردة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ومنها:

1 قوله تعالى: "ياأيها الذين آمنوا كونوا قوّامينَ لله شهداء بالقسط ولايجرِّمنَّكم شنآنَ قومٍ على قوم أن لا تعدلوا أعدلوا هو أقربُ للتقوى / المائدة 8".

2 عن الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: العدل أحلى من الماء يصيبه الظمآن، ماأوسع العدل إذا عدل فيه وإن قل / وسائل الشيعة، جزء11، ص233"

فالعدل بمفهوم الإمام الشيرازي؛ تناله الروح كما الشهوة التي ينالها الجسد، وبذلك يكون عامل الطمأنينة النفسية، والإحساس بالأمان الداخلي السُلِّمَ الأوَّلَ للارتقاء إلى قيم الاعتدال والتكامل على طريق الخير والصلاح.

إن التحديات التي تواجه الانسان اليوم؛ كفيلة بأن تجعل التكاتف في الجهود من ضرورات تأصيل الاعتدال كمشروع فكري لابد من المساهمة فيه بشكل يبتعد عن الفردانية في الطرح، والاعتماد على الجهد الجماعي ضمن إطار العمل المؤسسي الرصين.

ولعل النظرية الأهم والأنسب لتكون ركيزة الانطلاق صوب اعتدال حقيقي؛ هي نظرية اللاعنف التي تفرد الامام الشيرازي بطرحها كنظرية معرفية مقدماً السبل والآليات التي تضمن وصول البشرية لبر الأمان فيقول: "أن يعالج الإنسان الأشياء سواء كان بناء أو هدماً بكل لين ورفق، حتى لايتأذى أحد من العلاج، فهو بمثابة البلسم الذي يوضع على الجسم المتألم حتى يطيب"(2).

ونلاحظ كيف أنه يركز حتى على كيفية علاج المشكلة، وليس فقط بطرح آلياتها وهذا قمة الاعتدال لو تدبرنا جيداً.

ويعتقد المجدد الشيرازي بضرورة أن تتبنى المؤسسات التي تنشد الاعتدال عملية إيقاف المبادىء والسلوكيات التي تعمل بأجندات لنخر الجسد الانساني عبر ترويج أفكار الالحاد والحريات الفوضوية، وعدم الاكتفاء ببعض الأدوار الفردية كخطبة وعظية، أو مقال صحفي، أو بعض الاجراءات التي تقوم بها الدولة وفيها شيء من الشدة مايولد ردات فعل غاضبة ومتشنجة تأتي بنتائج عكسية، بل يدعو لثورة ثقافية مجتمعية كبرى تواجه هذه السلوكيات والمبادىء التخريبية.

فالاعتدال في مفهوم المجدد الشيرازي يمثل علاقة بين الذات والمحيط؛ لذلك يركز في كل طروحاته على النصوص التي تمثل جوهر الفكر الاسلامي الذي ينتمي اليه كونها تكرس كل المفاهيم التي تقود إلى الحرية والعدل وغيرها من مكونات الحياة الحضارية، ولأنها تكشف الأقنعة التي تخفي أهدافاً تسعى لتحقيقها شبكات السياسة والاقتصاد المتاجرة بالوجود البشري من أجل تحقيق وغايات تتعلق بالأدلجة والنفوذ، بينما يركز هو على أهداف وغايات أكثر عمقاً تغوص في الحقائق الكبرى من خلال ثقافة حية يمثل التسامح بنيةً رئيسة لها، وهو عين ما يتوخاه الفكر الإسلامي المضيء من "تهذيب الإنسان وتمكينه من العيش في هذه الحياة الأولى والحياة الآخرة بأمن وسلام، وقد تحقق ذلك في فترة حكومة القوانين الإسلامية التي طبقها رسول الله صلى الله عليه وآله والإمام أمير المؤمنين عليه السلام"(3).

ويقارن الإمام الشيرازي بين الرؤية الإسلامية وسائر الحضارات في قضية تهذيب النفس البشرية فيصل لنتيجة أن التهذيب الذي مارسته الحضارات المختلفة منقوص على نحو (المقتضي لا العلة التامة) كونها حضارات مادية تحفز على الازدياد والكشف فلن تستطيع اقناع النفس بالاكتفاء مايؤدي لوصوله لمرحلة الفساد والطغيان.

ولأن شمولية مفهوم الاعتدال تعني أن لكل شيء مسارات إيجابية وسلبية؛ لابد أن تكون آليات الاعتدال واعية لهذه الشمولية، إذ لايمكن أن يتم غض النظر عن مسببات الدمار وجذورها الفكرية والإيديولوجية حتى يطلق علينا وصف المُعتدلين؛ لأن مثل هكذا اعتدال أعمى سيزيد من مساحة الخدر العقلي. نعم من الضروري أن يكون النقاش في أي موضوع هادئاً بعيداً عن الاستفزازات غير المبررة؛ وفي ذات الوقت؛ لابد أن تكون مصارحات ومكاشفات موضوعية تسهل في الوصول لنتائج إيجابية، وهنا يتحقق الاعتدال ببصيرة واعية لاتمنح نفسها لأي سلطة ترميها في متاهات حالكة. وطالما استند الاعتدال لجذره الأصلي ممثلاً برسالات السماء وتعاليمها السمحاء، والبعيدة عن تناقضات البشر؛ سيتعزز توهجه ويكون مصدراً لإلهام البشرية على تنوع ثقافاتها، مع التركيز على ممارسة النقد الذي يؤدي بالثقافة إلى التصحيح، وإدراك التحولات مع اشتراط الوسائل السلمية والاستناد للمشتركات التي تجمع الانسانية في تقديم الحلول، وعدم اللجوء إلى الوسائل العنفية لفرض واقع أو فكرة؛ لأن الحلول العنفية أثبتت وتثبت على الدوام عدم جدواها وفشلها في معالجة المشكل الانساني المزمن.

---------------

(1) السيد محمد الحسيني الشيرازي، عالم الغد، الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام، ص679

(2) السيد محمد الشيرازي، الفقه، كتاب الدولة الإسلامية، ط1، مج102، ص80

(3) الإمام الشيرازي، فقه السلم والسلام، مركز الرسول الأعظم للتحقيق والنشر، ص33

 

شبكة النبأ

22/ رجب الأصب/1438هـ