الإمام المهدي في التوراة والإنجيل (6)


 

 

موقع الإمام الشيرازي

 

جاء في نبوءة النبي إرميا (عليه السلام):

«مَنْ هذا الصاعدُ كالنيل كأنهارٍ تَتلاطَمُ أمواجُها.

تَقدَّمي أيَّتُها الخيل، ولِتَخرج الأبطال.

فهذا اليوم للسيِّد ربِّ الجنود (أي لله تعالى)

يومُ نقمة للانتقام من أعدائه ومبغضيه،

فيأكلُ السيفُ ويشبع ويرتوي من دمائهم.

لأنَّ للسيِّد ربِّ الجنود ذبيحةً في أرض

الشِّمال عند نهر الفرات» (إرميا 46 : 7 - 10).

فَمَنْ هذا الذي سينهض بأمر من الله (عز وجل) بقوة وعزيمة، ليثأر وينتقم لذبيحة الله، الإمام الحسين (عليه السلام)، التي ذُبحت عند شاطئ الفرات ظلماً وعدواناً، في يوم العاشر من محرم الحرام على أرض كربلاء؟! وما هي الجذور العائلية لهذا الشخص وأين يتواجد عادة؟

وللإجابة عن هذا التساؤل، والتعرُّف إلى هذا الشخص العظيم في نبوءة نبي الله إرميا (عليه السلام)، نعود إلى سِفْر الرؤيا لنقرأ، في فَصْلِه الأول، هذا الكشف الذي أطْلَعَ اللهُ تعالى عليه صاحب سفر يوحنّا اللاهوتي، الذي أخبر بقوله:

«أنا يوحنّا أخوكم وشريككم في المحنة والملكوت والثابت في يسوع.

كنتُ في جزيرة بَطْمُسَ([1]) من أجل كلمة الله ومن أجل شهادة يسوع المسيح.

كنتُ في الروح في يوم الربِّ، فسمعتُ خلفي صَوْتاً قويّاً كصوت بوقٍ.

فالتفتُّ لأنظر إلى الصوت الذي يُخاطبني،

فرأيتُ سَبْعَ منائر من ذَهَبٍ تُحيط بما يشبه ابنَ إنسان، وهو يَلْبَسُ ثوباً طويلاً إلى قدميه» (سفر الرؤيا1: 9، 12 – 13).

تبين الباحثة المسيحية «إيزابيل بنيامين ماما آشوري»، الضليعة في نصوص الكتاب المقدس، في بحثها القيِّم الذي أجرته للتعرف إلى هذا الشخص الذي تحيط به المنائر المُذَهَّبَة السبع، فتقول في الرد على رجال الكنيسة الذين قالوا إن المقصود بالمنائر الذهبيّة السبع، هي الكنائس السبع التي كانت موجودة زمن يوحنّا صاحبِ هذه الرؤيا:

«لم تكن هناك كنائس في أنحاء الإمبراطورية الرومانية عند كتابة هذه الرؤيا. فهل يستطيع أحدٌ أن يَدلَّنا على مكان هذه الكنائس السبع ذات «المنائر المُذَهَّبَة»  منذ زمن يسوع وحتّى زمن كتابة يوحنّا اللاهوتي لهذه الرؤيا؟

وإذا كانت النبوءة تتحدَّث عن حالة مستقبلية تُبنى فيها تلك الكنائس، فلماذا لم يقم المسيحيون ببناء كنائس سبع ذات منابر ذهبية وبذلك يكونون قد حقَّقوا نبوءة الكتاب المقدس؟

الغالبية من المفسرين يزعمون بأن هذه الكنائس في تركيا، ولكن لم يذكر التاريخ أن كنائس بهذه المواصفات تم بناؤها في تركيا.

ثم هل هذه الكنائس السبع في تركيا كلها تقع على ضفاف شاطئ الفرات؟! كلا هي ليست كذلك لأن الكنائس، التي بُنيت فيما بعد، يقع أغلبها في أعالي الجبال والسفوح وعلى سواحل البحار.

وبعد البحث تاريخياً وجغرافياً، تبين أن هذا الوصف ينطبق على القباب أو المنائر السبع في (العراق)، لأن كلها يقع على ضفاف شاطئ الفرات، امتداداً من سامراء، مروراً بالكاظمية وكربلاء والنجف.

فهذه الأضرحة ذات القباب الذهبية السبع تقع على بعد بضع مئآت من الأمتار عن نهر الفرات منها:

اثنان في سامراء

واثنان في الكاظمية

واثنان في كربلاء

وواحدة في النجف

فهل يستطيع أحد أن يدلنا على قباب اجتمعت على نهر الفرات أو بالقرب منه غير هذه؟ وهذه المنائر الذهبية السبع هي حالة رمزية، ترمز إلى أجساد بشرية، على درجة عالية من القداسة، وترمز إلى أنهم سوف يكونوا كالفنّار[2] الذي يهدي السفن التائهة في البحور الهائجة، ويقودها إلى بر الأمان. ومن بين هذه القباب سيخرج شخص يحكم العالم هو الذي وصفه يوحنا بانه شبيه ابن انسان.

ثم تقول الباحثة إيزابيل آشوري: وأنا أتحدى العالم المسيحي بِرِمَّته، أن يُثبت لي أنَّ المنائر الذهبية من أسماء أبراج الكنائس. وأن سياق الرؤيا برمته يتكلم عن شاطئ الفرات. والنبوءة تتوزع بين الأرض والسماء.

ومن ذلك، يتبين أن هذا الشخص العظيم الذي ورد ذِكرُه في نبوءة إرميا، ورؤيا القديس يوحنّا، ما هو إلا الإمام المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، حفيد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم). الذي سيكون انتقامه شديداً ويطال أشرار العالم، ولذا قال إرميا (عليه السلام) في نبوءته: «فهذا اليوم للسيّد ربِّ الجنود يوم نقمةٍ للانتقام من مبغضيه».

ويبدو أن معركة شديدة ضروساً سوف يخوضها الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ضد أعداء الله، بالقرب من شواطئ الفرات الممتدة من أواسط تركيا إلى جنوب العراق.

وتشير رؤيا يوحنا إلى أن الصراع بين أولياء الله وأولياء الشيطان لم يتوقف باستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، بل استمر بين الفئة المؤمنة بالله بقيادة رجال أقوياء في دينهم وإيمانهم، من نسل فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وبين قوى البغي والاستعمار والفساد.

وقد تعرَّض أبناء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، على امتداد التاريخ الإسلامي، إلى اضطهاد السلطات الحاكمة في البلاد الإسلامية. وإلى اليوم، فقد تضافرت على اضطهادهم قوى الظلام والاستبداد والضلال والتكفير. فهذا العراق وهذه سوريا وذاك اليمن، ولكن شيعة علي بن أبي طالب، كانوا ومازالوا، يواجهون كل هذه التحديات بصبر وإرادة وبطولة وبسالة.

 

يتبع..

20/ ذو القعدة/1438هـ


([1]) بَطْمُسُ: جزيرة صغيرة في بحر إيجة، تبعد 100كم عن مدينة أفسس التي تقع أنقاضها اليوم، بالقرب من سلجوق الحالية على شاطئ بحر إيجة في تركيا. وجزيرة بطمس كانت منفى أشخاص لا ترغب فيهم السلطة الرومانية الحاكمة.

[2] الفَنار: مصباح قوي الضوء يُنصَبُ على سارية عالية، أَو شبه برج مرتفع لإِرشاد السفن في البحار والمحيطات إِلى طرق السير وتجنّب مواطن الخطر.