من الأربعين .. تلاوة القرآن فوق القناة


(من كتابات الإمام الشيرازي الراحل)

 

موقع الإمام الشيرازي

 

    جاء في التاريخ أن ما يقرب من عشرين مورداً تلا رأس الإمام الحسين (عليه السلام) آيات القرآن الحكيم، وتكلّم وهو مفصول عن بدنه الشريف، مرفوع فوق القناة، أو موضوع في الطست، أو غير ذلك، وهذا إن دل على شيء، فهو يدل على ما يلي:

1ـ أن الإمام الحسين (عليه السلام) من حيث انه هو سيد الشهداء من الأولين والآخرين بعد جده وابيه، وأمه وأخيه، صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين، فهو (عليه السلام) حي كما قال تعالى عن الشهداء: (أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)(سورة آل عمران، الآية 169).

2ـ أن الإمام الحسين (عليه السلام) من حيث إنه من أهل البيت، الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، فهو (عليه السلام) حي، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) لم يكن موتهم كموتنا، بل موتهم كحياتهم (عليهم السلام).

ففي الحديث أن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما قال له عمه العباس بن عبد المطلب: إن الناس قد اجتمعوا ليدفنوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بقيع المصلى، ويؤمهم رجل منهم للصلاة عليه، قال: (إن رسول الله إمام حياً وميتاً، وقال: إني أدفن في البقعة التي اقبض فيها). ثم قام على الباب فصلى عليه، ثم أمر الناس عشرة عشرة يصلون عليه ويخرجون.(أصول الكافي، ج1، ص522)

وعن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (سمعته يقول: ما لكم تسؤون رسول الله. فقال رجل: كيف نسؤوه؟ فقال أما تعلمون أن أعمالكم تعرض عليه، فإذا رأى فيها معصية ساءه ذلك، فلا تسؤوا رسول الله وسرّوه)(أصول الكافي، ج1، ص277).

وعن الوشاء قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: (إن الأعمال تعرض على رسول الله، أبرارها وفجارها)(أصول الكافي، ج1، ص276).

وغيرها من الأحاديث الدالة على حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته المعصومين (عليهم السلام)، وفي بعضها الاستدلال بقوله تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)(سورة التوبة، الآية 105).

3ـ أن الإمام الحسين (عليه السلام) هو القرآن الناطق، وأنه كما عيّنه جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوله المعروف عند الفريقين: (إني مخلّف فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي...)( بحار الانوار، ج5، ص68)، هو عدل القرآن، والحافظ له، والذابّ عنه.

4ـ أن الإمام الحسين (عليه السلام) هو الإمام المنصوب من عند الله تعالى على الناس، وحيث أن كتاب الله هو الدستور الإلهي الذي يجب على الإمام الذي نصبه الله تعالى تطبيقه، فهو (عليه السلام) يقرؤه حتى بعد شهادته تطبيقاً له في كل نصوصه وجميع موارده.

فمثلاً: عندما يحاذي (عليه السلام) غرفة زيد بن ارقم في الكوفة يقرأ قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً). يقول زيد: فقفّ والله شعري عليّ وناديت: (رأسك يا ابن رسول الله أعجب وأعجب)(بحار الأنوار، ج45، ص121).

وعندما يضع يزيد الرأس الشريف في الطست ويبسط عليه، تجاسراً وعناداً وظلماً وكفراً، بساط خمرة والشطرنج، فيشرب ويلعب ثم ينكت بقضيبه ثنايا أبي عبد الله (عليه السلام)، يقرأ (عليه السلام) قوله تعالى: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)(سورة الشعراء، الآية 227). فيهزّ المجلس على من فيه، ويزلزل عرش يزيد، ويبطل سلطنة بني أمية الغاشمة على المسلمين.

5ـ إنه يدل على أن الإمام الحسين (عليه السلام) كم كان يهتم بالقرآن الحكيم؟ وإنه كم للقرآن الكريم من عظمة وأهمية، بحيث انه (عليه السلام) يؤكد عليه وعلى تلاوته، وعلى تطبيقه دستوراً إلاهياً في الحياة، حتى بعد شهادته (عليه السلام) ورفع رأسه فوق الرمح الطويل؟

 

17/ صفر المظفّر/1439هـ