مكافحة الفقر في منهج الإمام علي بن أبي طالب (7)


 

 

السيد مرتضى الشيرازي

 

الفقير

تثقيفه، واجباته ومسؤولياته، طرقه نحو الثراء

 

تمهيد:

تتوزع مباحث هذا الباب على محاور ثلاثة:

المحور الأول: يبحث عن الرؤية العامة تجاه الفقر، وعن الثقافة التي ينبغي للفقراء أن يثقفوا بها أنفسهم، بحسب ما يُستفاد من تعليمات الإمام أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام.

المحور الثاني: يتضمن الإشارة إلى بعض أهم واجبات الفقير، كما يتضمن – وبالدلالة الالتزامية – بعض أهم مسئولياته.

المحور الثالث: يتناول الطرق والسبل والآليات والعلل المعدّة([1]) التي يمكن للفقراء أو التي يلزم عليهم ان يلتزموا بها كي يخرجوا من دائرة الفقر.

وغير خفي أن الكثير من هذه الطرق والآليات، وتلك المسؤوليات والواجبات، ليست خاصة بالفقراء، بل هي عامة تشمل الطبقة المتوسطة والأغنياء أيضاً([2])، إلا اننا خصصنا الفقراء بالذكر لمسيس حاجتهم إليها .

كما أن من الضروري التنبيه إلى أن بعض ما أدرج في دائرة المسؤوليات، يصلح أن يدرج في محور الطرق والسبل، وبالعكس، مع بعض التحوير والتطوير نظراً لاشتمال تلك العناوين على كلتا جهتي المسؤولية والطريقية والعلية الاعدادية([3]) .

ولم نأخذ على عاتقنا استيعاب كلمات ورؤى أمير المؤمنين حول هذه المحاور الثلاثة، فإن ذلك يستدعي كتابة مجلد ضخم بل أكثر، بل اقتصرنا على مقتطفات وشذرات ودرر وفوائد، وباختصار وإيجاز.

ثم إننا اعتمدنا في اختيار كلمات الأمير (صلوات الله عليه) على كتاب (المال، أخذاً وعطاءاً وصرفاً) الذي يقع ضمن موسوعة (الفقة) الكبرى للسيد الوالد (قدس سره)، فاقتطفنا بعض ما استعرضه من أحاديث شريفة، وأضفنا عليه بعض التعليق أو الشرح والتوضيح.

 

المحور الأول

الرؤية العامة تجاه الفقر

وكيف يجب أن تكون ثقافة الفقراء؟

 

طلب الحلال عبادة

عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث طويل: أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) سأل ربّه سبحانه وتعالى ليلة المعراج فقال: يا ربّ أيّ الأعمال أفضل؟ - إلى أن قال -: فقال الله تعالى: يا أحمد، إنّ العبادة عشرة أجزاء، تسعة منها طلب الحلال فإنْ أطيب مطعمك ومشربك، فأنت في حفظي وكنفي.([4])

وهنا سؤالان:

السؤال الأول: كيف يكون طلب الرزق الحلال عبادة؟

الجواب: إن (العبادة) هي ما يتقرب به إلى الله تعالى، وهي ما يتعبدنا به الرب، وكما يتقرب العبد إلى الله تعالى بـ(الصلاة) لأنها مما يحبه الله تعالى، كذلك يتقرب العبد إلى الله تعالى بطلب الحلال لأنه مما يحبه الله تعالى.

وكما يطلب العبد رضا الله تعالى بالصلاة والحج، فإنه يطلب رضاه بأن يتّبع منهج الله تعالى ودساتيره وقوانينه في طلب المال الحلال دون المال الحرام

وكما أن (العبد) يتألق بالسمو الروحي، ويقترب إلى الله أكثر فأكثر بذلك، كذلك فإنه يتألق بالنزاهة المالية، ويقترب إلى الله أكثر فأكثر بذلك.

السؤال الثاني: لماذا (العبادة عشرة أجزاء، تسعة منها طلب الحلال)؟

الجواب: لعل من أسباب ذلك، إن (طلب الحرام) هو المنشأ الأكبر لفساد الآخرة والدنيا، إذ أليس من طلب الحرام: السرقة بأنواعها، الغش، الرشوة، الاحتكار، الربا، الغصب، القمار، وهذه ونظائرها تنسف أسس المجتمع والأمة، وتحطّم دعائم الحضارة، وتقضي على القيم والأخلاق، وتسلب الناس أمنهم الاقتصادي، بل وأمنهم الاجتماعي أيضاً.

هذا إضافة إلى أن من طلب الحلال، صحّت عباداته، أما من طلب الحرام، فسكن في دار اشتراها من أموال محرمة، أو لبس ملابس ملوثة بالحرام مثلاً، فإن (صلاته) – وهي عمود الدين – لا تُقبل منه!

 

الكسب فريضة

عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): طلب الكسب فريضة بعد الفريضة.([5])

(الفريضة) المعروفة هي الصلاة وهي (عمود الدين) و(معراج المؤمن) وهناك (فريضة) أخرى - يصرح بها هذا الحديث - وهي: فريضة (الكسب) والاكتساب، فإن الانفاق على النفس وعلى الزوجة والأولاد والأبوين والأجداد – وأيضاً: الجدَات، ولكن فتوى على رأي واحتياطاً على رأي - واجبة، وكذلك الانفاق على ما تملكه من طائر أو دابة ومواشي وأنعام ودواجن.

 

من أنواع الجهاد: الجهاد الاقتصادي

عن موسى بن بكر، قال لي أبو الحسن (عليه السلام): من طلب هذا الرزق من حلّه، ليعود به على نفسه وعياله، كان كالمجاهد في سبيل الله (عزّ وجلّ)، فإن غلب عليه ذلك، فليستدن على الله (عز وجل) وعلى رسوله ما يقوت به عياله، فإن مات ولم يقضه، كان على الإمام قضاؤه، فإن لم يقضه كان عليه وزره، إن الله (عز وجل) يقول: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين﴾([6]) فهو فقير مسكين مغرم.([7])

يسفتاد من هذا الحديث والأحاديث التالية وغيرها: أن هناك نوعاً من الجهاد هاماً جداً، هو (الجهاد الاقتصادي).

ولعله لا يقل أهمية عن الجهاد العسكري، أي (جهاد الطواغيت والمعتدين)، فإن (الجهاد الاقتصادي) هو العلة المبقية لما يتحقق بالجهاد العسكري، من مكاسب وانجازات، وهو الضمانة لاستمرار الحياة بالشكل السليم.

ولهذا الجهاد ركنان:

1- أن يطلب الرزق من مصادر مشروعة.

2- أن ينفقه في بناء الأسرة الصالحة ورعاية شؤونها، لأن (الأسرة) هي اللبنة الأساس الأولى في بناء المجتمع، فإن صلحت صلح المجتمع وإن فسدت فسد.

أما لو أغلقت الأبواب كلها على المرء، فعليه أن يستدين، فإن (الدين) باب من أبواب الحياة، وعليه أداء الدين، فإن لم يستطع فعلى بيت المال، وإذا لم يقم بيت المال - الذي تستحوذ عليه الحكومات في عالم اليوم – بذلك، كان الوزر والإثم والعقاب من نصيب القائمين عليه، اي كافة المسؤولين ممن ترتبط به هذه الأمور بوجه!

ثم إن الحديث عن (بيت المال) في معادلة الدولة، وعن بيت المال الذي هو بحوزة الإمام العادل، ثم الذي يصل من الأموال إلى الفقهاء الجامعي الشرائط، وتحديد الأولويات والحدود وغيرها، لَهَوَ حديث طويل، وقد بحث السيد الوالد جوانب كثيرة من ذلك في (الفقه: الدولة الإسلامية) (الاقتصاد) وغيرهما، ولعل الله تعالى يوفق لكتابة دراسة مستوعبة عن ذلك.

 

هرم السعادة: التقوى، الصحة، والمال

وقال (عليه السلام): ألا وإنّ من النّعم سعة المال، وأفضل من سعة المال صحة البدن، وأفضل من صحة البدن تقوى القلب.([8])

إن (سعة المال) هي من النعم الإلهية، وليس (الفقر) فانه مصيبة، لكن الرواية تحدد في الوقت ذاته (هرم السعادة) إذ تقع في أعلى الهرم (تقوى القلب) والورع عن محارم الله، لأن (التقي) هو السعيد حقاً حقاً، ثم تقع (صحة البدن) في وسط الهرم، ثم تقع في آخر الهرم (سعة المال)، لوضوح أن صحيح البدن، وإنْ كان فقيراً، هو أسعد حالاً من سقيم البدن – كمبتلى بمرض عضال كالسرطان أو الإيدز، أو الزهايمر أو حتى أمراض القولون وشبهها – وإن كان سقيم البدن ذا مال، وهذا يعني أن لا يضحي المرء بصحته، لأجل أن يحصل على أموال لمجرد أن يتضخم رصيده في البنك مثلاً.

 

من غايات الثروة وأهدافها:

 أ- الاعطاء في النوائب وتخفيف أثقال الناس

عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): الفقر خيرٌ لأمتي من الغنى، إلاّ من حمل كلاَّ أو أعطى في نائبة.([9])

(الغنى) لا يحمل قيمة ذاتية، بل قيمته طريقية، إذ يهدف به:

من جهة أن (يحمل كلّا)، كتكفّل شؤون الأيتام والأرامل والمساكين، بل وكتكفل شؤون الأسرة، بل وحتى تكفل شؤون (العشيرة) و(المنظمة) و(النقابة)، وكتكفل شؤون وأعباء (المرجعية) أيضاً.

ومن جهة أخرى، أن (يعطي في نائبة) كالمساعدة في حوادث الزلزلة، والأعاصير والفيضانات، بل وفي أمواج الكساد التي تعصف أحياناً بالسوق وغيرها.

ب - صيانة الأعراض

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض خطبه: إنّ أفضل الفِعال صيانة العرض بالمال.([10])

إن الحصول على المال، مطلوب، ولكن لا لذاته، بل لتحقيق جملة من الأهداف، ومنها (صيانة العِرض)، والعِرض أعم من عِرض الشخص والأسرة والشعب والأمة، والحضارة والدين أيضاً، وهذا يعني ضرورة أن تبذل الأموال حفاظاً على (الكرامة الاجتماعية) وعلى (حسن السمعة)

ثم إن لصيانة العرض بالمال، مردوداً اقتصادياً أيضاً، فإن التاجر ذا السمعة الحسنة يكسب، بأمانته وحسن سمعته، ثقة الناس، فيقبلون على التعامل معه، فتزداد ثروته.

وعن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) إنه قال: حصنّوا الأعراض بالأموال([11]) .

وهو أمر والأمر دال على الوجوب

والظاهر إنصراف (الأعراض) إلى ما كان حفظه واجباً، وإلا استحب التحصين.

وقال (عليه السلام) أيضاً: خير أموالك ما وقى عرضك.([12])

فإن (الخير) بالجوهر لا المظهر، وبسمو الروح لا فخفخة المادة، والعِرض هو الجوهر وهو الجوهرة، والمال هو المادة والشكل والمظهر.

وقال (عليه السلام) أيضاً: لم يذهب من مالك ما وقى عِرضك.([13])

وذلك لأن (المال) تحول إلى قيمة أسمى، وتجسّد في صورة عليا، ولأنه يجرّ إليك (الأموال) أيضاً، كما سبق.

وقال (عليه السلام) أيضاً: من النبل أن يبذل الرجل نفسه ويصون عرضه.([14])

 

(العِرض) معانيه ودوائره

(العرض) مفهوم متعدد الأبعاد، ذو دوائر متعددة:

الدائرة الأولى: العِرض بالمعنى الأخص، ويعني الشرف الشخصي والعائلي في بُعده الأخلاقي.

الدائرة الثانية: العرض بالمعنى الأعم، ويشمل كافة ما يرتبط بالمكانة الاجتماعية وحسن السمعة الأخلاقية، والمالية، والإدارية وغيرها، كما يشمل عرض الشخص، وعرض عائلته، وعِرض حزبه أو عشيرته أو خطه وتياره، وعرض دولته، وعرض أمته أيضاً.

قال في مجمع البحرين مادة عرض (قيل هو موضع المدح والذم من الإنسان، سواء أكان في نفسه أو سلفه أو من يلزمه أمره. وقيل هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه ويحامي عنه ان يُنتقص ويعاب).

وفي الرؤية العامة تجاه المال، لا بد أن يكون (المال) هادفاً، ومن أهم الأهداف صيانة الأعراض في كلتا الدائرتين.

وعلى هذا فلا بد للأفراد، والعوائل، والتجمعات والمنظمات والأحزاب والدول، والشعوب أن تخصص مقادير جيدة، من الأموال، لكي تحظى بسمعة حسنة وذِكر جميل، بين الأمم، وفي داخل دوائر المجتمع، ولدفع أنواع التهمة والغيبة والانتقاص، ولكي يشتهر الشخص بالأمانة والإخلاص والأخلاق والبِرّ والتقوى والعمل الصالح والكفاءة والخبروية والجد والاجتهاد والروح الرياضية والشورية، إضافة إلى تحلِّيه واقعاً بكل ذلك. وقد قال النبي إبراهيم (عليه السلام): (واجعل لي لسان صدق في الآخرين)

كما تلزم صيانة العِرض الأهم بالعرض أيضاً، ولذا قال عليه السلام: وقّر عرضك بعرضك تكرّم وتفضّل تُخدم وأحلُم تقدَّم.([15])

والروايات الواردة عن أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) ترشدنا إلى أن من اللؤم انتهاج عكس ذلك، فقد قال (عليه السلام) أيضاً: من اللؤم أن يصون الرجل ماله ويبذل عرضه.([16])

وقال (عليه السلام) أيضاً: وفور الأموال بانتقاص الأعراض لؤم.([17])

بل أن (الأعراض) تبلغ أهميتها درجة أن يقول الإمام (عليه السلام)، كما سبق: (من النبل أن يبذل الرجل نفسه ويصون عرضه).([18])

وهذا يعني فيما يعني (التضحية) بالنفس في سبيل صيانة (العرض). ومن الناحية الشرعية لذلك مصاديق منها: الدفاع عن (العِرض) أي عن أهله – من أم وأخت وزوجة وبنت وغيرهن – أن تنتهك أعراضهن ومنها: الدفاع عن (العرض) أي عن سمعة الإسلام والمسلمين أن تلوث، بل تبلغ أهمية العِرض: درجة أن أفتى بعض الفقهاء – ومنهم السيد الوالد – بحرمة إجراء (الحدود)، إذا كان فيها تلويثاً لسمعة الإسلام والمسلمين، على تفصيل ذكره في (الفقه الدولة الإسلامية) وغيرها.

وقال (عليه السلام) أيضاً: وقوا أعراضكم ببذل أموالكم.([19])

ج - الإنفاق في طريق الطاعة

قال الإمام علي (عليه السلام): إنّ أعظم الحسرات يوم القيامة، حسرة رجل كسب مالاً في غير طاعة الله، فورثه رجلٌ، فأنفقه في طاعة الله سبحانه وتعالى، فدخل به الجنّة ودخل الأوّل به النار.([20])

 

(المال) هو الجسر الرابط بين الدنيا والآخرة:

فقد يشتري به الإنسان (السعادة) في الدنيا و(الجنة) في الآخرة، وهذا هو الذي يكسب المال من حِلّه وينفقه في محله.

وقد يشتري به (الشقاء) و(الأعداء) و(البغضاء) في الدنيا و (النار) في الآخرة، وهذا هو الذي (كسب ما لا في غير طاعة...)  .

وقال الإمام علي (عليه السلام): لم يرزق المال من لم ينفقه.([21])

هل للمال قيمة (موضوعية)؟.. كلا وألف كلا.. إذ ما قيمة المال (الجامد) المخزون في الصناديق أو المكتنز في الأرض أو حتى في المصرف والبنك؟

بل (المال) له القيمة (الطريقية)، بأن تستخدمه في إسعاد عائلتك وجماعتك وشعبك، وفي تنشيط الحركة الاقتصادية وقد قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ). ولذلك يقول الإمام: (لم يرزق المال من لم ينفقه)، فمن لا ينفق المال في (التعليم) و(الصحة) و(الأمن) و(التقدم والازدهار) لنفسه وأسرته ومجتمعه، هو في الواقع (محروم من المال).

د - (السعادة في الدنيا) و(الفلاح) في الآخرة

عن أمير المؤمنين (عليه السلام): يا ابن آدم، لا يكن أكبر همّك، يومك الذي إن فاتك لم يكن من أجلك، فإن همّك يوم، فإنّ كلّ يوم تحضره يأتي الله فيه برزقك، واعلم أنّك لن تكتسب شيئاً فوق قوتك، إلاّ كنت فيه خازناً لغيرك، تكثر في الدنيا به نصبك، وتحظى به وارثك، ويطول معه يوم القيامة حسابك، فاسعد بمالك في حياتك، وقدّم ليوم معادك زاداً يكون أمامك، فإنّ السفر بعيد، والموعد القيامة، والمورد الجنّة أو النار.([22])

(المال) ليس هدفاً بل هو وسيلة، والهدف أمران:

1- أن تكون سعيداً في الدنيا، (فأسعد بمالك في حياتك)، وجوهر السعادة في أن تُرضِي بأموالك ربَّك، وبأن تُرضي بأموالك أهلَك وجيرانك وعشيرتك وشعبك، بأن تبذل لهم وتنفق عليهم وتمنحهم من العطايا والهدايا والخيرات والمبرات ما يجعلك القمة في الإنسانية، وبذلك كله تُرضِي ضميرك ووجدانك أيضاً.

2- أن تعمرّ بأموالك، آخرتك فإنها دار مقرِّك وفيها مستقُّرك؛ وكما وجدنا فإن الهدفين مترابطان برباط وثيق، بل أن أحدهما هو الوجه للآخر.

 

الفقر ضارّ

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): الفقر يُخرِس الفَطِن عن حجّته، والمقل غريب في بلدته، ولكن لماذا يخرس الفقر الفطن عن حجته؟ والجواب هو أن الفقير لا يملك وسائل وآليات الدفاع عن حجته وحمايتها، والترويج لها، وإقناع الآخرين بها، وهل يسمح الفقر بامتلاك جرائد ومجلات وإذاعات وفضائيات؟ وهل بمقدور الفقير أن يؤسس مدارس ومعاهد لتخريج علماء يحملون الفكر ويدافعون عنه بالحجة، ويوصلونها للآخرين؟

إذن.. على الفقراء أن يمتلكوا الثروة، إذا كانوا ذوي فكر ورسالة وهدف في الحياة.

(والمقل غريب في بلدته) لأن (المُقلّ) – الفاقد للأموال، والمعدات والأجهزة ومؤسسات البنية التحتية – لا يلتف حوله الناس، إذ لماذا يلتفون حوله؟ لذلك يكون عادة غريباً وهو في بلدته.. فلا تكن مُقِلَّا إن أردت أن لا تكون غريباً.

أفقر الناس

قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): أفقر الناس من قتّر على نفسه مع الغنى والسعة وخلّفه لغيره.([23])

وهل الفقر إلا الحرمان؟ وأي فقير أفقر من واجدٍ فاقد؟ وأي فقير أفقر من جامعٍ لغيره وحارم لنفسه رغم مسيس حاجته؟

 

ثقافة (الأمير) لا (الأسير)

وقال (عليه السلام): استغن بالله عمّن شئت تكن نظيره واحتج إلى من شئت تكن أسيره وأفضل على من شئت تكن أميره.([24])

الناس على أصناف ثلاثة:

1- (الأمير) وهو من يحسن إلى الناس ويفيض عليهم من أفضاله.

2- (الأسير) وهو من يمدّ الحاجةّ إلى الناس.

3- (النظير) وهو الذي لا يحسن للناس ولا يمدّ يده إلى الناس.

فأي الأقسام الثلاثة أفضل، وأيّ الناس تحب أن تكون؟

إن ثقافة (أن تكون أميراً) مُحسِناً للناس، لو سادت المجتمع لتحوّل أكثر الفقراء إلى أغنياء محسنين بدل أن يكونوا فقراء أسراء.

ثم إن هذه الثقافة لو سادت، لزادت إنتاجية المجتمع بشكل كبير جداً، فبدل أن يعتاد الفقراء، العيش على الصدقات والمعونات الاجتماعية وعطايا الناس أو الدولة، فإنهم من المكن أن يكونوا تجاراً أو مزارعين مبدعين أو صناعاً أو غير ذلك، عندئذٍ ألا يكون اقتصاد الوطن، بشكل عام، أقوى وأمتن وأكثر عمقاً ورسوخاً؟ نعم، ستبقى فئة لا يمكنها أبداً تجاوز حاجز الفقر _لعاهة أو غيرهاّ_، وهنا يجب على الآخرين، أن يقوموا بدورهم من (الإحسان) الذي أمر الله تعالى به: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان).

 

الأعمدة الخمسة

روي أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان إذا فرغ من الجهاد يتفرّغ لتعليم الناس والقضاء بينهم، فإذا فرغ من ذلك اشتغل في حائط له يعمل فيه بيده، وهو مع ذلك ذاكر لله تعالى جل جلاله.([25])

والمستفاد من الحديث كون الأعمدة الخمسة التالية، أساسية وضرورية، حيث أعطاها أمير المؤمنين صلوات الله عليه، الوقت والأولوية:

1- الجهاد في سبيل الله.

2- تعليم الناس وتثقيفهم.

3- القضاء وفصل الخصومات.

4- العمل باليد والكدح.

5- ذكر الله تعالى حين العمل.

 

العامل في الدنيا هو الرابح في الآخرة

وعن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنه قال: من أكَلَ من كدّ يده، مرّ على الصراط كالبرق الخاطف.([26])

ولعل من أسباب ذلك، أن التعب والنصَب والجد وبذل الجهد في الدنيا، على طلب الحلال، وعدم التحوّل إلى كَلّ وعبأ على الآخرين، يقابله في الآخرة _وكجزاء له_ اليسر والسهولة والخلاص من مصاعب ومخاطر الصراط، والوصول للمقصد والفلاح (أي الجنة الموعودة) كأسرع ما يكون.

 

العامل أفضل من حواريي عيسى

روي أنهم – الحواريون – اتّبعوا عيسى (عليه السلام)، وكانوا إذا جاعوا قالوا: يا روح الله، جعنا، فيضرب بيده على الأرض سهلاً كان أو جبلاً، فيخرج لكلّ إنسان منهم رغيفين يأكلهما.

فإذا عطشوا قالوا: يا روح الله، عطشنا فيضرب بيده على الأرض سهلاً كان أو جبلاً فيخرج ماء فيشربون.

قالوا: يا روح الله، من أفضل منّا إذا شئنا أطعمتنا، وإذا شئنا سقيتنا، وقد آمنّا بك واتبعناك؟.

قال: أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه، فصاروا يغسلون الثياب بالكراء.([27])

وهذا يعني أن العمل والاعتماد على النفس، في توفير ما يحتاجه الإنسان شخصياً، أفضل من الاستناد إلى الغير، وإن كان ذلك الغير نبياً، وإن كان الطعام الذي يوفره غيبياً وبالاعجاز، وفي ذلك رسالة لكل من يترك العمل الجاد، ويعوض عنه بالالتجاء إلى الدعاء أو التوسل فقط، وفي الحديث (اعقل وتوسل).

 

حتى الأنبياء عليهم أن يعملوا

عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنّ أمير المؤمنين قال: أوحى الله (عز وجل) إلى داود (عليه السلام): إنّك نعم العبد، لولا أنّك تأكل من بيت المال ولا تعمل بيدك شيئاً.

قال: فبكى داود (عليه السلام) أربعين صباحاً([28])، فأوحى الله (عز وجل) إلى الحديد، أنْ لِنْ لعبدي داود، فألان الله (عز وجل) له الحديد، فكان يعمل كلّ يوم درعاً فيبيعها بألف درهم، فعمل ثلاثمائة وستين درعاً، فباعها بثلاثمائة وستين ألفاً واستغنى عن بيت المال.([29])

وهذا يعني أنه حتى الأنبياء - وهم قممم البشرية، والمسؤولون عن تبليغ الرسالة وإرشاد الناس وهدايتهم -عليهم أن يعملوا لتأمين معاشهم، لا أن يتكلوا على بيت المال.

ولعل السبب في ذلك: أن يكونوا أسوة في العمل، ليقتدي بهم الناس، فلا ينفي ذلك لزوم التخصّص، كالمعلم والمبلغ، والذي ليس بمقدوره إذا أراد أن يبدع أو حتى أن يؤدي مسؤوليته كاملة، إلا أن يعتمد على بيت المال أو خزانة الدولة.

 

العمل باليد هو سنة الأنبياء

الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه قال: رأيت أبا الحسن – أمير المؤمنين علياً (عليه السلام) - يعمل في أرض له، وقد استنقعت قدماه في العرق.

فقلت له: جعلت فداك أين الرجال؟.

فقال: يا علي، عَمِلَ باليد من هو خيرٌ منّي ومن أبي في أرضه.

فقلت له: من هو؟

فقال: رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين وآبائي (عليهم السلام) كلّهم قد عملوا بأيديهم وهو من عمل النبيين والمرسلين والصالحين.([30])

وبذلك يوضح الإمام لنا، أن (العمل) هو سنة وسيرة الأنبياء والمرسلين والصالحين، ولم يكن قضية في واقعه أو حادثة خاصة لسبب خاص.

والعمل بما يصحبه من عرق وتعب، له فوائد وآثار عديدة ومنها:

1- الوصول إلى الاكتفاء الذاتي في الحياة الشخصية.

2- وصول الأمة إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي، فيما إذا اعتاد الجميع على العمل المنتج.

3- الصحة والسلامة البدنية، ولذا نجد القرويين والعمال أقوى بنية وأصح أجساماً وأبعد عن الأمراض، من الخاملين وأرباب المكاتب والأدوار الروتينية.

4- تطهير البدن من الجراثيم والمكروبات والسموم _عبر خروج العرق وغيره_.

5- صقل شخصية الإنسان، بما يجعله يتعود على (الإنتاج) وبيتعد عن (الاتكالية).

6- إنه يمنح الإنسان لمحة تواضع، كما يزيد ارتباطه بالطبيعة.

7- ويمنحه طول النفس، والصبر والجَلَد والقوة والشكيمة في مواجهة الملمات والنوازل.

8- ويزيد الإنسان عزةً وكرامةً ومكانةً، ويعطيه مصداقية أكبر.

 

من علائم الزمن الغادر:

صدارة الأشرار وبخل التجار و...

وقال (عليه السلام): يأتي على الناس زمان عضوض يعضّ الموسر فيه على ما في يديه ولم يؤمر بذلك، قال الله سبحانه: (ولا تنسوا الفضل بينكم)([31]) تنهدُ فيه الأشرار، وتُستذل الأخيار، ويبايع المضطرون، وقد نهى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن بيع المضطرين.([32])

(الإخبار) قد يراد به (الإنشاء)، وقد يستلزمه، أو يدل عليه بدلالة الاقتضاء وقد يكون ملزومه، وعلى ذلك فإنه يستفاد من الحديث أمور وأحكام:

1- لا تعضَّ على ما في يديك ولا تبخل، بل عليك بالجود والسخاء والعطاء.

2- لا تجعل موقع الصدارة للأشرار، ولا تسمح لهم بتسنّم موقع الصدارة الاقتصادية أو غيرها، لأنهم إن صاروا في القمة كانوا كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع)

3- ولا تستذلَّ الأخيار، ولا تُهِنهم ولا تحقّرهم، بقول ولا فعل ولا موقف، ولا تسمح لأحد بأن يفعل ذلك.

4- لا تنتهز الظروف الصعبة للطرف الآخر، كي تشتري منه منزله أو متجره أو بضائعه، بأبخس الأثمان.

 

النظرة المتوازنة للعمال والعمل

عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): لن يفوتك ما قسم لك فأجمل في الطلب.([33])

وفي الحديث (الرزق رزقان: رزق تطلبه ورزق يطلبك)

والمراد من (لن يفوتك ما قسم لك)، ومن الحديث الآتي (الأرزاق لا تنال بالحرص والمغالبة)، ومن (إن سعيه لا يزيده فيما قدر له منها)، هو (الرزق الذي يطلبك،) أي ما كان من دائرة اللوح المحفوظ، وبذلك تعطينا الروايات نظرة متوازنة، فلا تترك الطلب والكسب بالمرة، ولا تكن حريصاً أشد الحرص شرَهاً، بل (أجملْ في الطلب)، أي أطلب لكن بحكمة واعتدال وجمال، ولا يكونن كدك كداً فاحشاً.

وأما الرزق الذي تطلبه، فهو ما كان من دائرة لوح المحو والإثبات، وهو ذا حدود ومؤطر بإطار اللوح المحفوظ، فهناك مساحة للحركة، وقد تكون واسعة، إلا أنها ليست معلقة مطلقا أو لا نهائية كاملاً، فأطلب إذاً لكن من حِلّه، وانفِق إذاً لكن في محلِّه.([34]).

 

الثروة والنعمة قد تتحول إلى نقمة

وقال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): اعْلَمُوا يَقِيناً أَنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ لِلْعَبْدِ، وَإِنْ عَظُمَتْ حِيلَتُهُ واشْتَدَّتْ طَلِبَتُهُ وَقَوِيَتْ مَكِيدَتُهُ، أَكْثَرَ مِمَّا سَمَّى لَهُ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ، ولَمْ يَحُلْ بَيْنَ الْعَبْدِ فِي ضَعْفِهِ وقِلَّةِ حِيَلَتِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَبْلُغَ مَا سَمَّى لَهُ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ، وَالْعَارِفُ لِهَذَا الْعَامِلُ بِهِ، أَعْظَمُ النَّاسِ رَاحَةً فِي مَنْفَعَةٍ، وَالتَّارِكُ لَهُ الشَّاكُّ فِيهِ، أَعْظَمُ النَّاسِ شُغْلًا فِي مَضَرَّةٍ، وَرُبَّ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ مُسْتَدْرَجٌ بِالنَّعْمَى، وَرُبَّ مُبْتَلًى مَصْنُوعٌ لَهُ بِالْبَلْوَى، فَزِدْ أَيُّهَا الْمُسْتَمِعُ فِي شُكْرِكَ وقَصِّرْ مِنْ عَجَلَتِكَ وقِفْ عِنْدَ مُنْتَهَى رِزْقِكَ.([35])

والحديث كله رائع، لكن سنقتصر على قوله صلوات الله عليه (ورُبَّ منعمٍ عليه مستدرج بالنعمى) فنقول:

المال والجمال والشهرة والقوة، نِعَم، لكن العبِرة بالخواتيم، فقد تتحول كلها نِقَماً إذ (رب منعَمٍ مستدرج بالنعمى)، فقد تجرّ الأموال، صاحبها إلى الظلم والعدوان والغرور والطغيان، وقال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾([36]) وقال: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً﴾([37]).

9/ ربيع الأول/1439هـ

 


([1]) العلة المعدة هي – بحسب المصطلح – ما يلزم من وجوده وعدمه الوجود، ويقصد بها المقدمات الطبيعية التي ينبغي توفيرها للوصول إلى الغاية المنشودة، والتي بتتابعها وتعاقبها وتوفرها على الشروط الأخرى، تقتضي ذلك.

([2])  فإن الأغنياء مرشحون لأن يتحولوا إلى فقراء، إذا أهملوا سبل المحافظة على الثروة، كما أن ثرواتهم ستكون الطريق المعبّد نحو (الشقاء) لا السعادة، لو أهملوا واجباتهم ومسؤولياتهم.

([3])  فمثلاً (ساعدوا أهاليكم) هي مسؤولية، إذ مساعدة المرء لأهله تعدّ من أهم مسؤولياته الإنسانية، كما هي في الوقت نفسه، آلية من آليات المحافظة على الثروة وتنميتها، إذ التعاون يُعد من أقوى سبل الحفاظ على المكتسبات وتنميتها. وكذلك الحال في (التزم الرفق والقصد) وهكذا، فتدبر جيداً

([4])  جامع أحاديث الشيعة: ج 17ص 86، إرشاد القلوب: ج1 ص 203.

([5]) بحار الأنوار: ج100 ص17 ب1 ح79، جامع أحاديث الشيعة: ج 17ص 14.

([6]) سورة التوبة: الآية 60.

([7]) الكافي (فروع): ج5 ص93 ح3.

([8])  غرر الحكم: ج1 ص 172 الفصل السادس ح 25.

([9])  مستدرك الوسائل: ج13 ص15 ب5 ح2.

([10]) الكافي: ج 4 ص 49، وسائل الشيعة: ج 16 ص 192.

([11])  غرر الحكم: ج1 ص 344 الفصل الثامن والعشرين ح 41.

([12]) غرر الحكم: ج1 ص 348 الفصل التاسع والعشرين ح 12.

([13]) غرر الحكم: ج2 ص139 الفصل الرابع والسبعون ح 16.

([14]) غرر الحكم: ج2 ص 253 الفصل الثامن والسبعون ح 96.

([15])  غرر الحكم: ج2 ص 305 الفصل الثالث والثمانون ح 51.

([16]) غرر الحكم: ج2 ص 253 الفصل الثامن والسبعون ح 97.

([17])  غرر الحكم: ج2 ص 301 الفصل الثالث والثمانون ح 9.

([18])  غرر الحكم ج2 ص253 فصل 78 ح96.

([19])  غرر الحكم: ج2 ص 301 الفصل الثالث والثمانون ح8.

([20])  نهج البلاغة: قصار الحكم: حكمة 429.

([21]) غرر الحكم: ج2 ص 139 الفصل الرابع والسبعون ح 13.

([22]) مستدرك الوسائل: ج13 ص35 ب11 ح7.

([23]) غرر الحكم: ج1 ص 209 الفصل الثامن ح 517.

([24])  كنز الفوائد: ج2 ص 194.

([25]) مستدرك الوسائل: ج 13 ص 25، إرشاد القلوب: ج2 ص218.

([26]) جامع الأخبار: ص 139 الفصل التاسع والتسعون، مستدرك الوسائل: ج13 ص23 – 24 ح5.

([27]) مجمع البيان: ج1 ص448، مستدرك الوسائل: ج13 ص33 ب8 ح3. والكراء: أجر المستأجر، راجع لسان العرب: ج15 ص218.

([28]) والذي يبدو أنه لم تكن هناك (فرص للعمل) أمام داوود، أو كان يجهلها أو يجهل وظيفته بالضبط، فكان بكاؤه، خوفاً من الله أو استعطافاً له ليرشده إلى نوع العمل الذي يرتضيه الله له.

([29]) الكافي (فروع): ج5 ص74 ح5.

([30]) من لا يحضره الفقيه: ج3 ص98 ح28.

([31])  سورة البقرة: الآية 237.

([32]) نهج البلاغة: قصار الحكم: حكمة 468.

([33]) غرر الحكم: ج2 ص130 الفصل الثاني والسبعون ح37.

([34]) أي لا في تشييد مؤسسات الضلال والإضلال أو في تأييد الظالم، أو في القمار والبغاء وغيرها.

([35]) نهج البلاغة: ص 523.

([36]) سورة العلق: آية 6 – 7.

([37]) سورة آل عمران: آية 178.