الصدّيق علي بن أبي طالب .. وأعدائه


 

 

إيزابيل بنيامين ماما آشوري

موقع الإمام الشيرازي

 

لم يتوقف قلمي يوماً عن ذكر الحقيقة حتى لو جاءت بخلاف ما أعتقده، لأن الحقيقة عقيدة قائمة بذاتها، ولا تقف أية عقيدة وضعية أخرى أمامها، وسبق وأن قلت أن هناك نصوصاً في "الكتاب المقدس" كان "الآباء" يتحاشون ذكرها، لخشيتهم من أسئلة الناس عن معناها، لأن إخفاء الحقيقة أسهل عليهم كثيراً من بيانها وما يتفرع عنها، خصوصاً وأن جميع "الآباء المقدسين" قساوسة ورهبانا صعوداً حتى البابا، كلهم لا يفهمون من الكتاب المقدس إلا ما وردهم عن طريق المفسرين الجهلة أيضاً، والذين أدخلوا الكتاب المقدس في نفق الآراء الفلسفية فزادوه غموضاً.

نصٌ في الكتاب المقدس راجعته عدة مرات، إلى أن قررت يوماً أن ألج هذه النصوص لأكشف غوامضها. النص يشرح حالة شخصية مستقبلية دينية على غاية من الكمال والشجاعة والحكمة، أصابته مظلومية من قومه، فنزل وحيٌ يشرح حال من خانه وآذاه، وكأن الوحي في ذلك الوقت، كان يُواسي ولياً أو إماماً أو نبياً، تم ظلمه وسلب حقه، فيشرح له حال شخص مثله (صدّيق)، سيظهر في أمة أخرى، سيجري عليه ظلم شديد.

الغريب أن هذه الشخصية التي يطلق عليها الكتاب المقدس بـ (الصدّيق)، يصفه الكتاب المقدس بأن لقبه سوف يُسرق منه، ويوضع في غير محله(1).

وبقيتُ فترة طويلة، أستعرض مفردات الصّديق التي وردت في الكتاب المقدس، فوجدت أن قصة هذا الصدّيق تم إبهامها، لأنها ليست من شخصيات الكتاب المقدس، بل نبوءة ووقف المفسرون حائرين أمام هذه الشخصية، وقد قرروا عدم قراءة هذه النصوص في القداس أيام الآحاد في الكنائس، خشية أن تنهال عليهم سيول الأسئلة.

قلت لأجرب حظي مع شخصية دينية كبيرة، تزورنا بين فترة وأخرى، فكان الجواب: (يا بنتي لا تتكلفي ما لا طاقة لك به). فقلت له: وهل يُكلفنا الرب ما لا طاقة لنا به؟ وهو الذي يقول: (كل كلماتي مفهومة تعشقها الأذن، ويرقص لها القلب، ونافع للتعليم والتوبيخ والتأديب والتقويم). فيكون الجواب كالعادة: اكتبي السؤال وسوف يردك الجواب. ولا يرد الجواب حتى يوم القيامة.

من الجميل أن الرب دائما يُسهّل لي سبُل الوصول لأعرف الإجابة، حيث كنت أستمع يوماً إلى برنامج تلفزيوني عن سيرة الأنبياء وأصحابهم وأممهم، فتطرق المتحدث إلى شخصية إسلامية قال عنها: (أن لقب الصدّيق كان للإمام علي ابن أبي طالب، ولكن تم سلبه منه لشخصية أخرى). فشحذ هذا القول همتي، ويا لهول ما وجدت، خصوصاً ما ورد في كتب "صحيح البخاري ومسلم وغيره" من أن علياً هو الذي يُقسم الناس إلى الجنة أو النار، ولذلك أطلق عليه نبي الإسلام بأنه (قسيم النار والجنة). وأن علياً هو (الصدّيق الأكبر)، وفاروق هذه الأمة. فقلت في نفسي لقد اصطدتها.

فذهبتُ في مقارنة مضنية، لأجد أن النص المذكور في الكتاب المقدس، هو نبوءة لشخص علي ابن ابي طالب، صَدَّق مَنْ صَدَّق، وأنكر مَنْ أنكر. أقول هذا، لأنه لا أحد في عالم المسيحية يعطيني تفسيراً لهذه النصوص التي سوف أذكرها، الجميع تواطأ على السكوت والتعتيم والإبهام.

أولاً أذكر رواية البخاري التي تقول نقلاً عن نبي الإسلام: (بينما أنا على الحوض، أسقي الناس، وإذا بزمرة من أصحابي، حتى إذا عرفتهم وعرفوني، حال بيني وبينهم رجل، فيأخذهم، فأقول إلى أين؟ فيقول: إلى النار، فأقول إنهم أصحابي. فيقول: إنهم أحدثوا بعدك، فلا أراه يخلص منهم، إلا مثل همل النعم)(2).

وفي هذا الحديث أيضا تم التعتيم على (الرجل) الذي يسوق الصحابة إلى النار، ليس فقط الصحابة، بل سوف يسوق المنكرين له والمعاندين إلى النار إلى يوم القيامة، فمن هذا الرجل الذي تم إبهامة؟

ما رواه البخاري أيضاً في صحيحه، يدلنا على شخصية هذا الرجل، قالت عائشة: (لما ثقل النبي، واشتد وجعه، فخرج بين رجلين تخط رجلاه الأرض، وكان بين العباس ورجل آخر، قال عبيد الله: فذكرت ذلك لابن عباس ما قالت عائشة، فقال لي: وهل تدري من الرجل الذي لم تسم عائشة؟ قلت: لا، قال: هو علي بن أبي طالب).

إذن يتبين لنا من هذه الرواية، أن الذي يسوق الناس إلى النار هو (رجل)، وقد تبين أنه علي ابن ابي طالب. وهو نفسه في نص الكتاب المقدس، والذي تم إبهام اسمه أيضاً، فقالوا الصدّيق بدلاً من ذكر اسمه.

في رواية الكتاب المقدس أيضا، هناك إبهام في شخصية الشخص الذي يسوق الناس إلى النار، هذا الشخص يطلق عليه كاتب الكتاب المقدس بـ(الصديق)، ولكن من هو. لا يذكر. فكما أن رواية البخاري تقول أن (الرجل) يأخذ أصحاب النبي من بين يديه، ويسوقهم إلى النار، فيخافون منه ويرتعبون، فإن نبوءة الكتاب المقدس تقول ذلك أيضاً.

 

رواية الكتاب المقدس أو النبوءة

(حينئذ يقوم الصدّيق بجرأة عظيمة في وجوه الذين ضايقوه، فإذا رأوه يضطربون من شدة الجزع، ويقولون في أنفسهم نادمين، وهم ينوحون من ضيق صدورهم: هذا الذي كنا حيناً نتخذه سخرة ــ فيه دعابة ــ. وكنا نحن الجهال نحسب حياته جنوناً، وموته هواناً. فكيف أصبح معدوداً في بني الله ــ ولي الله ــ لقد ضللنا عن طريق الحق، أعيينا في سبل الإثم والهلاك، فماذا نفعتنا الكبرياء، وماذا أفادنا افتخارنا بالأموال. قد مضى ذلك كله كالظل ولم يكن لنا أن نبدي علامة فضيلة، بل فنينا في رذيلتنا لأن رجاء المنافق كغبار تذهب به الريح)(3).

في نص آخر لترجمة أخرى للكتاب المقدس، نرى إبهام الاسم يتحول من الصدّيق إلى (البار). فيقول: (ثم يقوم البار بجرأة عظيمة في وجوه الذين ضايقوه)(4).

ولو بحثنا عن مصاديق ذلك، لوجدنا أن قرآن المسلمين هو من ذكر الأبرار الأربعة فقال: (إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا .. ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا).(5).

ومن هنا يتبين لنا، أن الصدّيق والبار هو علي ابن أبي طالب الذي تعنيه هذه النبوءة التي وردت في الكتاب المقدس.

-------------------------------

المصادر والتعليقات:

1- المصادر كثيرة التي تؤكد أن الصديق هو الامام علي بن أبي طالب كما في إبن عساكر - تاريخ مدينة دمشق -الجزء: 12 - رقم الصفحة: 18 حديث رقم 2537، روى عن معاذة العدوية قالت: سمعت علي بن أبي طالب يقول على منبر البصرة: (أنا الصدّيق الأكبر، آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر، وأسلمت قبل أن يسلم). لا بل ورد في كتب أهل السنة أكثر من 20 رواية، تؤكد بأن الصدّيق والفاروق هو علي ابن أبي طالب. ففي الإصابة والحمويني وفي القندوزي وغيرهم: (أنا عبد الله وأخو رسوله، وأنا الصدّيق الأكبر، والفاروق الأعظم، صليت قبل الناس سبع سنين، وأسلمت قبل إسلام أبي بكر).

2- صحيح البخاري - البخاري - ج 7 - ص 208 – 209 .

3- سفر الحكمة 5: 1. والغريب أن علياً يُطلق عليه سيد البلاغة والحكمة، والسفر يُطلق عليه (سفر الحكمة)، وكأنه يُشير إلى الشخصية المتظلمة فيه على درجة عالية من الحكمة.

4- ومن غيره الصدّيق الذي يقول مع القسم: (أما والله، لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم).

أنظر مناقب الخوارزمي 91/85 وفرائد السمطين ج1: ص338 - 339/261، شواهد التنزيل للحاكم 1ج: 280 ص/384.

5- عدد ليس بالقليل، أجمع على أن سورة (هل أتى) مدنية، إلا آية واحدة مكيّة، والسورة نزلت في الإبرار الأربع وهم علي وفاطمة والحسن والحسين، وعليٌ هو سيّد هؤلاء الأبرار، وفي كتاب نزول سورة هل أتى في أهل بيت المصطفى للسيد علي الميلاني ذكر مصادر الحديث، وردّ على إشكالاته.

-------------------------------

تحرير: محرر موقع الإمام الشيرازي

 

7/ جمادى الأولى/1439هـ