الإمام الكاظم .. في ذكرى شهادته


 

موقع الإمام الشيرازي

 

كان الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) يدفع الناس إلى التعلّم والتدبّر، والتحصيل في علوم الحياة، فيقول أن "الأحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر، وإنما يرتفع العباد بالدرجات، على قدر عقولهم". فينشر الوصايا بذلك، إلى أتباعه المكلفين بالدعوة، من طبقة هشام من الحكم، ليحضّ الناس إلى التحصيل العلمي، فيروي عن جدّه الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، أنه قد ذُكر عنده رجل كثير التعبّد، وفيه خصال الخير، فقال: "وماذا عن عقله". بمعنى هل يسعى للعلم، لتبيان أن السعي للعلم، في أعلى مراتب العبادة، وهي الوسيلة لعمل الخيرات، والانفتاح الواعي على المجتمع وحاجاته.

كما نشط الإمام في قضاء حاجات الناس، من خلال مؤسسته الاجتماعية، فضلاً عن إشاعته ثقافة التكامل الاحتماعي، ليكون مثالاً ونموذجاً، فيوصي أتباعه: "إن لله تعالى تحت عرشه ظلّا، لا يسكنه إلّا من أسدى إلى أخيه معروفاً، أو نفّس عن كربته، أو أدخل على قلبه سروراً".

فتكون بذلك المسؤولية الاجتماعية، تكليفاً على حسب الكفاءة والمقدرة، فليس الغني كالمعسر، وليس القوي كالضعيف، فكانت مؤسسته ناشطة، في معونة طلاب العلم، ومعالجة المرضى، ومساعدة المحتاجين، والإنفاق على اليتامى والأرامل، ومساعدة المعسر، ورفع الحيف عن المظلومين.

وكان كل طالب حاجة، يدخل اليسيرية "ضيعة اشتراها الإمام (عليه السلام) وجعلها مركزاً لقضاء حاجات الناس" فيخرج منها وقد قضيت حاجته، فكانت بحق أول مؤسسة للنفع الإجتماعي العام، في التاريخ الإسلامي، أو ما يصطلح عليه في الأدبيات المعاصرة، بمنظمات المجتمع المدني، وهي التي تتميز بها المجتمعات المتحضرة التي تحرص على تقديم الخدمة الاجتماعية، وهي مؤسسات غير ربحية، تنشط في توعية المجتمع وتأهيله، للحياة الأفضل، بتمويل وموارد تبرعية، ولا تسعى للسلطة، لكنها تشكل مجموعات ضغط، للتأثير في إصلاح الحكم وترشيده، ومواجهة انحراف الحاكم وفساد مؤسسات الدولة، وفي ذلك كان الإمام يؤكد أنّ "أفضل الجهاد، كلمة حق عند إمام جائر".

كان الإمام يتفقد الناس ليلاً، ليوصل لهم حاجاتهم، دون اضطرارهم لذلّ المسألة، ولا حتى معرفة المصدر، ولا يستثني في ذلك، خصومه ومَنْ يناصبه العداء والأذى، فيثبت أنه الكاظم للغيظ، وأنه العاف عن الناس، وفي ذلك معنى تلقيبه بالكاظم، وهذه السمات الكاظمية السامية، حاضر بعضها في نظم المجتمعات المعاصرة المتحضرة، التي تضمن الحقوق، وتلبي الحاجات الإنسانية والمجتمعية، بلا تمييز أو استثناء، ودون أن يتحمل المحتاج، عناء الطلب والمسألة، والدولة أخيراً، تكون ضامنة للإنسان رعايته، في تلبية جميع احتياجاته، ومتطلباته في الحياة، وفي ذلك تقدم البلدان وازدهارها.                    

وعندما كانت الناس تسأل الإمام، كيف ينزل إلى الرجل الضعيف والدميم بنفسه، ليسأله حاجته، فيجيب (عليه السلام): "عبد من عبيد الله، وأخ في كتاب الله، وجار في بلاد الله، يجمعنا وإياه خير الآباء آدم، وأفضل الأديان". فهذه وليس غيرها، معنى الولاية للبيت المحمدي، فزكاة العلم نشره، وجميع ذوي القدرة والاقتدار، مكلفين برعاية إخوانهم، بتكليف شرعي، فالاكتفاء بالولاء العاطفي، وذرف الدموع، والمشاركة بمجالس العزاء الحسيني فقط، لا تكفي شرف الانتماء، لهذا البيت المحمدي الشريف.

كان الإمام موسى الكاظم (سلام الله عليه) في حياته ملجأ لعموم الناس، وبعد استشهاده كان ومازال وسيبقى "باب الله" الذي يؤتى لقضاء الحوائج، فإن "باب الحوائج" من أشهر ألقابه ذكراً، وأكثره شيوعاً، وانتشر بين العام والخاص، فهذا الفقيه كمال الدين الشافعي، يقول بحق الإمام الكاظم: "لكثرة عبادته يسمى بالعبد الصالح، ويعرف بالعراق بباب الحوائج إلى الله، تعالى، كراماته تحار منها العقول، وتفضي بأن له عند الله قدم صدق، لا يزال ولا تزول"، كما ورد في مطالب السؤال، ص83. وإلى ذلك يذكر العلامة أحمد بن يوسف الدمشقي: "المعروف عند أهل العراق بباب الحوائج، لأنه ما خاب المتوسل به في قضاء حاجاته، كراماته ظاهرة ومناقبه باهرة"، كما ورد في أخبار الدول، ص 112. وكذا شيخ الحنابلة، الفقيه أبو علي الخلال، الذي يذكر أنه: "ما همّني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر، فتوسلت به، إلّا وسهّل الله لي تعالى ما أحببت"، كما ورد في تأريخ بغداد للخطيب البغداي، ج1 ص20.

ويذكر العلامة محمود البغدادي الحنفي: "أنّه سمي بالكاظم، لكظمه الغيظ، وكثرة تجاوزه وحلمه، وكان معروفاً عند أهل العراق، بباب قضاء الحوائج إلى الله، وكان أعبد أهل زمانه، وأعلمهم وأسخاهم"، كما ورد في جوهرة الكلام، ص 139. وكذا المؤرخ النسابة، محمد أمين السويدي، في كتابه المعتبر، "سبائك الذهب في أنساب وقبائل العرب"، الذي يذكر أنه: "سمي كاظماً، لفرط تجاوزه على المعتدين، له كرامات ظاهرة، ومناقب كثيرة".

 

24/ رجب الأصب/1439هـ