"الثورة" التي ستهزم!


 

 

عامر بدر حسون

موقع الإمام الشيرازي

 

في أواخر السبعينيات، كتب إلياس فرح (أحد "منظري" البعث) دراسة في مجلة "آفاق عربية" قال في خلاصتها:

- إن الحرب مطلوبة لذاتها بغض النظر عن أهدافها ونتائجها!

وقد برر هذا الجنون الإجرامي بالقول:

- إن الحرب تطلق طاقات الأمة وتفجرها!

***

والواقع أن تلك الفكرة الوحشية هي من أساسيات فكر البعث، وهي مأخوذة حرفياً من النازية وتمجيدها للحرب وقدرتها على إبراز طاقات الأمة وإلقائها المخلوقات الضعيفة والجبانة التي تحب الديمقراطية والسلام في المزبلة!

***

ومن له ذاكرة يستطيع أن يتذكر أن شغل ثقافتنا السائدة (وخصوصاً في زمن البعث) كان تمجيد القوة والمراجل والحلول "الجذرية" والاستهانة بالضعفاء والجبناء الذين يريدون السلام بأي ثمن!

وعندما أعلنت الحرب على إيران بعد أقل من عام على نشر ذلك الكلام، صارت وظيفة ثقافتنا العاجلة هي: تمجيد الموت (تحت مسمى الشهادة) واحتقار الحياة!

وكم كتب كبار مثقفينا عن اطفال يشعرون بالنقص لأن الواحد منهم ليس ابن شهيد!

***

وبات مفهوماً، بعد ذلك، أن اللجوء للعنف هو أول ما يخطر في بال العراقي (حكومة وشعبا) لحل المشكلات مهما كان حجمها.

ويمكنك ملاحظة هذا حتى على صعيد الأفراد .. فالشخصية العدوانية التي تتمتع بقوة عضلية، أو تكون ميالة لاستخدام السلاح، نادراً ما تلجأ للنقاش في البحث عن حل، وإنما تلجأ للقوة لفرض ما تريده.

***

وبسبب احترام وتقديس القوة في ثقافتنا، فإن هذه الشخصية العدوانية لها اعتبار واضح في مجتمعنا.. ولذلك يكثر الحديث، بل الدعوة والحلم، بحاكم قوي يعلّق الفاسدين على المشانق دون أن يراعي الإجراءات القانونية البطيئة!

ولعلك لاحظت في هذه الأيام أن تداول اسم صدام كرمز لهذا الحاكم المطلوب، والاستشهاد به وبحكمه، وكثرة مقارنته بالحكم الحالي أصبح شائعاً، ويتم دون حياء أو إحساس بالكرامة الشخصية!

***

لقد تم الصلح، نفسياً، مع وجود الدكتاتور واستخدامه كمثال للعدالة والحزم ونُسيت جرائمه الشنيعة وفساده وفساد اتباعه!

تم التصالح هنا مع فكرة الدكتاتور (وليس دائماً مع اسمه ورمزه صدام) وهذه المصالحة تقف وراء المطالبة بالحكم الرئاسي، وإلغاء البرلمان والقضاء على الديمقراطية أصلاً!

ويمكن اعتبار هذه الأيام هي الأيام الذهبية للبعث (فيسبوكياً في الاقل) في انتشار افكاره وحلوله ومقارناته.. والمطالبة بهذا حتى من ضحاياه!

***

لكن كيف حصل هذا؟

كيف صار الطاغية مثالاً لاعدائه وضحاياه؟!

هل هي انتكاسة في الوعي؟

لا أدري! وليس هذا موضوعي أساساً..

كنت أريد فقط الكتابة عن تسلل شعار المطالبة بـ"الثورة" الى تظاهرات المواطنين هذه الأيام ومعرفة من المسؤول عنه وإقناع الآخرين به؟..

وكنت أحاول ربطه بالبعثيين، استناداً لفكرهم الذي طلب الحرب من أجل الحرب، وإمكانية مطالبته بالثورة من أجل الثورة أو من أجل خلط الأوراق أو أي سبب تخريبي آخر..

لكنني تذكرت أن ثقافتنا السائدة هي ثقافة بعثية أصلاً.. وهي التي تقف خلف كثير من الأفكار والشعارات الشائعة!

هذه الثقافة هي التي تدفعني الآن للتوقف عند هذا الحد، تجنباً للعنات واتهامات الأصدقاء.. على أمل العودة لهذه الانتكاسة الخطيرة في الوعي، عندما تهدأ الأوضاع وتُهزم الثورة المدمرة!

 

11/ ذو القعدة/ 1439هـ