في ذكراه .. ومما بعد شهادته


 

موقع الإمام الشيرازي

 

بذل رسول الله (صلى الله عليه وآله) كل ما عنده وأهل بيته (عليه السلام) معه في سبيل هداية الإنسانية وإنقاذها من العبودية والجهل والرذيلة مبتدأ بقومه وأمته وصولاً الى هداية الأمم الأخرى، وكانت طريق دعوته مضرجة بالتضحيات والجراحات والمعاناة على مدى ربع قرن تقريباً، عمر دعوته الشريفة.

بعد كل هذا العطاء النبوي الزاخر، ما إن مات أو قتل (صلى الله عليه وآله) حتى انشغل الناس عن غسله وتكفينه ودفنه. يقول الشيخ المفيد: "لم يحضر دفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أكثر الناس، لما جرى بين المهاجرين والأنصار من التشاجر في أمر الخلافة، وفات أكثرهم الصلاة عليه".

وقالت عائشة: "أقسم بالله ما علمنا بدفن النبي (صلى الله عليه وآله) حتى سمعنا بأصوات المساحي في حجرته ليلة الأربعاء)( أحمد بن حنبل/فضائل الصحابة/من فضائل علي. الجزء (2) رقم الصفحة (686)(مسند أحمد)(تاريخ الطبري3: 213، سنة 11).

وبعد حين من الأيام، ذكَّر الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) الناس بذلك الموقف الشائن قائلاً لهم: "يا هؤلاء، أكنت أدع رسول الله مسجى لا أواريه، وأخرج أنازع في سلطانه".

  

انقلاب صحابة

بعد أن حدد الإسلام المرجعية الدينية للمسلمين بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حيث قال الله (تبارك وتعالى): (إِنما وليكُمُ اللهُ ورسُولُهُ والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاةَ ويُؤْتون الزكاة وهُمْ راكعُون). المائدة/55.

وبعد أن عين (صلى الله عليه وآله) هداة الأمة من بعده، حيث قال (صلى الله عليه وآله (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، ولن تضلوا إن تمسكتم بهما). (مسند أحمد/ مسند أحمد: ج3 / ص14ـ 17ـ ج4/ص267ـ 271ـ ج5/182ـ ج5/189)( (صحيح مسلم ج7 ص123 /دار الفكر بيروت).

وبعد أن عيّن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) خليفته من بعده، أثناء عودته من حجة الوداع في (غدير خم)، انقلب صحابة على أعقابهم، حتى وصل الانحراف بهم الى أن يكون لغير المسلمين رأي في دينهم وأمرهم، فيُسمع لكعب الأحبار الذي نفى صلاحية الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) للخلافة ووجدها في معاوية بن أبي سفيان، كما سمح "صحابي" لكعب وتميم الداري أن يحدثا المسلمين في مسجده (صلى الله عليه وآله) بتعاليمهما "التوراتية"، بينما أحرق "الثاني" بنفسه أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومنع من تدوينها والتحدث الى الناس بها.

وقد تصدى الصحابي الثائر أبو ذر الغفاري الذي قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله): "ما أقلت الغبراء، ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر" لتلك المرجعية الدينية "المبتدعة"، ففي ذات يوم جيء بتركة عبد الرحمن بن عوف من المال وكانت تركة ضخمة، فقال عثمان: "إني لأرجو لعبد الرحمن خيراً، لأنه كان يتصدق، ويقري الضيف، وترك ما ترون". فقال كعب: "صدقت يا أمير المؤمنين". فرفع أبو ذر العصا فضرب بها رأس كعب وقال: "ما أنت وذاك يا ابن اليهودية، تقول لرجل مات وترك هذا المال إن الله أعطاه خير الدنيا وخير الآخرة، وتقطع على الله بذلك، وأنا سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: "ما يسرني أن أموت وأدع ما يزن قيراطاً". يقول الواقدي: "فغضب عثمان على أبي ذر ومنع الناس أن يقاعدوا أبا ذر أو يكلموه ثم نفاه الى صحراء الربذة حيث مات فيها (رضوان الله عليه)".

 

يؤمنون به ويقتلونه

لم يتوقف إيقاع الأذى في رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بل تواصل عبر الانقلاب على عترته الطاهرة، فبعد تصفية الإمام الحسن (صلى الله عليه وآله) بالسم، كانت مجزرة عاشوراء، ثم اغتيال ثمانية أئمة من ولده واحداً بعد واحد، وما زال الخط الانقلابي يواصل عدوانه على الإسلام الذي جاء به النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله) والمبلغين به أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم، ومن ذلك، أكثر من ستين ألف عملية إرهابية _بحسب إحصائيات منظمات دولية/1436_ نفذتها عصابات تكفيرية بحق الشيعة في العراق، إضافة الى ذلك، فإن حرب التكفيريين على الشيعة متواصلة على أتباع أهل البيت في سوريا واليمن والبحرين والسعودية ومصر وتونس والمغرب وأفغانستان وباكستان ونيجيريا وأندونيسيا وغيرها.

الاجتثاث الجسدي المتواصل لأتباع أهل البيت (عليهم السلام) الذي دأب عليه التكفيريون - وما زالوا - دليل على إفلاس هؤلاء فكرياً وأخلاقياً وإنسانياً، وإلا فإن الفكرة لا تقوم إلا على الدليل ولا تدحض أخرى إلا بالحجة.

ولقد حذر النص المقدس من أن يكون الإيمان بالإسلام إيماناً تبعيضياً، حيث يقول الله (تبارك وتعالى): (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرُون ببعض فما جزاء مَن يفعلُ ذلك منكُمْ إِلاّ خزْيٌ في الحياة الدنيا ويوم القيَامة يُرَدّونَ إلى أَشَدّ العذابِ) البقرة/85. وقوله (صلى الله عليه وآله): (كم من قارئ للقرآن والقرآن يلعنه).

ويجمع المسلمون في منقولاتهم على أن صحابة كانوا يشهدون للرسول (صلى الله عليه وآله) بالنبوة، وانقلبوا عليه، ولمّا يُدفَن (صلى الله عليه وآله) بعد، وإن "المسلم" الذي يسير على نهج أولئك الانقلابيين، اليوم، تحول إلى قنبلة موقوتة في أي مكان وزمان.

29/ صفر الأحزان/1440هـ