الصلاة على محمد وآل محمد (6)


(رحمة وتزكية ودعاء)

 

موقع الإمام الشيرازي

 

شاء الله سبحانه وتعالى أن لكل مُسَبَّبٍ من سبب، وهذا ما يُعبَّر عنه بقانون (الأسباب والمسبّبات) أو (السببية والمسبّبية).

وهذا القانون يجري على مختلف الأصعدة وفي كل المجالات، ففي مجال الهداية مثلاً، الله (عز وجل) يهدي الناس، ولكن هذه الهداية تتم عبر وسائل ووسائط، من خلال الأنبياء (عليهم السلام)، حيث يبعثهم إليهم كمرشدين وأدلاء للوصول إلى الهداية، وبلوغ طريق الحق، فالأنبياء إذن سببٌ للهداية.

وفي مجال الرزق هناك أسباب مادية، وأخرى غيبية، فالأسباب المادية معروفة للجميع، وهي عبارة عن السعي وبذل الجهد للحصول على الرزق، وأما الأسباب الغيبية فهي كثيرة، منها:

التقوى: قال تبارك وتعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب)(الطلاق: 2-3).

ومنها: الصدقة: لأنّ الصدقة كما تدفع البلاء، فهي تدر الرزق، فقد جاء في الرواية: (.. إن لكل شيء مفتاحاً، ومفتاح الرزق الصدقة..)(بحار الأنوار/ج٩٣/ص١٣٤).

ومنها: الحج: فقد ورد في الرواية: (الحج ينفي الفقر)(الكافي/ج٤/ص٢٥٥).

ومنها: الزواج: قال تعالى: (وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم)(النور: 32). ومنها: الولد: قال عز من قائل: (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم)(الأنعام: 151).

فإذن قانون السببية واضح في الكون، ولا حاجة لكثير استدلال عليه.

وهنا يأتي السؤال الذي من خلاله ندخل البحث: ما هو السبب الذي أوجده الله أولاً، ومن خلاله، وعن طريقه، وبوساطته أوصل كلّ خير وكلَّ رحمة، وأوجد كل موجود؟

والروايات تقول بأنّ أولَ شيء خلقه الله تعالى هو نور نبينا الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم).

وهنا ملاحظة وهي: إن هناك من الروايات ما يصرِّح بأنَّ أولَ ما خلقَ الله هو العقل (انظر بحار الأنوار: ج74 ص59)، ومنها ما يذكر أن أول ما خلق الله الماء (انظر الكافي: ج8 ص94).

وعن ابن عباس: (إن أول شيء خلقه الله القلم)، بالإضافة إلى ما دلّ على أن أول شيء خلقه الله تعالى هو نور النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، فما هو السبيل إلى الجمع بين هذه الروايات، وحل التناقض المتصوّر؟

الجواب: إنّ المسألة نسبية، فحينما تقول الرواية: إنّ أول خلق خلقه الله (عز وجل) العقل، فإنها تقصد أنه أول بالنسبة وبالقياس إلى مجموعة من الأشياء، وحينما تذكر أنّ أول شيء خلقه الله الماء، فكذلك بالنسبة، وبالإضافة إلى مجموعة من الأشياء، فكأنه هناك مجموعة في مقام الخلق رأسها العقل، فبهذا الاعتبار الله تعالى خلق العقل أولاً، وهناك مجموعة رأسها الماء، فالله تعالى بهذا الاعتبار خلق الماء أولاً، وهكذا، ولكن الشيء الذي خلقه الله تعالى أولاً ومن دون إضافة ونسبة، ولكن مطلقاً - أول شيء أوجده الله بالقياس إلى كل ما أوجد - هو نور النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله).

الرواية عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أول شيء خلقه الله تعالى ما هو؟ فقال: نور نبيك يا جابر، خلقه الله ثم خلق منه كل خير)، وعلينا أن نركّز على عبارة: (ثم خلق منه كل خير).

بعد ذلك تتحدث الرواية بأن الله سبحانه أقام هذا النور في مقام القرب ما شاء الله، ثم جعله أقساماً فخلق العرش من قسم، والكرسي من قسم، وحَمَلَة العرش من قسم، وخَزَنَة الكرسي من قسم، وفي المرحلة التالية خلق القلم واللوح والجنة من القسم الباقي، ثم الملائكة والشمس والقمر والكواكب في مرحلة أخرى، ثم العقل والعلم والحلم والعصمة والتوفيق في المرحلة اللاحقة، وفي المرحلة الأخيرة، نظر تبارك وتعالى إلى ذلك النور بعين الهيبة، فرشح ذلك النور فقطرت منه مائة وأربع وعشرون ألف قطرة، فخلق من كل قطرة روح نبي ورسول، ثم تنفَّست أرواح الأنبياء فخلق الله من أنفاسها أرواح الأولياء والشهداء والصالحين. (عن بحار الأنوار/ج١٥/ص٢٤).

فإذن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) هو الواسطة التي من خلالها خلق الله كل خير وكل رحمة وكل مخلوق، فهو السبب الأول الذي سبّب الله تعالى كلّ ما سواه عنه، فنحن لا نقول بأن الله خلق النبي، والنبي خلق الأشياء، وإنما نقول: إنّ الله تعالى خلق النبي مباشرة، ومن دون وساطة، وخلق بقية الأشياء بوساطة نوره (صلى الله عليه وآله).

فبوساطة نوره أفاض الله على الوجود الوجود، وبوساطة نوره أفاض الله على الموجودين كل خير وكل رحمة وكل بركة.

ويشترك مع النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ـ في كونه أول المخلوقات والسبب الأول وواسطة الفيض الإلهي - أهل بيته الطيبين الطاهرين (صلوات الله عليهم).

فقد روي بإسناد مرفوع إلى جابر الجعفي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: (يا جابر: كان الله ولا شيء غيرهُ، ولا معلوم ولا مجهول، فأول ما ابتدأ من خلق خلقه، أن خلق محمداً (صلى الله عليه وآله)، وخلقنا أهل البيت من نور عظمته، فأوقفنا أظلةً خضراء بين يديه، حيث لا سماء ولا أرض ولا مكان ولا ليل ولا نهار ولا شمس ولا قمر.. ثم بدا لله تعالى أن يخلق المكان فخلقه، وكتب على المكان: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين ووصيه، به أيدته ونصرته)(بحار الأنوار/ج٢٥/ص١٧).

ثم يذكر الإمام أنه تعالى خلق العرش، وكتب على سرادقاته مثل ذلك، ثم خلق السماوات فكتب على أطرافها مثل ذلك، ثم خلق الجنة فكتب عليها مثل ذلك، إلى أن يقول (عليه السلام): (فبذلك يا جابر قامت السماوات بغير عمد، وثبتت الأرض.. فنحن أول خلق الله، وأول خلق عَبدَ الله، وسبّحه، ونحن سبب خلق الخلق، وسبب تسبيحهم وعبادتهم من الملائكة والآدميين، فبنا عُرِف الله، وبنا وُحد الله، وبنا أكرم الله مَنْ أكرم من جميع خلقه، وبنا أثاب مَنْ أثاب، وبنا عاقب مَنْ عاقب..).

فإنّ قوله (عليه السلام): (ونحن سبب خلق الخلق) يشير إلى ما ذكرنا من كونهم الواسطة التي من خلالها وعن طريقها أوجد الله كلَّ موجود، وقوله (عليه السلام): (وبنا أكرم الله مَنْ أكرم مِنْ جميع خلقه..)، يشير إلى ما ذكرنا أيضاً من أنهم واسطة كل خير وكل رحمة تنزل إلى أي مخلوق.

وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (نحن السبب بينكم وبين الله عزّ وجلّ)(أمالي الطوسي: ص157، بشارة المصطفى: ص90).

وجاء في دعاء الندبة ـ في إشارة إلى الإمام صاحب الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف): (أين السبب المتصل بين الأرض والسماء)(مفاتيح الجنان)، وهو يؤكد المعنى المشار إليه من أنهم واسطة فيض الله تعالى.

وروي عن الإمام الباقر (عليه السلام): (بنا عُبِدَ الله، وبنا عُرِفَ الله، وبنا وُحِّدَ الله، ومحمد حجاب الله)(الكافي/ج١/ص١٤٥).

علق المجلسي(قده) على الفقرة الأخيرة من الرواية قائلاً: (كما أن الحجاب متوسط بين المحجوب والمحجوب عنه، كذلك هو (صلى الله عليه وآله) واسطة بين الله وبين خلقه)(بحار الأنوار: ج23 ص102)، ويؤيده ما ورد عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلام له: (.. وبنا احتجب عن خلقه..)(بحار الأنوار/ج٢٦/ص٢٩١)، بمعنى أنهم الواسطة التي من خلالها يُفيض رحمته وبركاته.

وفي الزيارة الجامعة: (بكم فتح الله، وبكم يختم، وبكم ينزل الغيث، وبكم يمسك السماء أنْ تقع على الأرض إلا بإذنه، وبكم يُنفَّس الهم، وبكم يُكشَف الضرّ..)(مفاتيح الجنان).

2/جمادى الأولى/1440هـ