الصلاة على محمد وآل محمد (7)


(رحمة وتزكية ودعاء)

موقع الإمام الشيرازي

 

 

من معاني الصلاة على محمد وآل محمد أني أجعل محمداً وآل محمد واسطة بيني وبين الله تبارك وتعالى، وأقدّم محمداً وآله بين يدي حاجتي، بمعنى أني أريد من الله (عز وجل) أن يقضي حاجتي ويرحمني من خلالهم.

وقد ذكرنا أنّ معنى الصلاة على النبي، في حلقة سابقة، طلب إنزال الرحمة عليه، فحين أقول: اللهم صلّ على محمد وآل محمد، أي: اللهم ارحم محمداً، وآل محمد، وحين أطلب الرحمة للنبي وآله (عليهم السلام)، وينزل الله سبحانه الرحمة عليهم، فإنني أرجو أن يصيبني ولو جزء بسيط من تلك الرحمة من خلالهم وعن طريقهم وبوساطتهم.

فهذا هو معنى الصلاة، ومن هنا نفهم ما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) حين قال: (.. وبالصلاة تنالون الرحمة، فأكثروا من الصلاة على نبيكم وآله..)(الآمالي للصدوق: ص320).

وبتعبير آخر، حينما أتوسل إلى الله سبحانه ليرحم محمداً وآل محمد، وأقدمهم بين يدي حاجتي، فإن الله تعالى بهذا الطريق يستجيب الدعاء ويقضي حاجتي، ولذلك ـ لما أسلفنا من أن محمداً وآله هم واسطة كل خير وكل رحمة، أي أن كل رحمة تنزل إلى الوجود تنزل عبرهم ـ فلا بدّ أن أسأل الله بهم.

ولذلك ورد في الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام): (كل دعاء يُدعى الله به، محجوب عن السماء، حتى يُصلى على محمد وآل محمد)(بحار الأنوار/العلامة المجلسي/ج٢٧/ص٢٦٠)، لأنه (عز وجل) بهم (عليهم السلام) ينزل الله رحمته وبركاته، وليس بغيرهم.

وهذا ما يشير إليه الإمام الباقر (عليه السلام)، حينما يقول: (.. وبنا أكرم الله مَن أكرم من جميع خلقه). وروي عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين (عليهم السلام) قال:

(نحن أئمة المسلمين، وحجج الله على العالمين، وسادة المؤمنين، وقادة الغر المحجلين، وموالي المؤمنين، ونحن أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء، ونحن الذين بنا يمسك الله السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها، وبنا ينزل الغيث، وتنشر الرحمة، وتخرج بركات الأرض، ولولا ما في الأرض منا لساخت بأهلها)(كمال الدين وتمام النعمة/الشيخ الصدوق/ج١/ص٢٣٥).

وروي عن رسول الله (ص): (ما من دعاء إلا وبينه وبين السماء حجاب، حتى يصلي على النبي محمد وعلى آل محمد)(بحار الأنوار/العلامة المجلسي/ج٢٧/ص٢٦٠).

وجاء ما يشبه هذه الرواية من طرق الأخوة السنة أيضاً، رواها الطبراني في (المعجم الأوسط) عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنه قال: (كل دعاء محجوب حتى يُصلّى على محمد وآل محمد) )(بحار الأنوار/العلامة المجلسي/ج٢٧/ص٢٦٠).

وقد يستصعب بعض مثل هذا الحديث، ويستكثره ويعتبره مغالاة، ولهذا لا بد من تقريب القضية أكثر.

ونطرح سؤالاً: الملك أليس عنده خازنٌ لبيت المال؟! حينما يريد أن يعطي من أفراد الشعب، هل يحمل المال بيده، ويقدمه إلى ذلك الشخص؟ أم يأمر خازن بيت المال أن يسلّمه إياه؟!، فكل ما يصل إلى الشعب من الملك لا بد أن يمر عبر الخازن.

مثالٌ أقرب ويمكن الاستئناس به أكثر، نسأل: كيف يقبض الله تعالى أرواح الموتى؟ الجواب: يقبضها من خلال المَلَك المُوكّل بقبض الأرواح، وهو عزرائيل (عليه السلام)، فليس هناك روح تُقبض من الله تعالى مباشرة، ولكن لا بد أن تمر عبر ملك الموت، لماذا؟! ألا يستطيع الله سبحانه أن يقبض الأرواح مباشرة؟! بالطبع يستطيع، إلا أن حكمته شاءت واقتضت أن يصنع ذلك.

مثال آخر أوضح: الله تعالى كيف يرزقُ البشر؟ الجواب: هناك مَلَك مُوكّل بالرزق اسمه (ميكائيل)، فكل رزق ينزل إلى البشر لا بد أن يمر عبر ميكائيل، ولا يمكن أن ينزل مباشرة. فهل إنّ الله تعالى لا يستطيع أن ينزل رزقه إلا عبر ميكائيل؟ بالطبع يستطيع، إلا أن حكمته شاءت واقتضت أنه لا رزق يصل إلى البشر أو إلى غيرهم إلا عبر ميكائيل (عليه السلام).

وكذلك حكمته شاءت أنّ ميكائيل وعزرائيل وجبرئيل وإسرافيل، وحَمَلَة العرش، وكل ملك مقرّب، وكل نبي مرسل، وكل عبد صالح، لا يصل إليه خير ولا رحمة ولا بركة، إلا عبر محمد وآل محمد (صلى الله عليه وآله).

ولهذا فإننا لا نستغرب من أن إبراهيم (عليه السلام) حين يريد شيئاً من الله تعالى كيف يطلبه وبوساطة من؟. وآدم (عليه السلام) إذا كانت لديه خطيئة، ويريد من الله سبحانه أن يغفرها له، فمن خلال أي طريق عليه أن يتوجه حتى تنزل عليه المغفرة والرحمة؟

يجيب القرآن الكريم بقوله: (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه..)(البقرة: 37). وهنا لا نحتاج إلى الروايات حتى نقول بأنه: سأله بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، لأن القضية أصبحت واضحة.

وهذه الكلمات هي نفسها التي نال إبراهيم (عليه السلام) بها وبوساطتها مرتبة الإمامة، حينما أتمها كما يقول القرآن الكريم: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماماً..)(البقرة: 124).

إذن لا خير ولا رحمة ولا كرامة تنزل على أي مخلوق، إلا عبر محمد وآل محمد (صلى الله عليه وآله)، ومن هنا ترد الشبهة الموجودة في بعض الأذهان، حيث أنّ بعضاً يتصوّر أنّ النبي رحمة لأمته فقط، وبتعبير آخر واسطة فيض لأمته دون غيرها!!

فهذا الكلام مرفوض تماماً، إذ أنَ النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) ليس واسطة فيضٍ لأمته فقط!، بل ولا لجميع البشر فقط! وإنما لكل مخلوق خلقه الله تعالى، قال (عز وجل): (وما أسلناك إلا رحمةً للعالمين)(الأنبياء: 107). ومن هنا فإن الملائكة والأنبياء إذا أرادوا شيئاً لا يحصلون عليه إلا عبر محمد وآله الطاهرين (صلوات الله عليهم).

رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: أتى يهوديٌّ إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) فقام بين يديه يُحِدُّ النظرَ إليه، فقال (صلى الله عليه وآله): "ما حاجتُك يا يهودي"؟ قال: أنت أفضل أم موسى بن عمران الذي كلّمه الله وأنزل عليه التوراة والعصا، وفلق له البحر وأظلّه بالغمام؟. فقال له النبيّ (صلى الله عليه وآله): إنّه يُكرَه للعبد أن يُزكّيَ نفسه، ولكنّي أقول: إنّ آدم لمّا أصاب الخطيئة كانت توبته أن قال: (اللهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّدٍ وآل محمّدٍ وآل محمّد لمّا غفرتَ لي)، فغفرها الله له. وإنّ نوحاً لمّا ركب السفينة وخاف الغرق قال: (اللهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّدٍ لمّا أنجيتَني من الغرق)، فنجّاه الله منه. وإنّ إبراهيم لمّا أُلقيَ في النار قال: (اللهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّدٍ وآل محمّدٍ لمّا أنجيتَني منها)، فجعلها الله عليه برداً وسلاماً. وإنّ موسى لمّا ألقى عصاه وأوجس في نفسه خِيفةً قال: (اللهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّدٍ وآل محمّدٍ لمّا آمنتني)، فقال الله تعالى: (لا تَخَفْ إنّك أنت الأعلى)(طه:68)(الأمالي/الشيخ الصدوق/ص٢٨٧).

وقال (صلى الله عليه وآله): يا يهوديّ! إنّ موسى لو أدركني ثم لم يؤمن بي وبنبوّتي، ما نفَعَه إيمانه شيئاً ولا نفعَتْه النبوّة. يا يهوديّ! ومن ذريّتي المهديّ، إذا خرج نزل عيسى بن مريم لنصرته، فقَدَّمه وصلّى خلفه)(الأمالي/الشيخ الصدوق/ص٢٨٧).

ورُوي عن الأعمش قال: رأيتُ جاريةً سوداء تسقي الماء وهي تقول: إشرَبوا حُبّاً لـ عليّ بن أبي طالب، وكانت عمياء. قال: ثمّ رأيتها بمكّة بصيرةً تسقي الماء وهي تقول: اشربوا حبّاً لمَن ردّ به اللهُ علَيَّ بصري. فقلت: يا جارية، رأيتُك في المدينة ضريرة تقولين: اشربواً حبّاً لمولاي عليّ بن أبي طالب، وأنتِ اليوم بصيرة، فما شأنُكِ؟!

قالت: رأيتُ رجلاً قال لي: يا جارية، أنتِ مولاة لـ عليّ بن أبي طالبٍ ومُحِبّته؟ فقلت: نعم، فقال: اللهمّ إن كانت صادقةً فَرُدّ عليها بصرها. فوَاللهِ لقد ردّ اللهُ علَيّ بصري، فقلت: مَن أنت؟ فقال: أنا الخضر، وأنا من شيعة عليّ بن أبي طالب. (بحار الأنوار/العلامة المجلسي/ج٤٢/ص٩).

يتبع...

20/جمادى الأولى/1440هـ