أن تكون حسينيــــــاً


 

نزار حيدر

 

مـوقــع الإمــام الشـيرازي

8/المحرم الحرام/1429

الانتماء الى الحسين (عليه السلام)، ليس لقلقة لسان، كما إن الانتماء الى كربلاء، ليس ادعاء فارغ من المحتوى والمضمون، انه تبني لرسالة وتحمل لمسؤولية وولاء لمنهج.

أما أن ننتمي الى الحسين بن علي (عليه السلام)، ويحكمنا طاغوت كـ (صدام حسين) فهذا يعني إن هنالك خلل كبير في الفهم والوعي والإدراك لمعنى الولاء والانتماء، وان هنالك إشكال في الاستيعاب، فكيف يمكن أن يجتمع الخير والشر في آن واحد؟.

إن في كل نصوص زيارات المعصومين والأئمة (عليهم السلام)، عبارات عميقة المعنى مثل العبارات "عارفاً بحقكم" و "مستبصراً بشأنك وبالهدى الذي أنت عليه" و "المعترف بحقكم" و "مستبصراً بالهدى الذي أنت عليه"" و "عارفاً بضلالة من خالفك" و "أشهد أن من اتبعك على الحق والهدى" و "أشهد انك كلمة التقوى وباب الهدى والعروة الوثقى" و "أشهد الله وأشهدكم أني بكم مؤمن ولكم تابع" و "اني سلم لمن سالمكم، وحرب لمن حاربكم" و "جئتك وافداً إليكم، وقلبي مسلم لكم، وأنا لكم تابع" و "نصرتي لكم معدة، حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين، فمعكم معكم لا مع عدوكم" ما يعني أن شروط الانتماء الى الحسين (ع) كما يلي:

  1- المعرفة والاستبصار بالحق والهدى الذي عليه الإمام.

   2- الاعتراف واليقين بالباطل الذي عليه أعداءه، الى جانب الاعتراف بحق الإمام.

   3- الشهادة على ما نخاطب به الإمام، وعلى ما نعتقده ونعقده في قلوبنا.

   4- الاتباع الحقيقي والعملي، الى جانب القلبي، لما سار عليه الإمام وللنهج الذي خطه في حياته.

   5- تولي الإمام وأنصاره، والتبري من أعدائه.

   6- إعداد العدة دائما لنصرة الإمام ونهجه عندما يتطلب الأمر ذلك.

   فكيف نعرف الحسين الشهيد؟ وما الذي يجب أن نعرفه منه؟ وتالياً، كيف يمكن أن نكون حسينيين حقاً وليس مجاملة أو ثرثرة أو ترديد لكلمات لا تعني لنا شيئاً؟.

   إن أصل الحب هو المعرفة، كما إن أصل الولاء هو المعرفة، ولذلك يجب أولاً أن نعرف الحسين (عليه السلام) لنواليه ونحبه وننتمي الى نهجه الرسالي الوضاء، بصدق ووعي.

   فمن أجل أن تكون حسينياً، عليك:

   أولاً: أن تقرأ الحسين بعقلك قبل عواطفك، وبوعيك قبل أحاسيسك، فالحسين ليس عَبرة فقط (بفتح العين) انه عِبرة (بكسر العين) وفكرة.

   إن ما يؤسف له حقاً، هو اننا حوّلنا الحسين الى تراجيديا نبكي عليها فقط، من دون أن نبذل الجهد اللازم من أجل أن نقرأه فنستوعبه فنتمثله نهجاً للحياة، قبل أن يكون طريقة للاستشهاد.

   إننا ننفق الكثير على الجانب العاطفي لقضية الحسين (عليه السلام)، ولكننا ننفق اليسير جداً على الجانب الآخر لهذه القصة، ولذلك تحول الحسين – عند كثير من محبيه - الى عاطفة تغلبت على جانب العقل والوعي والمنطق.

   فإذا تساءلنا، مثلاً، كم من الأموال الطائلة ننفقها سنوياً لحشد مواكب العزاء والتطبير والزنجير؟ وكم من الأموال والجهد نصرفه على بناء الحسينيات وتشييد التماثيل والأعلام والرايات؟ وفي مقابل ذلك، كم من الأموال خصصناها لطباعة الكتب وتأليف المسرحيات وانتاج المسلسلات والأفلام العالمية، للتعريف بالحسين وأهدافه ومنطلقاته؟ وما هي الميزانية السنوية التي خصصناها للدراسات الجامعية العليا باسم الحسين (عليه السلام)، وللكراسي التعليمية في الجامعات العالمية الراقية، وللزمالات الدراسية للأذكياء من أبنائنا؟.

   لا شك ان الفارق كبير جداً، وان النسبة غير عادلة أبداً.

   نحن لا نريد أن نلغي الجانب العاطفي من قصة كربلاء، أبداً، فالعاطفة، كما نعرف جميعاً، تلعب دوراً كبيراً ومؤثراً في إحياء المنهج، ولكننا في نفس الوقت، لا نريد أن تطغى العاطفة على العقل، والأحاسيس على الوعي، بل ان العاطفة يجب أن تكون طريقاً الى الوعي وليس سبباً لإلغاء الوعي كما هو الحاصل اليوم – بمعظم ما يجري - بشأن قصة الحسين (عليه السلام).

   من جانب آخر، فإن الحسين (عليه السلام) لا زال مشروع طائفي أو إقليمي محصور في اهتماماتنا، لأننا، وللأسف الشديد، لم نبذل الجهد اللازم من أجل التعريف به وبأهداف ثورته عالمياً، في الوقت الذي نعرف فيه انه مشروع إنساني عالمي وليس مشروعاً شيعياً أو عربياً أو حتى إسلامياً، انه كمشروع رسول الله (ص) لكل البشرية، فهو مدرسة لكل الأحرار, ومنهج لكل من يسعى لنيل الحرية ويكافح ضد الاستبداد والتسلط غير المشروع، انه مشروع إصلاح عالمي، ولذلك يجب أن يكون اهتمامنا به عالمياً للتعريف به لكل العالم، ولو كنا قد فعلنا ذلك، لما جهلته البشرية، ولما نظرت الى الإسلام كما تنظر إليه اليوم، كونه دين القتل والعنف والكراهية، ولعرفت ان الحسين (عليه السلام)، مشروع مودة ولين ومحبة وسلام، حمله من كربلاء، وانطلق به الى كل البشرية.

   من هذا المنطلق، أرى ان من اللازم، إذا أردنا أن نكون حسينيين حقاً، أن نقرأ الحسين وكربلاء وعاشوراء بعقولنا، لنستوعب المنهج ونهضم الأهداف في حركتنا الاجتماعية.

   ثانياً: ومن أجل أن ننجح في استيعاب الحسين بعقولنا، يلزم أن يكون المنطلق ربانياً،  والى هذا المعنى أشار الإمام (عليه السلام) بقوله "فمن قبلني بقبول الحق" أي ان من يريد أن يستوعب حركة الإمام الحسين (عليه السلام)، عليه أن يقبل بحركة الخالق في عباده، لأن حركة الحسين هي جزء من الحركة العامة التي خلقها الله تعالى وأرادها لعباده.

مشكلة البعض منا، انه يفصل بين حركتين، الأولى هي حركة الخالق جل وعلا، والثانية هي حركة الحسين (عليه السلام)، وكأنهما حركتان متوازيتان، أو متقاطعتان، ولذلك لم يستطع أبداً أن يفهم حركة الحسين (عليه السلام).

  إذا أردنا أن نكون حسينيين، علينا أن نقرأ حركة الحسين في كربلاء، بعقول ربانية، لنعي أهدافها ومنطلقاتها ونستوعب نتائجها بشكل سليم.

   ثالثاً: أن ندرس منطلقات وأهداف ونتائج الثورة الحسينية، كحزمة واحدة، من جانب، وبعقل منفتح لا تسيطر عليه العاطفة أو المصالح الأنانية، أو البعد الطائفي، من جانب آخر.

   أما إننا نريد أن نكون حسينيين في العزاء، يزيديين في الالتزام بالفرائض، او ان نكون حسينيين في البكاء وأمويين في الالتزام بأخلاقيات الإسلام، فهذا تناقض يرفضه الدين والعقل والحسين (عليه السلام).

   إن السبط حزمة واحدة، فهو الدين كله، فأما أن نكون حسينيين حقاً فنلتزم بكل الدين وقيمه وأخلاقياته، أو نخادع أنفسنا عندما ندعي الانتماء للحسين ونحن لا نلتزم بما أمرنا الله تعالى به، فهذا هو النفاق بعينه والتناقض بذاته، فالحسين ليس تجارة وهو ليس سلعة، إنه الدين الذي جاء به جده رسول الله (ص).

   هذا يتطلب أن نلتزم بالدين كمنهج وليس كـ (تجارة) أو أداة دنيوية لتحقيق مصلحة آنية، كما يفعل الكثيرون ممن أشار إليهم الإمام الحسين (عليه السلام) بقوله "الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم"".

   ولم يقصد الإمام بقوله "الناس" عامة الناس فحسب، أبداً، وإنما قصد كل الشرائح الاجتماعية التي من الممكن أن يكون فيها من ينطبق عليه قول الإمام.

   فكم من العلماء والفقهاء تحول الدين عندهم الى أداة ارتزاق، ومصدر عيش، فتراهم على أتم الاستعداد، وفي كل آن، لبيع دينهم والتنازل عما يدعون إليه من قيم، بسعر بخس، كأن يكون حفنة من المال أو منصب ما أو جاه معين؟.

   وكم من القادة والسياسيين الذين تحول الدين عندهم الى سلعة تباع وتشترى، والى أداة يتاجر بها، للوصول الى السلطة، فإذا ما حقق غايته الدنيوية، خاطب كتاب الله العزيز ، بما خاطب به الوليد بن عبد الملك القرآن الكريم عندما أخبر بأن الخلافة وصلت إليه، بقوله "هذا فراق بيني وبينك".

   إنه يقرأ القرآن الكريم تظاهراً، ويصلي في المسجد رياءً، ويصوم ويحج تكلفاً، مثله في ذلك، مثل من كان يصلي في المسجد بكل خشوع وتذلل الى الله تعالى، وبذلك الصوت الجهوري الذي يحبه الله ورسوله والمؤمنون. في الأثناء دخل عليه شخصان يريدان الصلاة في المسجد، فسمعهما يتباهيان بخشوعه وقراءته الدقيقة للآيات وتذلله بين يدي الله عز وجل. قطع صاحبنا صلاته، والتفت إليهما قائلاً "يا جماعة، أنا صائم كذلك".

   رابعاً: نحن نقرأ في دعاء قنوت صلاة العيدين ما يلي:

   "اللهم أدخلني في كل خير أدخلت فيه محمداً وآل محمد، وأخرجني من كل سوء أخرجت منه محمداً وآل محمد"" فكيف السبيل الى ذلك؟ وكيف يمكن تحقيق هذه الأمنية العظيمة؟.

   في البدء، يجب أن نعرف بأن مثل هذا الهدف لا يتحقق بالدعاء فقط، ولا بالتمني فحسب، وإنما بالعمل والاجتهاد وبذل الجهد لتحقيقه، خاصة وانه هدف استراتيجي كبير.

   ثم، إذا أردنا تحقيق ذلك، علينا أن نعرف الخير الذي دخل فيه أهل بيت النبوة، لنسير في هداه حتى الوصول إليه، كما إن علينا أن نعرف السوء الذي لم يدخل فيه أهل البيت (عليهم السلام)، لنتجنبه ونتحاشاه.

   ومن خلال قراءة سيرة أهل البيت (عليهم السلام) يتضح لنا ان الخير الذي هم فيه، إخلاصهم لله تعالى، وحبهم الخير للناس من دون تمييز، فهم باب رحمة الله الواسعة لكل بني البشر، كما إنهم الجادة التي ما سار عليها أمرؤ إلا هدي الى الصراط المستقيم.

   من يريد أن يكوم حسينياً، عليه، إذن، أن يحب الخير لكل الناس من دون تمييز على أساس الدين أو العرق أو العشيرة أو الانتماء الجغرافي.

   كذلك، عليه أن يكون باباً للخير لهم، فلا يمنعهم الخير إذا وقف على بابه.

   خامساً: لنعرف ماذا فعل الحسين (عليه السلام)، لنفعل مثله، فنكون حسينيين.

   لقد لخصت الزيارة المعروفة، بزيارة "وارث" الأفعال التي أنجزها السبط الشهيد، وهي كالتالي:

   الف: أشهد انك قد أقمت الصلاة.

   باء: وآتيت الزكاة.

   جيم: وأمرت بالمعروف.

   دال: ونهيت عن المنكر.

   هاء: وأطعت الله.

   واو: ورسوله.

   من هنا تتضح معالم الرجال الحسينيين.

   فالحسيني، هو من يذوب في ذات الله تعالى ويطيع رسوله، ويلتزم بما أمر به، فليس حسينياً من لا يصلي، مهما كثر بكاؤه عليه أو زادت تعزيته، وليس حسينياً من لا يطع الله ورسوله، وليس حسينياً من يتفرج على المنكر فلا ينهى عنه، أو يعرف المعروف ولا يأمر به أو يدل عليه.

   ولأن الحسين (عليه السلام) كان ربانياً بكل معنى الكلمة، لذلك قال لمن دعاهم لنصرته "فمن قبلني بقبول الحق، فالله أولى بالحق" أي انه لم يكن يريد النصرة لنفسه، كما إنه لم يطلب طاعة الناس لذاته، كما يفعل الطغاة والجبابرة، وإنما طلبها لدين الله تعالى ولقيمه السمحاء التي كادت أن تندرس لو لا تضحيته السخية.

   الحسينيون، إذن، لهم مواصفاتهم الحقيقية، وما عدا ذلك، يبقى كلاماً فارغاً وأحيانا معسولاً، قد يخدع الناس ولكن لن يخدع الله تعالى العالم بسرائر الأمور وما تخفي القلوب، أو لم يقل رسول الله (ص) "لا يخدع الله عن جنته"؟.

   سادساً، وأخيراً, فإن الحسيني حقاً هو الذي لا يوالي من هو عدو للحسين، ولا يعادي من يحب الحسين أبداً، ولذلك نقرأ في الزيارة المشار إليها "إني سلم لمن سالمكم، وحرب لمن حاربكم" بمعنى آخر، فإن الحسينيين يشكلون بمنهجهم وبطريقتهم وبمجموعهم جبهة واحدة لا تهزها العواصف، ولا يخترقها اليزيديون، مهما كانت أشكالهم ووسائلهم التضليلية.

   الحسينيون، وحدة واحدة منسجمة ومتآلفة ومتعاونة، وإذا وجدنا يوماً انهم متخاصمون أو متفرقون، يضعف بعضهم بعضاً، ومتقاتلون على حطام الدنيا، فذلك يعني انهم تركوا الانتماء الى الحسين (عليه السلام)، وارتموا في حضن الشيطان، وانهم انقلبوا على أعقابهم وارتدوا على منهجهم، ليستبدلوا الولاء للحسين بالطاعة ليزيد وأشباهه.

   في مثل هذه اللحظة على وجه التحديد، عليهم أن يعيدوا حساباتهم، فيرجعوا الى صوابهم قبل فوات الأوان، فإن من لم يكن حسينياً في المنهج والوعي والانتماء والعمل والمشاعر والممارسة اليومية، فهو يزيدي في كل ذلك، وان لم يعلن هويته على الملأ بصراحة ووضوح.