بين ثقافتي القطيع وحرية الاختيار


 

 

د. وجيه قانصو

موقع الإمام الشيرازي

 

جنوبية - أقل ما يقال في الفتاوى، التي تلزم المواطن بانتخاب جهة وتحرم عليه انتخاب جهة أخرى، بأنها تنم عن بلاهة فكرية وشعوذة دينية. ما يعنيني ليس خصوص فتوى بعينها، بل السلوك المنظم والمكثف لإقحام الدين في مجال السياسة، بالأخص في حدث الانتخابات النيابية في لبنان، إما الإيحاء بأن بقاء الدين واستمراره مرهون بمسار الانتخابات ونتائجها، وإما اعتبار الانتخابات حدثاً دينياً، أي من ملحقات سلطة رجل الدين، بخاصة الهواة منهم، ومتحدداً بفتواه في تقرير ما يحل وما يحرم، ما هو صحيح وما هو باطل، ما هو هداية وما هو ضلال.

وفي كلتا الحالتين، هو تقزيم الدين وتحجيمه بعد استتباعه لجهاز سلطة أو شبكة مصالح خاصة، وهو في الوقت نفسه امتهان لإرادة الإنسان وكرامته، بعد سلبه الحق في أن يفكر ويقرر ما هو الأحسن لواقع حياته ومصيره، أي التعامل مع الناخب كقاصر لا يعرف كيف يقدر الأمور وما هو الأصلح له. هي فتاوى تمتهن الدين والإنسان معاً.

فكرة الإنتخابات في أصلها التأسيسي، ليس غرضها تقرير مصلحة أو تغليب تيار على آخر، أو حتى الانتصار لدين أو عقيدة على أخرى، بل منح الناخب الحق الحصري في تقرير من يمثله أفضل تمثيل، أي أن يقرر من يتحلى بالأمانة والكفاءة اللازمتين، للقيام بمهمة توفير الشروط اللازمة لحياة آمنة وكريمة. بالتالي فإن المبدأ الحامل لفكرة الانتخابات، هو أن الإنسان وحده يقرر ما هي مصلحته، وما هو خير له وكيف تكون سعادته. أي حقّه الحصري والمستقل في أن يفكر لوحده، وحقّه الحصري في أن يقرر بإرادة حرّة، لا إملاء فيها ولا ضغط ولا ترهيب، ولا إحساس بالذنب أو المعصية أو التهديد بالخيانة.

بذلك تكون الإنتخابات هي المحك الفاصل، بين الوصاية على الإنسان وبين أن يكون حراً. بين أن نقرر ونفكر عنه ما هو صالحه، وبين أن نحترم رأيه وتفكيره ونثق بأنه غير قاصر وقادر على التفكير، وعلى اتخاذ القرار لوحده. هو الفرق بين الاستبداد الذي ما انفك يدّعي طوال التاريخ، أنه الطريق الوحيد إلى السعادة والصلاح، أي ربط الصلاح بالاستلاب والعبودية، وبين الحرية التي تقول أن الإنسان صاحب الحق الوحيد في تقرير مصيره، أي لا ثابت فوق حريته، ولا مصلحة أعلى وأرفع من أن يمارس حريته. إنه الفرق بين من ينتمي إلى القطيع الذي يأنس بالظلمة، ويخاف من تحمل المسؤولية، ويبحث عمن يلقنه ويفكر ويقرر عنه ، وبين من يغامر بحريته ومستعد لتحمل عواقب فعله مهما كانت تبعاته.

بذلك، لا تتقرر المصالح قبل الإنتخابات بل بعدها. أي لا حق يسبق ولا مصلحة تعلو فوق حق ومصلحة أن تقرر لوحدك. فالثابت الأول الذي لا يناقش، ولا يمكن الشك فيه هو الحرية، هي أصل الأصول والحق غير القابل للانتزاع، وكل ما عداها من حق أو مصلحة، يأتي بعدها ومن متفرعاتها ويُقدَّرُ بقدرها. أي لا معنى لمصلحة تعلو الحرية، وكل مصلحة تسبقها وتقيّدها أو تعلو عليها، هي شكل مبطن أو مقنع من أشكال العبودية، وكل فتوى تلزم أو تحرم أو تملي هي أداة ترهيب، ووسيلة تحسيس الناس بقصورهم وتقصيرهم، بل هي عدة خبيثة لصناعة القطيع، الذي من أهم خصائصه تعطيل قوى الإنسان، ولعن الحياة واحتقار كل مظاهر النبل والابداع.

يبدو أن الحرية باتت القيمة التي تخيف الكثيرين، ممن يحشدون كل ما لديهم من أدوات تخويف، وإثارة غرائز وحشد للمقدسات والمقدسين في ساحة السجال لمحاصرتها وقمعها، بحيث تكاد تكون الحرية هي محك الانتخابات المقبلة في لبنان، وليس الأشخاص أو الجهات الذين ينجحون ويفوزون، بحكم أن الناخبين الذين صوتوا لهم، لم يعرفونهم يوما ولم يطلعوا على مقدراتهم وإمكاناتهم.

أي لم تعد نتائج الإنتخابات هي مدار نجاحها أو إخفاقها، بل عملية الإنتخابات نفسها، أي الطريقة التي يقترع بها المقترعون، والفضاء التي يؤطر فعل الانتخاب نفسه، بين مقترع يتنازل عن حقه وحريته وحتى كينونته، لصالح شخص أو جهة أو حزب يقرر مصيره ويحدد معنى وجوده، وبين مقترع يحمل إصراراً مقتحماً على ممارسة حقّه الحصري والحرّ بالاختيار، لأنها بنظره الفيصل بين أن يكون إنساناً أو لا يكون.

هو وضع لا يقرّر حقيقة الناخب ونظرته إلى نفسه، بل الوجهة التي ستقرر مصير لبنان للسنين المقبلة.

* (كاتب وأكاديمي لبناني)

15/ شوال/1443هـ