من تاريخ الكعبة المشرّفة (1)


 

 

موقع الإمام الشيرازي

 

بناء الكعبة

اختلف الرواة والمؤرخون في الذي بنى الكعبة، فمن قال إن أول من بناها هم الملائكة، ومن قال أنه آدم (عليه السلام)، وقال بعضهم أن الباني هو شيث (عليه السلام). ولكن المتيقن أن الباني هو النبي إبراهيم وابنه إسماعيل (عليه السلام)، وذلك لقوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)(البقرة 127). وقد استفاد بعضهم من هذه الآية أن إبراهيم (عليه السلام) رفع القواعد بعد أن كانت مندثرة ومخفية بالطوفان وعوامل الطبيعة، وأن البناء الذي رفعه إبراهيم (عليه السلام) بمساعدة ولده إسماعيل (عليه السلام) كان للعبادة لا للسكنى بقرينة دعائهما (عليه السلام): (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا).

لما وَلَدَت هاجر لإبراهيم وَلَدَهُ إسماعيل في فلسطين، أمره الله تعالى بأن يهاجر بهما باتجاه الجنوب، فلما وصل بهما إلى واد ضيَّق، ذي طبيعة صحراوية صخرية قاسية، لا زرع فيه ولا ماء ولا حياة، تركهما هناك، وأراد العود إلى أرض فلسطين، حيث زوجته الأولى سارة، نادته هاجر: يا إبراهيم لِمن تكلنا هنا في هذا الموضع الذي ليس فيه أنيس ولا ماء ولا زرع؟ فقال لها إبراهيم: إلى الله سبحانه الذي أمرني أن أضعكم في هذا المكان، فهو يكفيكم، ثم انصرف عنهما، فلما بلغ كداء (وهو جبل بذي طوى)، التفت إبراهيم ودعا ربَّه قائلاً: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ)(إبراهيم 37).

وفي هذه الآية الكريمة إشارة، إمّا إلى وجود أساسٍ بيت الله الحرام في هذا المكان، كان قد أُقيم في عصور غابرة، قبل إبراهيم (عليه السلام)، أو أن إبراهيم كان قد أُخبر عن طريق الوحي، أن الله سيقيم في هذا المكان بيتاً مقدّساً يتعبّد الناس فيه لله سبحانه.

عطش الطفل الصغير (إسماعيل) وكاد يموت من العطش، وأصاب أُمّه هاجر الحزن والقلق على ابنها، وأخذت تركض في كل مكان، وتسعى بين جبلي الصفا والمروة، علّها تجد ماءا لإبنها الرضيع، ولكن لا جدوى، وفجأة نظرت إلى مكان طفلها، فرأت الماء ينبع من تحت قدميه، فأسرعت وعملت من الرمل والحجارة حوضاً، وهي تقول للماء "زم .. زم" أي "ضمّ .. ضمّ"، ولذلك سُميّ نبع الماء هذا بـ(زمزم).

ولما بلغ إسماعيل (عليه السلام) مبلغ الرجال، زاره والده إبراهيم (عليه السلام) وقد أُمر ببناء بيت لعبادة الله تعالى، فوق أساس كان موجوداً من زمن بعيد، ولما أنهى إبراهيم وابنه إسماعيل البناء، قال داعياً ربّه: (رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِير)(البقرة 126).

مكة قبل الإسلام

استمرت "قبيلة جرهم" لقرون عديدة في سيطرتها على مكة وعمارتها للبيت الحرام، حتى جاءت "قبيلة خزاعة" فغلبتها عليها، وتحولت مكة إلى سيطرتها مدة طويلة من الزمن، إلى أن جاءت "قريش" بزعامة قصي بن كلاب، الجدّ الأعلى لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، من نسل إسماعيل بن إبراهيم (عليه السلام)، فتغلب على "خزاعة" وأخرجهم من مكة، وتولىّ أمر الكعبة ومكّة، فكان قصيّ أوّل بني كعب بن لؤي ملك على قومه، وخضعوا له معترفين له بالسيادة، فكانت له الحجابة (مفاتيح البيت عنده فلا يدخله أحد إلا بإذنه)، والسقاية (سقاية زمزم)، والرفادة (طعام كانت قريش تجمعه كل عام لأهل الموسم)، والندوة (الاجتماع للمشورة والرأي)، واللّواء (في الحرب)، فحاز شرف مكة كلّه، واتّخذ لنفسه دار الندوة، وجعل بابها إلى مسجد الكعبة، ففيها كانت قريش تقضي أمورها.

عام الفيل

انتقلت زعامة قريش وسدانة الكعبة بعد قصي في أحفاده، إلى أن وصلت إلى عبد المطلب جدّ رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله)، فكان أشبه الناس بجدّه الأكبر إبراهيم الخليل (عليه السلام)، وفي زمنه بنى "أبرهة الحبشي" بصنعاء كنيسة سميت "القُلّيْس"، لارتفاع بنائها وعلوّها، أراد بذلك أن يصرف حج العرب من الكعبة المشرّفة إلى الكنيسة في صنعاء، ولم يكتف أبرهة بذلك، بل صمّم على هدم الكعبة، فجّهز حملة عسكرية ضخمة، يتقدّمها بنفسه على ظهر فيل لإنجاز هدفه. وهرب سكان مكّة خوفاً ورعباً، وبقي سيّدهم عبد المطلب، جدّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وحده عند الكعبة المشرّفة، وهو يقول: (إنّ للبيت ربّاً سيمنعه) أي سيحميه.

وفي الصباح تهيّأ أبرهة راكباً فيله، على رأس جيشه، لدخول مكّة وهدم الكعبة، فوقف الفيل وامتنع من الحركة باتجاه بيت الله الحرام، رغم محاولات "أبرهة" المتكررة، فجعل تدبيرهم لهدم الكعبة في "تضليل" تضييع، بأن أهلكهم وحفظ الكعبة، فقد أرسل الله عليهم طيراً أبابيل، ترميهم بحجارة من الطين المتحجر، وكان كل واحد من الطير، يحمل في منقاره ورجليه ثلاثة أحجار، فيقتل ثلاثة أشخاص، فجعلهم الله تعالى "كعصف" كورق زرع "مأكول" أكله الدواب، فإنه لا فائدة فيه ولا منظر له، فدمّرت الجيش بكامله، حتى أبرهة مات أثناء فراره، مما أصابه من حجارة الطير المهاجم له وجيشه.

وحدث ذلك في سنة 570م، السنة التي وُلد فيها خاتم الأنبياء والمرسلين محمّد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) حفيد عبد المطلب، وقد خلّد الله تعالى هذه الحادثة في آيات بيّنات سميّت بسورة الفيل، حيث يقول سبحانه: (بسم الله الرحمن الرحيم أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ)(سورة الفيل).

4/ ذو الحجة/1444هـ