الأقليات في السعودية: اضطهاد وتهميش يمزِّقان الوطن


 

علي آل غراش

 

مــوقــع الإمــام الشــيرازي

8/ربيع الأول/1429

هل يحترم المسؤول في الإدارات الحكومية والأهلية السعودية خصوصية الطرف الآخر ـ من مواطنين ومقيمين ـ الدينية والمذهبية والفكرية؟ وما مدى حجم ومسؤولية المسؤول في تنامي التفرقة والنعرات الطائفية البغيضة، والفساد في الإدارات، وبالتالي داخل المجتمع السعودي؟

الفساد الإداري والاجتماعي

إن حالات الفساد الإداري والمالي والاجتماعي والتمييز بين الموظفين ومع بقية المواطنين من الناحية القبلية والمناطقية والمذهبية والفكرية في القطاع الحكومي والأهلي الناتجة عن إساءة استخدام السلطة، واستغلالها لتحقيق أغراض شخصية، وغياب ثقافة التعددية، واحترام خصوصية الطرف الآخر، والتي أدت إلى ضياع حقوق أبناء المجتمع، وإلى خسائر مادية تتجاوز ثلاثة مليارات ريال، والاعتداء الصارخ والصريح على ركائز مبادئ وأسس الهوية الوطنية، وتعريض اللحمة الوطنية للخطر.

كل هذا لم يصبح سراً مخفياً وخطاً أحمر، بعدما شاعت وفاحت رائحته النتنة، وأكده احتلال السعودية المرتبة 78 من أصل 160 دولة في العالم من حيث انتشار الفساد كما جاء في تقرير منظمة الشفافية العالمية، وبسبب ذلك قررت الحكومة إنشاء هيئة وطنية لمحاربة الفساد يشرف عليها الملك مباشرة.

بالإضافة إلى تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية حول وقوع تجاوزات واعتداءات على الحقوق الإنسانية والوطنية، ومنها خصوصية الأقليات الدينية والمذهبية وأصحاب التوجهات الفكرية.

استغلال المنصب

وبعض المسؤولين المرضى لا تهمهم مصلحة العمل والموظفين "العمال" وخدمة الوطن والمواطنين؛ ولا يضعون أي اعتبار لحقوق وخصوصية الأقليات، بل يبحثون عن مصالحهم الشخصية باسم الدفاع عن مصلحة الإدارة كتوظيف من هم من قبيلتهم أو طائفتهم، ووضعهم في المواقع الإدارية الكبيرة والمريحة بدون وجه حق، وتقديمهم في منح المكافآت والتعويضات المادية، والتساهل معهم في منح الإجازات، بينما يكون نصيب من يختلف مع هؤلاء المسؤولين في القبيلة والطائفة والفكر.. المنع والتشدد والتضييق، وعدم احترام العادات والمناسبات الخاصة، الخصوصية الدينية والفكرية التي ينبغي أن تكون مكفولة لجميع المواطنين!.

التربية وثقافة التفرقة

الأمر الغريب ان بعض المسؤولين في بعض الإدارات الأهلية والحكومية ومنها وزارة التربية والتعليم المسؤولة عن زرع ثقافة التسامح والمحبة بين أبناء الوطن الواحد، ومحاربة التشدد وجميع أنواع التفرقة والطائفية منذ الصفوف الأولى تساهم من حيث تدري في ترويج ثقافة عدم احترام خصوصية الأقليات الدينية والمذهبية، وخصوصية الطرف الآخر المختلفة.

تتبنى الوزارة مواقف متشددة تتعارض مع مبادئ احترام الخصوصية لأبناء المجتمع الذي يتشكل من فسيفساء للطوائف الدينية المتعددة والمدارس الفكرية المتنوعة لكل مجموعة خصوصية، مما يؤدي إلى تأجيج النعرات الطائفية وتمزق المجتمع.

ومثال ذلك القرارات المتعلقة بإجبار الجميع على الخضوع وتبني فكرة أو توجه واحد، ومنع أبناء الأقليات من التعبد حسب أصول عقيدتهم، ومنع دخول وتداول الكتب ذات التوجهات الأخرى والخاصة بالأقليات، وكذلك إصدار القرارات المتعلقة بالمناسبات الدينية ببعض الأقليات في مناطق تواجدها بكثافة ( كتحديد الفترة لأمور مهمة ومصيرية كالاختبارات والتقييم.. لإجبار المرء على التواجد وعدم الغياب والمشاركة في المناسبة الخاصة).

وفرض العقوبات على كل من يتغيب بسبب إحياء المناسبة التي تعني الكثير للمسلمين "حيث إنها إجازة رسمية في اغلب الدول الإسلامية" كرسالة واضحة بعدم احترام خصوصية المواطنين بالشكل المطلوب في المناطق التي يشكلون فيه أكثرية..مما يعني المزيد من التشنج، وخلق أجواء من الطائفية والتشدد وعدم الارتياح بين أبناء الوطن الواحد.

ارامكو والتعددية

وتعدُّ شركة أرامكو منذ نشأتها رائدة في احترام خصوصية الموظفين الفكرية والثقافية والدينية والمذهبية، واحترام خصوصية المرأة من خلال فتح المجال لها بالعمل والابتعاث، وقيادة السيارات في مواقع الشركة، كما أن الشركة صاحبة المبادرة بتخصيص إجازة رسمية في اليوم الوطني رغم تحفظ الحكومة ـ قبل اعتلاء الملك عبد الله الحكم وإعلان اليوم الوطني إجازة رسمية ـ وإجازة في أول يوم من السنة الهجرية، وعيد الميلاد، وبداية العام الدراسي، وكذلك يوم العاشر من محرم ضمن رزنامة الشركة السنوية، وفي ذلك رسالة تقدير واحترام لخصوصية التنوع والتعددية الدينية والثقافية، واحترام لأبناء المنطقة الشرقية الشيعة الذين بذلوا الكثير في تأسيس الشركة؛ قبل أن تصبح إدارتها سعودية، ويتسرب بعض التشدد بسبب سياسة بعض المسؤولين!

احترام الخصوصية

شكرا لأصحاب الأعمال ومسؤولي بعض الإدارات والشركات الحكومية والأهلية الذين يقفون بجانب الموظفين والعمال في المواقف الإنسانية في المناسبات السعيدة والمفرحة، وكذلك في المناسبات الحزينة كالإصابات والوفيات، وفي دعم الموظفين واحترام المناسبات الخاصة الدينية وجعلها إجازة مفتوحة للموظفين أو التساهل وغض الطرف عمَّن يحرص على إحياء المناسبات كما فعل بعض رجال الأعمال والمسؤولين كرسالة احترام وتقدير لخصوصية الآخر الدينية، وتضامن مع الموظفين.

وأخيراً، إن العلاقة الإنسانية النبيلة القائمة على الاحترام والتقدير والتسامح، وتحسس مشاعر الآخرين، وتلمس حاجاتهم وظروفهم، واحترام المناسبات الخصوصية للطرف الآخر.. بين أبناء المجتمع الواحد أو في أي موقع عمل قادرة على بناء علاقة أخوية قوية بين الجميع مهما كانت الفوارق القبلية والمذهبية والمناطقية والفكرية والمادية، كما أنها تساهم في بناء مجتمع ووطن منسجم وناجح.