![]() |
|
|
مــوقــع الإمــام الشــيرازي 16/ربيع الأول/1429
الإدارة الحديثة لاستراتيجيات التنمية في نهاية السبعينيات من القرن الماضي أخذ الاهتمام يتزايد في الدول العربية بمفهوم الإدارة الاستراتيجية بهدف تزويد الباحثين والمعنيين والخبراء بالمعرفة في المشاكل الحقيقية لمنظمات الأعمال والمؤسسات وماهية الحلول لمعالجتها في ضوء المتغيرات البيئية. إذ إن التوسع في دراسة البيئة الخارجية والداخلية يتيح صياغة استراتيجية قادرة على مواجهة التحديات التي تقف في طريقها بغية تحقيق أهدافها. وقد أصبح يطلق على الحقل المذكور (الإدارة الاستراتيجية) من خلال التركيز على مستوى المنظمة ككل، لذا جاء التركيز على مفهوم البيئة وتأثيراتها على المنظمات ما أدى الى استبدال مصطلح (سياسة الأعمال) الى مصطلح (الإدارة الاستراتيجية) لشموليته وقدرته على تمكين المنظمة من تحقيق أهدافها بفاعلية وكفاءة. في معنى الاستراتيجية اشتقت الاستراتيجية كمفردة من الكلمة اليونانية strategos أي فن القيادة، لذا فهي ترتبط بالمهام العسكرية, وقد عرفها قاموس وبستر بأنها "علم تخطيط العمليات العسكرية وتوجيهها", ومن ثم تعددت استخداماتها في جميع العلوم الاجتماعية والإدارية والسياسية وغيرها. وفي حقل الإدارة لم يتفق على تعريف شامل محدد للاستراتيجية، فمنهم من قال بأنها الغايات ذات الطبيعة الأساسية. ومنهم من قال بأنها تحديد الأهداف والغايات البعيدة المدى مع تخصيص الموارد لتحقيق تلك الأهداف والغايات.. وغير ذلك من تعاريف, أما الإدارة الاستراتيجية فقد تعددت هي الأخرى تعاريفها، لكن على القول انها تشكل الفعاليات والخطط التي تضعها المنظمة على المدى البعيد بما يكفل تحقيق التلاؤم بين المنظمة ورسالتها وبين البيئة بشكل فاعل وكفوء. كما قال توماس .. أما دراكر فقد أكد على الجانب المعلوماتي من خلال قوله "إنها عملية مستمرة لتنظيم وتنفيذ القرارات, وتوفير المعلومات اللازمة, وتنظيم الموارد والجهود الكفيلة لتنفيذ القرارات, وتقييم النتائج من خلال نظام معلوماتي متكامل وفعال".. تأسيساً على ذلك فإن الإدارة الاستراتيجية تتضمن المراحل المتقدمة لتحديد رسالة وأهداف المنظمة في سياق الظروف البيئية المرافقة.. ويمكن أن تكون خطواتها في صياغة الرسالة وتحديد الأهداف، وصياغة الاستراتيجية، والتحليل الاستراتيجي، والخيارات الاستراتيجية على مستوى المنظمة بشكل خاص، ومن ثم تنفيذ الاستراتيجية، وتقييم ورقابة الأداء لتحقيق الأهداف. التغييرات البيئية إن تغير البيئة من مستقرة الى سريعة التغيير جعل المنافسة عالية وتتسم بعدم التأكد، ما فرض ضرورة الاستجابة لمتغيرات المواقف البيئية، وبخاصة في تحليل الفرص والتهديدات مع تخصيص وتنظيم الموارد لتحديد السياسات التفصيلية ومتابعة وتقييم وتنفيذ الخيار الاستراتيجي.. إن تحليل عناصر الضعف والقوة والفرص والتهديدات من خلال مصفوفة SWAT يمكن من تطوير الإدارة الاستراتيجية, وتأكيد ترابطها الوثيق بعوامل البيئة الخارجية والداخلية وتأثيراتها في تنفيذ وتصميم الخطط . وقد شهد العقد الأخير من القرن الماضي زيادة سرعة وديناميكية المتغيرات البيئية في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والتشريعية وغيرها، أضف الى ذلك افرازات العولمة مع ظهور مداخل جديدة في الإدارة كمدخل إدارة النوعية الشاملة TQM واعادة هندسة الشركات، ومدخل الهدم الخلاق creatuve Destruction ومدخل المقارنة المرجعية .. وغيرها، وهو دليل كبير على الدور الفاعل للإدارة الاستراتيجية على صياغة وبناء الغايات والأهداف وصنع الخيار الاستراتيجي الملائم. في ضوء ذلك فإن (الإدارة الاستراتيجية) أصبحت تمارس دوراً حيوياً في حياة المنظمات من خلال كونها عملية تصور مستقبلي وفق منظور تحليلي مستمر متجدد ومتكيف مع التحديات البيئية. الإدارة الاستراتيجية الناجحة إن المنظمات والمؤسسات الساعية للبقاء والنجاح والتفوق والتميز التنافسي لابد لها من ممارسة التخطيط الاستراتيجي لبلوغ أهدافها المرسومة بعناية ضمن مدة زمنية مناسبة.. ومواجهة التحديات وحالة عدم التأكد البيئي، وبخاصة من خلال امتلاك نظم معلومات استراتيجية.. إذ إن ذلك يدعم المركز التنافسي ويساعد على الإفادة من الموارد، وتخصيصها بطريقة فعالة, وبذلك فإن الإدارة الاستراتيجية هي الأداة الفاعلة للقيادة الإدارية في تنمية التفكير الاستراتيجي, وتطوير الاستشراف المستقبلي، إضافة الى توفير فرص المشاركة لجميع المستويات في عملية التخطيط والتنفيذ، مع الاهتمام بالمعرفة كميزة تنافسية، كما أنها تساهم كمنظومة متكاملة في اتخاذ القرارات الاستراتيجية المستقبلية. إن التنافس الشديد فرض إيجاد عناصر قيادية تتولى مسؤولية الإدارة الاستراتيجية تتجلى مسؤوليتهم في تحديد الأهداف والغايات البعيدة المدى - والتي تشكل مرحلة متكاملة، وتحليل البيئة ومتغيراتها والمشاركة في التنفيذ والمتابعة، وذلك يتطلب أدواراً ومهام أساسية تشمل جميع العمليات والأنشطة في المؤسسة، مع تحقيق الانسجام - الهارموني بين الأهداف الآنية والمستقبلية من خلال قرارات حاسمة. ولعل من أبرزها القيام بالأدوار الرئيسة، والقيادة الفعالة الديناميكية، وإدارة التخطيط الاستراتيجي. خصائص القادة الاستراتيجيون أما أبرز خصائص المدراء والقادة الاستراتيجيين كما حددها (دراكر) فهي، أولاً أن تكون أعمالهم وأنشطتهم غير روتينية وغير متكررة إلا قليلاً، وثانياً أن يتمتعوا بقدرات استثنائية مع إمكانات عالية في التحليل والتشخيص وتقييم البدائل، مع القدرة غير المعتادة في الحدس والتنبؤ بالمستقبل. وقد أضاف لذلك مفكرون آخرون وضوح الرؤية الثاقبة عند وضع الأهداف. كذلك أضافوا القدرة على الإحاطة والاطلاع بمديات القرارات من خلال شبكة معلوماتية ونظرة تحليلية مميزة. فلقد أوضح (راب) إن صورة (القائد - المدير الاستراتيجي) تختلف عن صورة متخذ القرار العقلاني بالتأكيد بمعرفته الذكية بمكامن الضعف ومساحات عدم الجدوى، مع قدرته على بناء الإئتلافات للحصول على أهدافه بأقل احتكاك وخسارة أي في كونه سياسي التكوين. الإدارة الاستراتيجية في العراق في ضوء ذلك واستناداً لكل التحديات التي تواجه العراق في الظروف الراهنة، ومنها شروط العولمة والانفتاح على السوق العالمي والمؤثرات الاستثنائية الملحة، فإن ما تصرح به قيادة الدولة من إنها ستكلف حكومة تكنوقراط للارتقاء بأعلى مسؤولية رسمية تنفيذية، هو مدخل استراتيجي مهني واعد لمعالجة التدهور وفق منظور مستقبلي موضوعي .. ولذلك أيضاً يستلزم التعامل مع الأمور استناداً الى الخطوط العريضة الآتية التي تتطلب المزيد من الإنضاج والبلورة العاجلة بدراسات استراتيجية مفصلة لا تستطيع أن تضمها الصحف والمجلات، ومنها: * الاهتمام بمراكز ومعاهد البحوث الاستراتيجية الأكاديمية منها والتخصصية والاستشارية التي تعتمد علم الإدارة الاستراتيجية في التشخيص والتحليل والتقويم، في دراسة المشاكل والأزمات القائمة والتي ستقوم، بوضع البدائل والحلول النظرية والعملية لها وفقاً لطرق وأساليب منهجية. * الاهتمام بشكل جاد ومخطط بتنمية الخبرات وتخصصات الإدارة الاستراتيجية, واعداد المدراء الاستراتيجيين الأكفاء على المستوى الكلي Macro أو الجزئي Micr، على أسس معرفية حقيقية واعتماد خبراتهم ودراساتهم وأبحاثهم منطلقاً لبناء تلك المؤسسات والمعاهد العليا التي تمارس البحث والتطوير والتخطيط الاستراتيجي كقاعدة وطنية ريادية ذكية بهدف تحقيق النجاح والتميز والكفاءة والفاعلية . * إن الإدارة الاستراتيجية على الصعيد الوطني وعلى الصعد كافة، تستلزم منظومات معلوماتية متكاملة وفعالة، كدعم أساسي لا غنى عنه لمراكز البحوث والإدارة والتطوير الاستراتيجي، وبما يتواءم مع المتغيرات البيئية الديناميكية وظروف عدم التأكد التي تواجه جميع البلدان النامية وبشكل خاص العراق، وهو ما يستلزم من قيادته الاهتمام المضاعف بهذا الجانب الحيوي . * إن المرحلة التاريخية العالمية الراهنة التي دشنت في مطلع القرن الحادي والعشرين هي مرحلة الثورة المعرفية والمعلوماتية ذات المواصفات والمميزات المستجدة كلياً، وهي مرحلة حساسة دقيقة استعدت لها غالبية دول الكرة الأرضية باستراتيجيات معمقة تتناسب معها ومع خطورة تحدياتها، ونحن يجب أن لا نذهب بعيداً ونغالي في تقليد الغرب في سياقات ما بعد الصناعة، إلا ان ذلك يستدعي اليقظة الى ما يجري حولنا والإمساك بالإدارة الاستراتيجية للإعداد لهذه المرحلة بتفتح ووعي كامل وبخاصة التوجه والتركيز على دعم حقيقي مثمر للتعليم والتعليم العالي، لإعداد جيل المعرفة والعلم, جيل مستقبل العراق. * ضرورة الإسراع بتشكيل (حكومة التكنوقراط) المهنية الخبيرة القادرة على تأسيس وبناء كل ذلك وتقدير أهميته وأبعاده واعطائه الدفع الاستراتيجي المطلوب, والتعامل معه ومع كل الأمور والشؤون الملحة من خلال منهج تشخيصي تقويمي شامل يحيط بأطرافها وجوهرها وعلاقاتها. |