في أربعينية الفقيه الشيرازي .. قسمة مرّة


 

موقع الإمام الشيرازي

6/رجب/1429

 

التاريخ الإسلامي مليء بالشخصيات العظيمة التي حاولت الحفاظ على الخط الواضح للمنهج الإنساني، والعمل الدائم على دعم الحركة الإنسانية بكل جوانبها ومتطلباتها ومشاريعها، وذلك منذ قيام الدولة الإسلامية الأولى بقيادة الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)، ومن ثم إكمال هذا النهج بيد أبنائه من ذريته من أهل البيت (صلوات الله عليهم)، متجلياً ذلك في الحضور الدائم للأئمة المعصومين وما قدموه من تضحيات بالغة الجسام وما مارسوا من دور عظيم في سبيل الارتقاء بالإنسان، وجعل كلمة الله هي العليا ولإتمام الدور الإلهي المنوط بهم في سبيل الإنسانية وخلق مجتمع كريم يليق، وقد سار أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على الدرب الذي خطّه لهم جدهم الأكبر الرسول الأكرم محمد بن عبد الله (صلوات الله عليه وآله)، وما سار عليه أمير المؤمنين الإمام علي ابن أبي طالب (سلام الله عليه)، وما أظهرته جلياً حكمة وحنكة الإمام الحسن الزكي (سلام الله عليه)، وما خلده الإمام الحسين في يوم عاشوراء من معاني سامية وبطولة وتضحية فريدة، ولا يخفى دور الأئمة في التصدي الدائم للظلم والطغيان وقول كلمة الفصل بالحق، كل ذلك كان ملهماً للعلماء الأجلاء من أتباع أهل البيت.. ولقد كان - وما زال - للحوزات العلمية في العراق ولبنان وإيران وغيرها من البلدان التي يتواجد فيه أتباع أهل البيت دوراً مشهوداً وحضوراً كبيراً على المستوى الديني والأخلاقي والإنساني والسياسي والاجتماعي، ومن بين أولئك العلماء الأعلام والفقهاء المجتهدين صاحب الفضيلة والسماحة والخلق الرفيع والأدب السامق والنفس النبيلة آية الله السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي (أعلى الله درجاته) الذي ولد في مدينة كربلاء المقدسة سنة 1379هـ، ونشأ وترعرع بجوار سيد الشهداء الإمام الحسين، فتعلّم منه دروس الولاء والتضحية والفداء في سبيل الله، وتربى في ظل والده المرجع الديني الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله مقامه) وتهذّب بأدبه وتعلّم من أخلاقه وعلمه.

بدأ الفقيه السعيد السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي (أعلى الله درجاته) دراسته الأولية في مدرسة حفّاظ القرآن الكريم، ثم التحق بالحوزة العلمية في كربلاء المقدسة حيث درس مقدمات العلوم الدينية لدى أساتذتها الكبار.. هاجر بصحبة والده إلى الكويت وذلك بعد الضغوط الكبيرة التي لاقته أسرة الإمام الشيرازي من قبل طغاة البائد في العراق، وفي الكويت واصل دراسته العلمية، فقرأ الرسائل والمكاسب على يد عمّه المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي، وفي سنة 1399هـ هاجر إلى إيران وحلّ بمدينة قم المقدسة حيث استمر في دراسة السطوح حتى أكملها، وبدأ دراسته العالية لدى والده المرجع الشيرازي الراحل وعمّه وكبار فقهاء الحوزة فنال مرتبة الفقاهة والاجتهاد.

كان الفقيه السعيد السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي (أعلى الله درجاته) من أساطين الأستاذة في حوزة قم المقدسة حيث بدأ بتدريس المقدمات والسطوح العالية، ومن عام 1408 هـ شرع بتدريس بحث الخارج في الفقه والأصول على فضلاء الحوزة، وكان مستمراً في تدريسه وعطائه العلمي حتى وافته المنية، وكان (رضوان الله تعالى عليه) قمة في الأخلاق والتواضع، وكانت البسمة على وجهه، وحزنه في قلبه، وقد تربّى على يديه العديد من التلامذة والفضلاء وهم اليوم أساتذة في الحوزات العلمية في مختلف أرجاء العالم، وقد ترك ما يقرب من خمسة آلاف محاضرة (صوتية وتلفزيونية) في التفسير والفقه والأصول والكلام والعقيدة والأخلاق والأسرة والتاريخ والأدب العربي.. وقد بث عدد منها عبر شاشة عدد من الفضائيات، كما ترك (أعلى الله درجاته) كتباً علمية قيّمة منها كتاب (الترتب) وفيه يعالج مسألة أصولية في غاية التعقيد، وقد تضاربت فيها الآراء، ولا يستوعب الكتاب إلاّ من كان من المجتهدين، وبه نال (أعلى الله درجاته) عدة إجازات اجتهاد.. ومن كتبه: تفسير للقرآن الكريم تحت عنوان (التدبر في القرآن) طبع منه مجلدان، و(الرسول الأعظم رائد الحضارة الإنسانية)، و(خطب الجمعة)، و(سلسلة المهدوية) و(ومضات) وغيرها.. ومن هنا لا غرو مما يُنقل عن المرجع الديني سماحة آية الله العظمى الشيخ وحيد الخراساني قوله: «إنّ سماحة السيّد (محمد رضا الشيرازي) كان مجتهداً قبل عشرين عاماً».. فضلاً عن شهادات الإجتهاد التي حاز عليها من والده المرجع الراحل وعمّه سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الشيرازي، وتصريح الكثيرين من فقهاء الحوزة العلمية ومدرّسي بحث الخارج (الاستدلالي) بما يسمو إلى مستوى الإجماع على أنّ السيد محمد رضا الشيرازي كان من الذين يشار إليهم بشدة ذكائه وتوقد ذهنه وإحاطته بالعلوم الحوزوية كلّها مضافاً إلى متابعته القويّة للعلوم المعاصرة وتطوّرات الأحداث، وحصافة آرائه في مجريات أمور العالم ونظرته المستقبلة الدقيقة والثاقبة فضلاً امكانياته الكبيرة في المنهج والتخطيط الاستراتيجيين وسعة علاقاته الخاصة والوثيقة مع جمع من أصحاب القرار والمؤثرين فيه والمفكرين والمثقفين وأساتذة الجامعات والقانونيين وغيرهم.

لقد كان الفقيه العلم والراحل السعيد آية الله السيد محمد رضا الشيرازي.. كما تحدث عنه سماحة السيد المرجع.. حيث يقول:

«لقد كان الفقيد السعيد آية الله السيد محمد رضا الشيرازي من النماذج الذي اهتدى بقوله وبعمله وتعليمه وأسلوبه في الحياة الكثير من أقربائه أو من تلامذته أو ممن التقى به.. فإنني عشت معه منذ ولادته، ولم أر منه غير ما ينبغي للذين آمنوا وعملوا الصالحات، الذين وصفهم القرآن الكريم بهذا الوصف.. لقد كان يمثّل الإيمان والعمل الصالح.. وكان في درجات العدالة بلا شكّ.. ولكنّ الله تعالى شاء له ولنا هذا الذي ترون، ولا رادّ لقضاء الله، رضىً بقضائه ورضىً بقسمته.. هذه القسمة مرّة، ولكنّها إرادة الله تعالى فتكون مرضاته لنا رضىً».