![]() |
|
|
صناعة الكراهية في العالم العربي
موقع الإمام الشيرازي 25/رجب/1429 كان الاعتقاد السائد لدى الكثيرين، ان ثورة الاتصالات التي انطلقت مع (الستلايت) وتعززت مع ظهور الانترنيت وانتشاره، ستلعب دوراً كبيراً في تقريب المسافة بين الشعوب وسيكون لها أثر توحيدي، إضافة لقدرتها على توفير ملاذات أكثر أمناً للأصوات المعارضة للحكومات وللحركات المطالبة بالتغيير والمغيَّبة عن الإعلام الرسمي. ولا يمكن هنا إنكار أن تلك الثورة فعلت فعلها في عالمنا العربي وكان لها أثر كبير في تغيير بعض مظاهر التعامل السياسي, وإحداث ضغط إعلامي أكبر على السياسيين, وانتاج رأي عام أوسع، إلا انها من جانب آخر لعبت دوراً في افتضاح الكثير من المثالب الخفية عن الأنظار, وبرهنت ان بين المحيط والخليج مشاكل أكبر وأكثر استعصاء من «القضية المركزية» التي كانت في السابق مهرباً تلوذ إليه الأنظمة لتأجيل استحقاقات التعامل مع اشكاليات الداخل الكبيرة. الذي تسنح له الفرصة اليوم أن يبحر لبعض الوقت في مواقع الانترنيت العربية سيجد في ما يكتب من آراء طيفاً واسعاً من الاختلاف كانت تخفيه البيانات الرسمية الروتينية والإعلام الرسمي المنكب على تمجيد الزعماء وتجميل أنظمة وصل بعضها حداً من القبح لم يعد معه بالإمكان تغيير صورته حتى بأحدث أدوات التجميل والتزويق. الى هنا، تبدو القصة إيجابية نوعاً ما، لكنها للأسف ليست إيجابية بما يكفي لإشباع تفاؤل المتفائلين، يكفي ببساطة الاطلاع على ما يكتبه القراء والزائرون لمواقع الانترنيت من تعليقات وشتائم يكيلونها لبعضهم بسبب التباين القومي أو الديني أو الطائفي لندرك ان ثورة الاتصالات التي فتحت فضاء جديداً وكشفت عن قبائح مستترة، سهلت أيضاً بروز الخطاب القائم على الكراهية واحتقار الآخر. جوهر المشكلة ليس ثورة الاتصالات نفسها بل الإرث السياسي والثقافي والاجتماعي بما حمله وما زال يحمله من إنكار لوجود الآخر فضلاً عن حقوقه وآماله وتطلعاته، لا يمكن العثور في أي مكان آخر على كم من العنصرية والكراهية كذلك الذي نجده في مواقع الانترنيت العربية فضلاً عن بعض وسائل الإعلام الجماهيرية التي تتجاوز الانترنيت انتشاراً وتأثيراً. لقد ظلت الأنظمة الشمولية والديكتاتورية تنكر وجود الآخر المختلف وتضع سياساتها بهاجس ادعاء «الوحدة» وتبوب «الاختلاف» على انه «فتنة» ولأن «الفتنة أشد من القتل» صار لزاماً إخفاء الاختلاف عن عيون الناس حتى عبر إرغام «الآخر» على ان يكون نسخة منا، وهي في الغالب نسخة مشوهة، لأنها نتاج الفرض القسري والتكيف السلبي. لقد أنتجت هذه الثقافة مفهوماً مشوهاً للوطن والوطنية، لعبت الأنظمة لعبة الخطر الخارجي والتحدي الآتي من وراء الحدود, وبررت عبره كبت أو قمع أي صوت مغاير وأنتجت مفهوماً للوطنية غارقاً بالتجريد لا علاقة له بكرامة المواطن الذي تم اقناعه عبر الآلة الدعائية أن عليه أن يستمر بتقديم التنازلات عن متطلباته الحياتية من أجل استحقاقات المعركة. صار لدينا «وطنية» بلا مواطنين! صار إعلان رأي مختلف خيانة! والمطالبة بحقوق ثقافية أو دينية عمالة! والمطالبة بتقرير المصير لمجموعة إثنية أو قومية مختلفة، شرخ في الوطنية! والسؤال هو: لماذا نطالب الآخر الذي نقمعه وننكر عليه حقوقه ونعامله كمواطن من الدرجة العاشرة في بلدان غالبية أبنائها مواطنين من الدرجة الثانية، بأن يكون «وطنياً» وفق المعايير التي نصيغها نحن للوطنية؟ّ! وما قيمة الوطنية والوطن نفسه عندما يكون مقابله التضحية بـ«كرامة وإنسانية المواطن»؟!. من المؤسف الاطلاع على هذا الإغراق في خطاب التخوين وفي وصف مجموعات ثقافية أو دينية أو قومية بشتى العبارات المهينة والمذلة واتهامات بالعمالة والخيانة، وغير ذلك من إرثنا العربي الأثير. لغة الشتائم ليست سوى تعبير عن عجزنا عن الحوار، ليست سوى انعكاس لمخاوفنا وضعف ثقتنا بأنفسنا وبالطبع ثقتنا بالآخر، ومثل هذه اللغة لن تحل أيا من اشكالياتنا، بل تمثل المهرب البديل عن مهرب الإنكار الذي أنتجته النظم السياسية قبل ثورة الاتصالات .. ما عاد ممكنا اليوم إنكار وجود الآخر، فصار الحل هو في شيطنة هذا الآخر .. حل يعمِّق المشكلة والانفصال إذا ما أدركنا أن للآخر لساناً قادراً على أن يبادلنا به الشتم وقلما يجرمنا ويشيطننا، ثم بعد ذلك نعتبر رد فعله دليلاً على صحة فعلنا السابق نحوه في سلسلة مفرغة من الكراهية المتصاعدة نحو ذروة أظهرها لنا اشخاص في العراق بقروا بطن رجل ووضعوا فيه رؤوس اطفاله، وآخرون ثقبوا رؤوس ضحاياهم بالمثقاب الكهربائي، ليتخيل أي منا أن يكون هو أو أحد أعزائه ضحية لنفس الجريمة، وليدرك الجميع أن أياً منا قد يكون مرتكبها أو ضحيتها طالما قبلنا أن نكون طرفاً في تأجيج الكراهية. في أمريكا وأوربا يعد جريمة عنصرية شتم مجموعة ثقافية أو إثنية أو دينية أو الإيحاء بأنها تستحق منزلة دنيا، ورغم كل التحشيد السلبي الذي تمارسه آلة الدعائية الإعلامية اليمينية بعد 11 سبتمبر هناك، إلا أن المواقف الشعبية لم تبلغ بعد مرحة القبول بإهانة المسلمين علناً، بل ما زال الكثير من العرب والمسلمين يلجأون الى هذه البلدان هرباً من العنف أو الديكتاتورية أو الكراهية التي باتت أكثر تجذراً في مجتمعاتنا. هناك في أوربا جدل متصاعد حول مخاطر وجود جالية إسلامية كبيرة لا ترغب بالاندماج بالثقافة الأوربية لكنها تريد الاستفادة من امتيازات الحياة هناك، وهذا الجدل قد يتصاعد ويتحول الى اجراءات أكثر تشدداً، لكنه بالتأكيد لم يصل الى تبني مواقف كتلك التي نتبناها تجاه بعضنا نحن العرب والمسلمين، تلك التي تعبر عنها ببدائية ولكن بصدق تعليقات قراء الانترنيت والأحكام النمطية السائدة عن الآخر، بما في ذلك الآخر الذي يشاركنا نفس الوطن، ونفس الحقوق المفترضة للمواطنة. إن الكراهية سلعة رخيصة يمكن تسويقها بكثافة لأن زبائنها هم الأكثر جهلاً والأقل استعداداً لاستبدالها بتمرين جدي للعقل حتى يدرك أن كرهنا للآخر لا يزيحه من أمامنا ولا يجعلنا أكثر شعوراً بالرضا عن أنفسنا، لأن الحياة مع كل هذا الكم من الكراهية هي جحيم نسير إليه بعيون مغمضة، وبقلوب عمياء. الشرق الأوسط |