![]() |
|
|
موقع الإمام الشيرازي 10/ذو القعدة/1429 قبل أن تبادر وزارة العمل والشؤون الاجتماعية (العراقية) الى اعلان حملتها لمكافحة التسول في الشهر المنصرم وتعلن خطوتها التجريبية الأولى لتطبيق الحملة عملياً في كربلاء، كان الثائر الإسلامي أبو ذر الغفاري قد سبق الوزارة بقرون طويلة عندما أطلق صرخته المعروفة «عجبت لمن لا يجد قوته لم لا يشهر سيفه بوجه الناس؟!» لكن يبدو أن صرخة الغفاري ضاعت في برية صحراء التاريخ ووحشة أيام التسلط السياسي وضياع موازين العدالة على تعاقب العصور والفترات المظلمة في تاريخنا القديم والمعاصر. وخفت صدى صرخة «أبو ذر» حتى غدا الشحاذون يتناسلون عبر عهود الظلم السياسي أفواجاً أفواجاً من فتوق جبة الظلم السياسي والغبن الاجتماعي ليشكلوا عبر تراكم العصور وتعاقب الأزمنة ندبة من العار والفضيحة على جبين المجتمعات والدول خصوصاً في عالمنا العربي والإسلامي. التسول والمتسولون في المجتمعات يعدون نوعاً من المجسات الدقيقة الفاحصة لدرجة تقدم المجتمع والدولة أو انحطاطهما. وبالقراءة الفاحصة لمشهد التسول وتجلياته وتمظهراته في السلوك والوقائع نكتشف ان السبب الاقتصادي وأسباب العوز والفاقة والحرمان وسوء توزيع الثروة وفساد الإدارة السياسية ليست وحدها من أسباب هذه الظاهرة المشينة. الأخطر في الأمر عندما تتحول هذه الظاهرة الى ثقافة لها أصولها وأعرافها وامتدادتها داخل النظام القيمي الاجتماعي، تتناقل بين الأجيال وتترحل ما بين العصور فتلبس مظاهر مختلفة وأشكالاً متعددة، وتتداخل صورة التسول المعروفة والمألوفة بمظاهر تسولية مستترة لا تقل عنها خطورة. وما زال منظر فرق المتسولين على أبواب الطغاة وحكام الجور ماثلاً في الذاكرة العراقية في هيئة طوابير من الشعراء والمغنين والعلماء يشحذون مستحقاتهم بصيغة «المكرمات والهبات والعطايا» أمام بوابات الحاكمين بدرجة من المهانة وشعور بالذل في صورة صارخة تنتهك معنى المواطنة التي يتساوى في حضرتها المواطنون على حد سواء، سواء الحمّال منهم أو رئيس الوزراء. ثقافة التسول تسود دائماً في غياب سلطات العدالة السياسية وفقدان ميزان العدل الاجتماعي ونشر ثقافة الخضوع والقابلية للاستحمار والاستسلام على حساب جذوات الغضب وصرخات الاحتجاج التي انتظرها أبو ذر الغفاري والمئات من رموز العدالة والحق في التاريخ. تلك الصرخات التي تزعج الظالمين والطغاة وآكلي السُحت والحرام، حيث يسعى مروّجو هذه الثقافة الى سلب كبرياء الانسان وعزته الموروثة من عصور المجد وتاريخ الأسلاف الأوائل. والثقافة البديلة لها هي ثقافة تؤسس لقيم مغايرة باستعادة الكبرياء الإنساني المُغيَّب والاعتبار لمعنى المواطنة المفقود واستحقاقاتها، وإزالة كل العقبات التي تفرق بين مواطن وآخر إلا بالمسؤولية وحدودها. عندها قد لا نجد متسولاً بأي شكل أو مظهر يستجدي المهانة ويهدر الكرامة على أرصفة الذل، ويتسكع فوق شوارع تضمر تحت أعماقها ثروة كفيلة بإنقاذ الشحاذين والمتسولين في أنحاء العالم كله. وفي ما عدا هذه الثقافة لا يمكن لأي حملة وطنية تطلقها الحكومات وترصد لنجاحها الأموال والجهود أن تحقق نجاحها المنتظر وتبلغ أهدافها المنشودة. الاسبوعية العراقية |