شروط النهوض العراقي وعوائقه (3)


 

هاني فحص

 

موقع الإمــام الشيرازي

29/ربيع الثاني/1430

ليس خافياً حال الأكراد بين مكوناتهم الرئيسة وداخل كل مكون على حدة. ولا أحد ينصح أي طرف عراقي بأن يتوهم بأنه يرث أي طرف آخر إذا ما انهار بيته بفعل الخارج أو قصور الداخل، لأن الوارث الوحيد في هذه الحال سيكون شيطاناً، واحداً أو متعدداً... في حين إن الوفاق العراقي العام والتفصيلي، من شأنه أن يحول الشيطنة الى سلوك خير يعود خيره على الجميع ومن دون توهم ملائكية مطلقة.

الى ذلك، فإنه ليس من الإخلاص أن لا يحسب للأكراد انضواؤهم تحت ظل المركز العراقي في مناخ من الحرية التي تحتاج الى صيانة دائمة. وليس اخلاصاً أن لا يوجه إليهم النقد على أدائهم في هذا السيل. أما أن يكون الخطاب السياسي النقدي وكأنه مقدمة لإحياء الصراع العربي - الكردي على أساس شوفيني ينحدر من عصور الظلام العنصري، فهذا أمر يحول العراق الى ملعب يتبارى على ساحته الآخرون، ويكون العراقيون، كل العراقيين، مع نهاية كل مباراة جوائز تقدير للفائزين وجوائز ترضية للخاسرين.

لا أريد أن أطيل كثيراً... مع التغيير المر، والذي كان الأفضل والأصعب، إن لم يكن المحال، هو أن يتم من الداخل أولاً، وبمساعدات خارجية محكومة بالداخل أكثر. لكنه تم وتشكل المفصل بكل تحدياته. مع هذا التغيير أصبح العراق احتمال نهوض، يكاد يكون الوحيد في المنطقة العربية، بما يملك من عوامل معنوية ومادية. أما الآن فإننا لا نستطيع أن نقول بأن هذا الاحتمال الذي كان قوياً لا يزال كذلك... أما أسباب ضعفه فكثيرة، والمسؤولون عنها كثيرون. وأهم المسؤولين هم العراقيون، وأكثر العراقيين مسؤولية هم طبقتهم السياسية، التي هي في الواقع طبقات دخل السوس أو الخلل في كل منها على حدة، رغم التقدم الأمني الملموس، والذي كان شرطاً عظيماً للعراق الناهض، الذي تعثر نهوضه، ولا بد من وضع حد لهذا التعثر، للعودة الى الانطلاق من جديد بشروط منها: العودة الى التركيز على التمايز بين الديني والسياسي، وإعادة ترسيم دور المرجعية على ضوء مشروع الدولة من قبل السياسيين، لأن المرجعية رسمت دورها بدقة متناهية سلفاً، ومن الشروط الحوار داخل كل إطار سياسي لأن التعدد قد يؤول الى انشقاق إذا أهملنا الحوار... ثم الحوار بين الأطر جميعاً على أساس أن الحوار نهج تكاملي لا يتوقف عند حدود محدودة وخصوصياته شروط لعمومياته والعكس صحيح.

الى ذلك فإن كل بلادنا ودولنا العربية كانت ولا تزال في حاجة الى كتلة تاريخية تصنع الرؤية المشتركة لتجسير الراهن بالمستقبل منعاً للتردي أو تحقيقاً للنهوض، لكن السلطة العربية التي اختزلت الدولة بها، أبت أن تحقق الشروط المعرفية والتنموية والسياسية لبناء هذه الكتلة، فاستمرت تحكم من دون مرشد أو مرجعية، حتى غدا النهوض أمراً مستبعداً. لكن في العراق كان مطلوباً أكثر وممكناً أكثر وإنْ تعثَّر حتى الآن فما زال تحقيقه ممكناً وضرورياً. على إنه يمكن أن يكون مثالاً لأي مسعى عربي انقاذي يتم من خلال مجموعة كبيرة من الكفاءات والخبرات والفعاليات في ما بينها، أطراً وأفراداً، ونتواصل مع الطبقة السياسية وحملة مشروع الدولة بالحوار الدائم الذي يحرر المساحات المشتركة، ويضيق الخلاف ويضبطه، ويؤمن التكامل من دون أن يلغي التعدد والاعتراض، ومن دون أن يمكن للتقويض ويلتقي الجميع في فضاء مدني، محكوم بنظام قيم من ثقافتنا الدينية والوطنية البينية، التي انتخبناها معاً ومعها أخلاقياتها، ويكون السهم الأساسي للجميع هو تنشيط العلاقة المتبادلة بين الثروة والمعرفة في ظل السياسة الحكيمة، لتحويل المعرفة الى ثروة، وتحويل الثروة الى معرفة، في العراق الغني بالثروات والمعارف الحاشد بالتحديات. وكفانا هدراً، هو أشد فتكاً من الفساد وحده ومن شأنه أن يحول العراق من وعد الى عبء على الجميع.

الاسبوعية العراقية