ثقافة القتل في تنظير علماء التكفير


 

د جواد كاظم الخالصي 

 

موقع الإمــام الشيرازي

21/شعبــــــــان/1430        

القتل هي مرحلة نتيجتها إنهاء حياة الإنسان الذي يتعرض للقتل، كما تعطينا صورة واضحة وجلية عن الإنسان القاتل بأنه يكون خارج إطار الإنسانية وروحها التي يجب أن يتأملها العديد من الناس ويحاول أن يمتع فكره وعقله بثقافة الروح المُحبة وبناء النوازع الإنسانية القائمة على الأسس التربوية الصحيحة، وهذا ينبع من المجتمع الواعي والملتفت لكل صغيرة وكبيرة تنمو فيه وتترعرع، والبناء التدريجي لا بد له من مراقبة ومتابعة حقيقية من قبل الواعين والعاقلين والمتعلمين من الفقهاء الدينيين والعلماء الأكاديميين والبذرة تنبت وتنمو كيفما يراعيها زارعها ومن هنا تنطلق عملية البناء الروحي للإنسان فإما أن يتم بناءه شريراً وإما أن يُبنى خيّراً يحمل في طيات روحة محبة إنسانية لكل أنواع بني البشر ولا يغالي عليهم لأنهم نظراءه في الخلق.

لذلك البيئة التي توالد فيها علماء السوء في الجزيرة العربية كانت مدعاة لأن تُربي جيل بل أجيال من الكتل المتحركة القابلة للانفجار وتصفية الآخر لمجرد الاختلاف في الفكر والعقيدة وهذه هي الثقافة القائمة على بناء الروح الشريرة في نفسية الإنسان مادتها الأولية تقوم على تكفير الآخرين لمجرد الاختلاف الفكري بل تصل أحياناً الى الخلاف حول المنهج وإن كان من نفس الخط الذي يمثله الاثنان وهما يسلكان أحياناً نفس المنهج الخاطئ .

العراق عانى كثيراً من هذه المدارس التكفيرية خصوصاً في السنوات الست الماضية التي مرت على الشعب العراقي وهو يعيش في أقسى موجات الإرهاب حيث اتفقت جميع الأجندات السياسية وغير السياسية على قتل الإنسان العراقي فتحالفت القوى الشريرة من مجاميع الموت الإرهابية التي تعمل وفق منظومة من علماء التكفير التي تُنظّر لها بفتاوى الموت مع الخطوط السياسية الفاقدة لمواقعها وتريد العودة بأي ثمن كان ولو على نصف جثث الشعب العراقي وهي المتمثلة بروح وعقيدة سياسية قذرة للنظام الصدامي الذي تبرقع بلباس الدين وخرج من علمانيته من أجل الوصول الى هدفه ساحقاً بذلك الأبرياء من العراقيين متناغماً مع علماء السوء في المملكة العربية السعودية وبعض الدول الخليجية والعربية التي ترى أنها يمكن أن تلتقي مع اليهودية بالحوار الفكري كونها تمثل ديناً ولكنها لن تلتقي مع المذهب الشيعي لأنهم يعتبرونهم لا دين لهم وهذا ما حدث معي في العام 2000 عندما تناظرت مع أحد البارزين من الفكر الوهابي لديهم في لندن حينما كنت أحاوره من إحدى الدول الأوروبية عن طريق البالتولك وبعد حوار دام أكثر من نصف ساعة بحضور أكثر من 150 شخص قال لي "لا يمكن أن أستمر معك في الحديث والحوار، وأُفضّل أن أحاور اليهودي على أن أحاورك لأنهم يمتلكون ديناً وأنت لا تمتلك دين كوني شيعياً" وأنا هنا لا أريد أن أنازع القول لأضع هذه المفردات من قبيل السنة والشيعة فأنا لا أؤمن بهذا المنهج والمنهج الذي أقوم عليه هو أن الناس سواسية في الخلق والمسلم أخو المسلم ولا تضر في مكان نسبة الاختلاف فيما بين المسلمين ولكن كما أرى أن هذا الفكر المتطرف الذي لا يمكن أن أعتبره من الدين الإسلامي وإنما هي حركة نابعة ومتولدة من شوفينية القتل كما إنها عبارة عن تنظيم إجرامي يقوم على مبادئ القتل وفرض الأجندات من خلاله وعملية التبرقع بالدين ليس بالأمر الصعب عليهم فيمكن لهم إطلاق اللحى والتمسكن على الآخرين وإظهار الوداعة بينهم وروح الإنسانية وهذا هو كل ما يحتاجوه من أدوات التمثيل .

لقد استخدم علماء التكفير سوء أفكارهم واستمالوا الكثير من البلهاء والنكرات في شعوبهم من أجل تثقيفهم على  منهجية القتل وإزهاق أرواح الآخرين وقد كان العراق ساحة كبيرة لطرح هذه الحثالات من بقايا المجتمعات الهزيلة ومن الذين لا يؤمنون بسبل العيش الرغيد للآخرين ويجهلون كل الجهل ثقافة الحوار والتفاهم ويتعاملون بعقول مغلقة نصابها تحريك الإنسان من مكان الى مكان آخر ليس أكثر، وفي النهاية يمكن أن يكون قنبلة متحركة ومشروعاً لقتل الآخر، وعلى الرغم من مناداة الحكومة العراقية والمجتمع الدولي للعديد من الدول العربية الى ممارسة تحجيم هذه الفصيلة ممن يسمون بعلماء الجزيرة ولكن تلك الدول لم تكن مستعدة على الإطلاق في إيقاف هؤلاء وتركت لهم العنان في أن يعبثوا بأرواح الناس الأبرياء عبر فتاوى القتل وتكفير الآخر الذي يقاسمه الدين الواحد .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ        

*ملاحظة/ ليس بالضرورة أن يتبنى الموقع جميع مضامين المقالات المنشورة