لماذا تتقدم دول ولا تفعل أخرى؟


 

د. إبراهيم بدران

 

موقع الإمــــام الشيرازي

20/شهر رمضان/1430

يكاد ينقسم العالم إلى أربع مجموعات متمايزة، ولكنها متداخلة.

الأولى: هي الدول الصناعية المتقدمة والتي يقترب عددها من (55) دولة، يقع الجزء الأكبر منها في أوروبا وأمريكا الشمالية. وقد تحولت فيها وسائط وأنماط الإنتاج إلى الوسائط التكنولوجية الحديثة. ويتمتع سكانها بمستويات عالية من الدخل والتعليم والصحة والخدمات الأخرى.

الثانية: هي الدول الناهضة ذات الاقتصادات الصاعدة، مثل الهند والصين والبرازيل وماليزيا، والتي وضعت نفسها على سكة المجتمع الصناعي.

وأخذت تتحول تدريجياً، وبخطى واثقة وأكيدة إلى مجتمعات شبه صناعية، بعد أن نجحت في الاستفادة من تجربة الدول المتقدمة، وفي توظيف العلم والتكنولوجيا في تنظيم المجتمع وعمليات الإنتاج.

أما المجموعة الثالثة:- التي تضم ما يقرب من (120) دولة، فهي دول نامية ما زالت تتلمس طريقها نحو الاقتصاد الصناعي، وبناء الدولة الحديثة. ويعاني سكانها من تواضع الدخل والخدمات، وتكاد تنتشر البطالة في معظمها.

هذا في حين تضم المجموعة الرابعة:- الدول الأقل تقدماً والأكثر فقراً. ويقترب عددها من (30) دولة، ويقل فيها نصيب الفرد عن (300) دولار سنوياً، وتعاني شعوبها من شتى صنوف البؤس والحرمان. وعلى الرغم من أن الفواصل بين هذه المجموعات رخوة ولينة إلى حد ما، بل وهلامية في بعض الحالات، إلا أن التجربة التاريخية بينت أنه يمكن للدولة في المجموعة الثالثة أن تنتقل إلى الثانية. ومن الثانية إلى الأولى، كما فعلت كوريا وسنغافورة وأيرلندا ضمن شروط ومتطلبات معينة.

إن تغيير موقع المجتمع أمر ممكن وعملي، مهما صغر حجم الدولة من حيث السكان أو الموارد، كما هو الحال في قبرص أو سنغافورة. وهما دولتان بدون أية موارد طبيعية على الإطلاق. كما ان كبر حجم الدولة سكاناً أو مساحة أو حتى موارد طبيعية، ليس ضمانة للانضمام إلى المجموعة الأولى أو الثانية. وإذا كانت المؤسسات بشكل عام، وفي معظم بلدان العالم تضم مسؤولين وخبراء وموظفين متمرسين، وإذا كانت الجامعات تضم كليات وأقساماًً للاقتصاد والمال والإدارة والمحاسبة، والعلوم المصرفية والهندسة والاجتماع والزراعة وكافة التخصصات، وإذا كانت الجامعات تخرج مئات الآلاف سنوياً من الخريجين، ولديها الآلاف من أساتذة الجامعات، وإذا كانت القواعد والمبادئ والتفاصيل للنمو الاقتصادي معروفة ومتداولة في الكتب وعلى الشبكات الإلكترونية، وإذا كان الخبراء الاقتصاديون والاجتماعيون موجودين في الجامعات ومراكز الأبحاث والمؤسسات الدولية، وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا تستطيع المجتمعات المتخلفة أن تعجل من نموها الاقتصادي؟ وتسارع من تحولاتها؟ حتى تلحق بمجموعة الدول الناهضة والصناعية؟ وتسير بسرعة واثقة على طريق الازدهار والتقدم؟ وتستفيد من تجربة المجتمع الصناعي بمزاياه الاقتصادية والمؤسسية وحاكميته الجيدة؟ هذا مع الاحتفاظ بالأصالة والقيم الوطنية الإنسانية والروحية النبيلة؟

لقد كتب الكثير من الباحثين والمفكرين والاقتصاديين في القواعد الرئيسية التي تقوم عليها النهضة الحديثة للمجتمعات، أي التحول من حالة الدول النامية إلى حالة الدولة الصناعية، بالمعنى الاقتصادي والمجتمعي. وكانت هناك تباينات كثيرة في الاجتهاد، ابتداء من التعليم ومروراً بالقيم والأخلاق، وانتهاء بالعلم والتكنولوجيا. وفي كل مرة كان يتم التركيز على عنصر من عناصر النهوض ويتم تجاهل العناصر الأخرى، فلا يتحقق.

إن قطار التقدم يتطلب أن تعمل أجزاؤه جميعها بانتظام وفي نفس الوقت. وهذا ما ينقص الكثير من المجتمعات النامية. ولكن نقطة الانطلاق أو المحطة الأولى تتمثل في مجموعة من المفردات يكاد يجمع عليها معظم الباحثين. ويمكن الإشارة هنا إلى الأهم من هذه المفردات وهي:

الإرادة السياسية الاجتماعية للنهوض والتحول، والاستعداد لمواجهة الاستحقاقات وتحمل المخاطر والمشاق، ومن ثم الإدراك المؤسسي والنخبوي والفكري والثقافي لطبيعة الفجوة بين التقدم والتخلف. وهذا يستدعي التجاوب السياسي والمؤسسي مع صدمة الفجوة الرقمية، أي بين ما تصل إليه المجتمعات المتقدمة من إنجازات مقاسة بالأرقام وبين ما تنجزه المجتمعات النامية.

إن النظرة الشمولية لعملية النهوض الاقتصادي الاجتماعي والخروج من التخلف، تتطلب تأصيل: المؤسسية، وحكم القانون، وحقوق الإنسان والشراكة المجتمعية، والديمقراطية، والحاكمية الجيدة، والإنتاج السلعـي الحديث عالي النوعية، والتعليم والثقافة، والعلم والتكنولوجيا، والمرأة، والخطاب الديني المستنير. وللاستفادة من تجارب الأمم، فإن تفهم التاريخ الحضاري والإنساني والتنافس الدولي ودور البيئة والجغرافيا، يصبح أساسياً لدى السياسيين والمفكرين. ولأن الهدف في النهاية هو خدمة المواطن فإنه لا بد من إدراك قيمة الإنسان والارتقاء بها، وأهمية التعامل مع الزمن في تحقيق ذلك. ولأنه لكل مجتمع خصوصياته، وعاداته وتقاليده، فإنه لا بد من احترام ذلك، وتوفير القراءة الصحيحة الإيجابية للخصوصيات المجتمعية والبيئية، في اتجاه توظيفها لغايات النهوض الإنساني والعلمي والثقافي والاقتصادي وليس لتبرير استمرار الحالة دون انجاز وابداع.

إن المسافة الحضارية بين الدول مرشحة للتزايد ولكن الإمكانات للتجاوز واللحاق متاحة للقيادات النابهة التي تستشرف المستقبل، والشعوب المجدة التي تعمل من أجل بنائه.