مخاطر الهزيمة الباكستانية


 

إلياس حرفوش

 

موقع الإمــــام الشيرازي

28/شــــــــــوال/1430

الحرب الدائرة بين الجيش الباكستاني وحركة «طالبان» ليست عادية ولا انتصار الجيش فيها سيكون سهلاً. حرب معقدة تتداخل فيها عناصر التفكك الداخلي في البنية السياسية الباكستانية مع استعادة «طالبان» نشاطها بشكل أكثر دموية وجرأة، سواء في إقليم هلمند الأفغاني أو في منطقة البنجاب الباكستانية، وذلك بعد مقتل قائدها بيت الله محسود بغارة أميركية في آب (اغسطس) الماضي.

حرب تقدّر قوات الأمن الباكستانية مشاركة 28 ألفاً من جنودها فيها في الوقت الذي تشير التقارير الى إن قوة «طالبان» في باكستان تصل الى عشرة آلاف رجل. الى ذلك هناك تداخل هذه الحرب وتأثيرها على الاستراتيجية الأميركية، التي تعتبر أي ضربة للوضع الأمني في باكستان بمثابة قضاء كامل على جهودها في مواجهة «طالبان» في أفغانستان. من هنا كان توقيع الرئيس باراك أوباما على قانون يسمح بصرف 7 بلايين ونصف بليون دولار من المساعدات لباكستان خلال السنوات الخمس المقبلة، تضاف الى النفقات الهائلة التي باتت تكلفها المغامرة الأفغانية، والتي يقدر ما ستنفقه واشنطن عليها في العام المقبل 2010 بـ 65 بليون دولار.

متابعة الهجمات التي شنتها حركة «طالبان» في الأسبوعين الأخيرين على مواقع شديدة التحصين للجيش وقوات الشرطة في باكستان لا تشير فقط الى رغبة الحركة في اثبات قدرتها واستمرار فاعليتها في ظل قائدها الجديد الشاب حكيم الله محسود (31 سنة). إنها تشير الى ما هو أخطر من ذلك، أي الى احتمال اختراق هذه الحركة المتطرفة، ذات الروابط الوثيقة مع قبائل البشتون، للجيش الباكستاني، وهو ما يفسر في نظر المراقبين تمكن عناصر الحركة من الدخول الى معاقل مهمة، منها مثلاً مقر قيادة الجيش في روالبندي قبل اسبوع واحتجاز عسكريين أسرى في داخله. ويأتي تصاعد حدة هذه الهجمات في الوقت الذي تعلن قيادة الجيش الباكستاني عن حملة تنوي شنها على مواقع «طالبان» الباكستانية في منطقة جنوب وزيرستان.

كل هذا يجري أمام عيون الإدارة الأميركية التي تبحث عن حل لمأزقها الأفغاني. فانهيار الوضع الأمني داخل الحليفة الأوثق إسلام آباد لا يساعد المعركة الداخلية التي يخوضها أوباما مع قادته العسكريين ومع خصومه الجمهوريين، وبعض قيادات حزبه الديموقراطي كذلك، حول زيادة التورط العسكري الأميركي في أفغانستان. يضاف الى ذلك طبعاً همّ السلاح النووي الباكستاني ومدى قدرة سلطات هذا البلد على ضمان عدم وقوعه في أيدي تنظيم إرهابي على نسق «القاعدة» أو الجماعات الإسلامية المتطرفة في باكستان، التي تعتبر هذا السلاح ورقة صالحة للاستخدام في نزاعها مع خصمها الهندي. ولعل هذا السلاح هو الهم الشاغل لإدارة أوباما، إضافة الى الهم الأفغاني، ولذلك فهي لا تتعب من تكرار حصولها على ما يضمن ابتعاد هذا السلاح عن الأيدي القادرة على العبث به. وآخر هذه التأكيدات ما أدلت به وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون قبل أيام من إن واشنطن على ثقة بأن السلاح النووي الباكستاني في أيد أمينة.

لا تستطيع حكومة آصف زرداري تحمّل أي هزيمة في وجه التطرف المنتشر داخل باكستان، سواء منه التطرف السياسي المتمثل بخصومه داخل «الجماعة الإسلامية» في الداخل، أو تطرف «طالبان» الذي تعبر عنه حربها المفتوحة على أجهزة الدولة الأمنية والسياسية، المتهمة بالتحالف مع واشنطن ضد الحركة. صحيح إن الاستخبارات الباكستانية لعبت يداً طولى في دعم حركة «طالبان» عند قيامها على الجانب الآخر من الحدود، لكن النشاط العنيف والمتزايد للحركة الآن داخل باكستان لم يعد يهدد حكومة بعينها، إنه يشكل تهديداً لبقاء البلد ولحماية مؤسساته وعلاقاته الإقليمية والخارجية. ومن هنا خطورة الحرب الدائرة بين «طالبان» وباكستان.

 - الحياة اللندنية