طلاق حكومي مع الوهابية السعودية


 

 توفيق التميمي

 

موقع الإمــــــــام الشيرازي

29/شــــــــــــــــوال/1430

في قرار غير مسبوق بإرادة ملكية سعودية يحمل أكثر من دلالة، أقدم الملك السعودي عبد الله على إقالة عضوهيئة كبار علماء المملكة الشيخ سعد بن ناصر الشثري على خلفية ظهور الشيخ المقال في قناة المجد مطالباً الملك بمنع الاختلاط في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنيات (كاوست) التي باشرت أعمالها في قرية ثول غرب السعودية. لايبدو قرار الإقالة أمراً داخلياً يخصّ المملكة وحدها، ولكنه يشكل حلقة مهمة وخطيرة من حلقات مواجهة الحداثة والمدنية مع أقطاب ورموز الفكر السلفي المتشدد في العالمين العربي والإسلامي، التي تعد فيه السلفية أحد أهم عقبات انطلاقه نحو عالم التمدن والتحول الى الحداثة الكونية، وأحد أطراف المواجهة هذه المرة هي الدولة السعودية المستمدة شرعيتها من فقه المذهب الحنبلي المتشدد الذي يلتزمه الشيخ الشثري، و"يكفّر" على أساسه الاختلاط في كلية التقنيات الجديدة، لربما هي المرة الأولى التي يقع فيها هذا التقاطع بين السلطة المدنية والدينية في نظام المملكة الصارم، ولكنها تبشر بنجاح الجولة الأولى من الصدام المحتمل والمتوقع بين إرادة مدنية تسعى للحاق بركب العالم المتقدم من خلال بوابات العلوم والتقنيات وإباحة تجاور الجنسين على مقاعد الدراسة، وبين إرادة سلفية متزمتة تريد أن تعيق هذا الدخول الى لحظة كونية جبارة، وهي لحظة تكشف عن محنة الخطاب السلفي وخوائه، ومعاداته للمتغيرات الكونية الحاصلة على خارطة العالم المتمدن، وما سببه هذا الخطاب من خسائر ليس في تعويق المشروع الحضاري والمدني عن عالمنا الإسلامي فقط، بل حتى في مجال تأسيس وصناعة طرائق الموت التي استهدفت الإنسان والبنى الفوقية لمجتمعاتنا واستقرار أنظمتها السياسية والاقتصادية.

هنا تكمن القصة المهة في إقالة الشثري التي قد تستفيد منها جميع أنظمتنا المتشابكة في إراداتها الدينيوية مع هيئاتها الدينية، وهي مبادرة حاسمة في فك هذا الاشتباك والخلاص من هيمنته الماضوية الى الأبد لتحقيق نجاح لحظة الحداثة القادمة لامحال. في العراق لا يبدو التقاطع قوياً بين إرادة مدنية تريد الحياة تمثلها السلطة الزمنية وأخرى دينية تعوق مسيرتها الحداثوية، خاصة في مسائل من هذا النوع كموضوع الاختلاط أو محاولة تعويق الشروع بتأسس جامعات للحداثة بسبب طبيعة المؤسسة الدينية العراقية وتعدد مدارسها الفقهية وتنوعها. بل بالعكس أفرزت المرجعيات الدينية ومؤسساتها في العراق وبمختلف ألوانها المذهبية والدينية وعلى امتداد تاريخها الطويل، تنوعاً في المدارس، كما شهدت صراعاً داخلياً بين قوى محافظة تقليدية وقوى اصلاحية نهضوية كان لهذا الصراع بصماته الإيجابية والأثر الكبير في تطور مسار الحداثة والمدنية للحياة بجميع مناحيها الاقتصادية والسياسية والمعرفية.

الصباح