![]() |
|
|
قرطاس .. قابيل وأخوه
موقع الإمــــام الشيرازي 24/ذو القعــــــدة/1430 إلى المفكر الكبير جان ماري موللر بمناسبة وجوده الآن في العراق ليس العنف طارئاً على الجبلّة الإنسانيّة، إنه أصل. اعتراض الملائكة في الآية القرآنية (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) يوحي بذلك. وفي رسالة فرويد إلى آينشتاين بعد الحرب العالمية الأولى شاهد علميّ على تجذر الطبيعة العنفيّة في نفوس البشر. لكنْ أن يكون العنف أصلاً لا يعني بالضرورة كون اللاعنف هامشاً. ففي كلّ وقائع العنف الأولى "التي وردتْ في الديانات كما في سائر صنوف الأساطير" كان العنف واللاعنف يتناوبان على صياغة الواقعة. ثمة شخصان أحدهما يبسط يده ليقتل أخاه الذي يهمس له: (لئن بسطت يدك إليّ لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك). والاثنان معاً، قابيل وهابيل، ضروريان لتشكيل مشهد العنف النموذجيّ. اللاعنف إذاً داخلٌ في صلب كلّ واقعةٍ يمكن تسميتها عنفاً. فهو أصلٌ وطبيعة إنسانيّة أيضاً، على الضدّ مما قد توحي به "لا" النافية التي تسبق اسم العنف، على اعتبار ان النفي لاحقٌ لفعلٍ ما يسبق النفي بالضرورة. لكنّ النفي هنا نفيٌ يتخلل الفعل ويزامنه، ولولا هذا الكفّ عن ممارسة القتل لدى قابيل، لم يكنْ فعل القتل الذي قام به أخوه مستحقاً هذا الاسم المذموم: العنف. اللاعنف لم يمنع وقوع العنف بل أعطاه اسمه الذي يستحقّ ووضعه في حيّز مرذول أخلاقياً، وتلك هي قوّة اللاعنف الرمزية التي ستؤهله للانتقال من "لا" النافية إلى "لا" الناهية، كما في الوصايا العشر: لا تقتلْ. ليس اللاعنف ضرورياً إلا لكونه طرفاً خاسراً أثناء واقعة القتل، لكنه رابح في كلّ ما عدا ذلك: في تأويل الواقعة وسردها والموقف الأخلاقيّ المستقى منها، رابح في كلّ ما يحفّ بالواقعة ويترتب عليها من علاقاتٍ وخطابات، حتى وإنْ كان ـ في واقعة القتل ذاتها ـ هشاً وغير فاعلٍ. هشاشة اللاعنف انه لا يسفر عن قيمة فوريةٍ. النفي الذي فيه لا ينفي الفعل العنيف في الحدث، لكنه ينفيه رمزياً، يثبت ان الأصل في كلّ واقعة أصل مزدوج مكوّنٌ من قوتين متناقضتين تطلب الأولى ثمناً فورياً متحققاً لفائض قوّتها، بينما تؤجل الثانيّة انتصارها حين تزرع في العنف ذاته هذه الـ"لا" الكبيرة التي تبتدئ نافيةً ثم تكبر لتغدو ناهيةً، أيْ تصبح مشتملة على قوّة الإلزام الشرعيّ والأخلاقيّ. لهذا فإن اللاعنف يخسر على مسرح الحدث، يربح على مسرح التأريخ. لكنْ، بانتقالنا إلى الزمن الذي نحيا فيه، لم يعد اللاعنف مجرّدَ معطى رمزيّ من شأنه ادخال الخلخلة على العنف عن طريق نفيه ثم النهي عنه، لم تعدْ قوّته تتمثل في جعل تبكيت الضمير شغالاً فقط، أصبح اللاعنف اليوم "عملاً" مؤسساتياً تُصرف من أجله الأموال ويتطوّع الناسُ لإدامته والسهر على إيصاله حيثما كان هناك عنف. وبهذه الانتقالة الضرورية التي جعلت الأخلاقيّ مؤسساتياً ، فإنّ التخلّي عن القتل يطمح إلى أن يغدو فاعلاً بمقدار ما في القتل من فاعليّة، صار اللاعنفيّ يطالب هو الآخر بقيمة فوريّة لعمله، يريد حصته من التأثير الآنيّ في الوقائع. وما فعله "غاندي" كان باباً كبيراً سيدخل منه كثيرون بعده إلى هذا الفضاء العالميّ الذي أخذ يتقبّل شيئاً فشيئاً فكرة جعل اللاعنف من ضمن القوى التي تسهم في صياغة العالم الذي نحيا فيه. وهنا في العراق الذي امتلأ بأبناء هابيل، ثمة صوتٌ قابيليٌّ يتردّد صداه معيداً على القتلة ما ينفي فعلهم وما ينهى عنه. صوتٌ خفيض هامس، إنْ لم نتعلم منه شيئاً الآن فنحن بانتظار الغراب الذي سيأتي قريباً ويعلّمنا كيف نواري سوءاتنا في التراب. الصباح |