المشكلة اليمنية.. الحلول الضائعة


 

يعقوب يوسف جبر الرفاعي

 

موقع الإمــام الشيرازي

27/ذو القعـــدة/1430

تحتل المشكلات السياسية العنيفة في العالم مساحة خطيرة، خاصة تلك التي تتخذ صورة مرعبة كالحروب، التي أدت إلى هدر جزء كبير من موارد بعض الدول، كما أن هذه الحروب والمشكلات المتجددة تمثل تحديات سياسية داخلية وخارجية تواجه بعض بلدان العالم الثالث، وتعكس الضعف الواضح في طبيعة إدارة الدولة على المستوى الداخلي وكذلك الخارجي، باعتبار أن البناءين متداخلين بالنسبة لتأثير أحدهما في  الآخر، فعندما تعجز الدولة داخلياً عن توفير الدخل المناسب لمواطنيها خاصة أبناء الطبقة الوسطى، ولا تستطيع توفير مساحة قانونية لازمة للحريات ولا تعمل على تطبيق آليات رسمية لتهيئة الأرضية المناسبة لاحترام حقوق الإنسان،  فإن ذلك سيؤدي في ما بعد إلى حدوث اضطرابات داخلية تمارسها الجماعات المناهضة لسياسات الدولة الفاشلة، بغية الضغط على حكومتها محاولة منها لإيجاد الحلول اللازمة التي تتيح بناء حياة الرفاهية لأفراد هذه الطبقة، لكن في بعض الأحيان تمتنع بعض حكومات البلدان عن الاستجابة لمطالب مواطنيها المتضررين، مما يؤدي إلى نشوب صراعات سياسية قد تهدد سيادة الدولة كما هو الحال في اليمن، فهل يمكن لنا وصف هذه التداعيات سياسياً واعتبارها إفرازاً لأزمة سياسية واقتصادية داخلية؟ أم أن مايجري ماهو إلا انعكاس سياسي سلبي للتدخلات الخارجية الدولية والإقليمية من قبل دول لها مصالح ونفوذ سياسي واقتصادي داخل هذا البلد؟  

لو بحثنا قضية الصراع السياسي في اليمن انطلاقاً من البعد الداخلي، نجد أن جملة من المشكلات السياسية ثم الاقتصادية التي يعيشها اليمن هي العوامل التي تدفع باتجاه نشوء وتجدد التمرد الذي تمارسه بعض الجماعات المناوئة لحكومة اليمن، كالقبائل الحوثية الشمالية التي لجأت إلى الخيار العسكري للضغط على الحكومة اليمنية بغية إيجاد الحلول اللازمة لبعض المشكلات السياسية والاقتصادية التي تعيشها، كما أن جماعات أخرى تنتمي إلى تنظيم القاعدة الإرهابي هي الأخرى تمارس عملية الضغط على الدولة اليمنية المفككة التي لا تمتلك السيادة والقوة والعمق الجماهيري الداخلي، الذي يمكنها من معالجة الأزمات السياسية والاقتصادية التي تحاصرها في عقر دارها، وتبرز إلى الواجهة أزمة أخرى تعاني منها الحكومة والدولة اليمنية تتمثل في تمرد جماعات جنوبية تطالب باسترداد بعض حقوقها السياسية والاقتصادية المنتهكة منذ إعلان توحيد اليمنين عام 1990، ويشير بعض المراقبين والمحللين السياسيين إلى احتمال أن يتحول اليمن فيما بعد (مستقبلاً) إلى دولة منهارة مثلها كمثل الصومال أو أفغانستان، تعبث بها الأجندات والمصالح الخارجية، باعتبار أن اليمن بلد ما يزال  يفتقر إلى الإرادة الجماهيرية الموحدة بين طوائفه وأحزابه، والتي على فرض تبلورها ستقوده إلى الخروج من أزماته بأسرع وقت، لكن يبدو أن هذ البلد ما يزال رهين صراعات الجماعات العرقية والسياسية التي يتبنى دعم بعضها عدد من المتنفذين في مؤسسات الدولة اليمنية، كما تقوم دول خارجية بدعم جماعات أخرى لها صلة مباشرة بالحكومة اليمنية، وأخرى معارضة لهذه الحكومة كالحوثيين الذين تتهمهم الحكومة اليمنية بتلقيهم الدعم من الحكومة الإيرانية، وتشكيلهم تهديداً لسيادة اليمن وأمنها القومي، لذلك ركز الإعلام الحكومي اليمني الداعم لتوجهات الحكومة اليمنية على طبيعة الاتجاه السياسي لهذه الجماعة مؤكداً خطورتها على البلاد مبرراً الحرب التي شنتها الحكومة اليمنية لتصفية الحسابات مع الحوثيين، الذين تم وصفهم حسب رؤية الحكومة وإعلامها بأنهم خونة طائفيون يتحركون وفق مخططات خارجية، ولايمتلكون الروح الوطنية التي تؤهلهم ليكونوا مواطنين مخلصين يسعون لحماية مصالح اليمن ووحدته السياسية والدفاع عن سيادته وأمنه، ونتيجة لذلك قامت القوات اليمنية بردع هذه الجماعات لكن وفق سياسة الأرض المحروقة، بشنها حرباً غير متكافئة طالت العديد من الأبرياء المدنيين، هي أشبه ماتكون بحرب الإبادة التي لايتم التمييز فيها بين العزل والمقاومين، في حين يمكن للحكومة اليمنية أن تتبع أسلوب الحوار والتفاوض لحل الأزمة مع الطرف الحوثي، متجنبة اللجوء إلى استخدام الردع عسكرياً، لأنه يكلف اليمن واقتصادها وميزانيتها المالية ثمناً باهظاً، لاسيما وهي تعيش أزمة اقتصادية خانقة، كما أن اعتماد الحل العسكري لن يصب في مصلحة الحكومة اليمنية وشعبها بل يضرها، لذلك ينبغي على الحكومة اليمنية برئاسة علي عبدالله صالح إجراء إصلاحات سياسية في بنية الدولة والحكومة، لإخراج البلاد من هذه المشكلة باعتماد سياسة جديدة تتيح لجميع مواطني الشعب اليمني فرصة المشاركة في التداول السلمي للسلطة، التي هي ليست حكراً لفئة سياسية دون أخرى إنما هي ملك لكل مواطني الشعب اليمني، وعلى فرض توفر الوعي الديمقراطي أو تهيئة الظروف السياسية والثقافية والقانونية لقيام تعددية سياسية ناجحة في اليمن، بموجب التشريعات الدستورية بعيداً عن الأجندات الخارجية، فإن هذا البلد بشعبه ودولته سيجد الفرصة مناسبة لحل مشاكله وتسويتها داخلياً، لكننا نجد العكس تماماً فالحكومة برئاسة صالح ماتزال سياستها الداخلية والخارجية ترتبط بالأجندات الخارجية، وإن إصرراها على اتباع أسلوب القمع مع المناوئين لها، وتعصب الجماعات الشمالية وكذلك الجنوبية على الاستمرار في المواجهة لن يسفر إلا عن المزيد من التدهور السياسي والأمني والاقتصادي،  فكيف سيخرج اليمن من محنته؟ هل باعتماده الدعم السياسي والاقتصادي الخارجي؟ أم الاستمرار بتنفيذ الحل العسكري الداخلي؟ أم ستثوب الحكومة إلى رشدها وتلجأ إلى طاولة المفاوضات مع جميع الجماعات السياسية المعارضة بطرحها لمشروع إنقاذ وطني يتضمن تقاسم النفوذ السياسي داخل الدولة اليمنية ومؤسساتها، حسب الاستحقاقات الدستورية بين جميع أطياف الشعب اليمني وأحزابه السياسية، مما يتطلب إعادة النظر ببعض مواد الدستور اليمني عبر إجراء تعديلات قانونية أو استحداث مواد جديدة تكفل الحقوق السياسية لجميع المواطنين اليمنيين على السواء ومن دون استثناء، كما إن إشراك جميع شرائح الشعب اليمني في بناء دولة يمنية جديدة بعيدة عن النزاعات العرقية والسياسية والطائفية، سيطوي صفحة الماضي المليئة بالاستبداد الحكومي، لكن انحدار اليمن حكومة وشعباً نحو هاوية الحروب هو نذير شؤم، تتضح ملامحه شيئاً فشيئاً من خلال جملة من المعطيات التي ماتزال تفرزها الأحداث السياسية المتعاقبة، التي تغطي أرض وسماء اليمن بغيوم نزاعات يبدو كأنها لا آخر لها ولا نهاية لمداها أو أنها ستدوم طويلاً، فماذا بعد أن فقد اليمنيون المتنفذون والمعارضون صوابهم وغرقوا في وحل الدماء، هل سيؤوبون إلى رشدهم ويمارسون تجربة السلم السياسي والاجتماعي والاقتصادي لإنقاذ اليمن من محنته؟!!.

الصباح العراقية