![]() |
|
|
علي بين مسيحي منصف وسلفي مجحف
موقع الإمــام الشيرازي 22/ذو الحجـــة/1430 كان تاريخ الإسلام ولا يزال أسيراً لتسلط الحاكمين وسطوة كهنة المعابد المتزلفين ووعاظ السلاطين ولذلك نجد إن من الطريف اجتماع الحكام ووعاظهم على الكيد لـ علي (عليه السلام)، ومحاولة طمس اسمه وذكراه من تاريخ ومسيرة الرسالة الإسلامية، ودأب آل أمية طوال سبعين عاماً على شتم علي (عليه السلام) من على منابرهم، وتفننوا في صنع الأحاديث المفتراة على النبي (صلى الله عليه وآله) والتي "تدين" أمير المؤمنين (عليه السلام) من خلال شراء ذمم بعض من يدعى بصحابة الرسول، ولم يقصر هؤلاء من أجل دراهم ودنانير السلطة أن يبتدعوا آلاف الأحاديث التي ملئت "صحاح" أئمة العامة في تسقيط علي (عليه السلام)، وذمه، ورفع ذكر أعدائه، ومدحهم على لسان النبي (صلى الله عليه وآله) زوراً وبهتاناً. ومن النماذج على ذلك البهتان والجرأة على الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) ذلك الحديث الذي وضعه سمرة بن جندب بطلب من سيده معاوية مقابل أن يتنعم بهدية معاوية النقدية والبالغة (400) ألف درهم، وادعى ابن جندب أن قوله تعالى { ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا وهو ألد الخصام، وإذا تولى في الأرض سعى ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل} نزلت في علي (عليه السلام)، وأن آية { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله} نزلت بحق معاوية ؟! ومن جملة افتراءاتهم وأكاذيبهم وتضليلهم ما ادعوه برواية زورت عن النبي (صلى الله عليه وآله) بأن حكيم بن حزام ولدته أمه في الكعبة لمحو المنزلة التي ذهب بها علي (عليه السلام) دون سائر العالمين بولادته الشريفة في بطن الكعبة في حادثة انشقاق جدار الكعبة للسيدة فاطمة بنت أسد، واليوم يحاول الوهابيون أن يخفوا آثار تلك الفتحة إلا أن كل محاولاتهم باءت بفضل الله بالفشل والخيبة لأن ذلك الشق يتجدد في كل مرة يخفون آثاره فيها. من ذلك كله، نستنتج أن ليس من الغريب أن تتعرض واقعة الغدير إلى حملة من التشكيك والإنكار بوقائعها وتفاصيلها أو حتى إلغائها تماماً من ذاكرة الإسلام بنفي حصولها وهو ما اجتمعت عليه واتفقت كلمة علماء الدولار على شن حملة افتراء على علي (عليه السلام) وتكذيب بيعة الغدير أو التلاعب بخطاب النبي الكريم (صلى الله عليه وآله) وفق ما تشتهيه أنفسهم الأمارة بالسوء وتمليه عليهم السلاطين والحكام مقابل حفنة من الدولارات أو قصور يتمتعون فيها بما حرم الله من المتع، وهكذا يبيع هؤلاء الوعاظ الفاسقين آخرتهم بدنيا غيرهم كما فعلاً أسلافهم في الحقب والدول السابقة . ولذلك جاء جواب الخليل الفراهيدي عندما سئل عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) فأجاب بحسرة ولوعة (ما ذا أقول في رجل كتم أوليائه فضائله خوفاً وأخفى أعدائه فضائله حسداً وحقداً، وظهر ما بين ذلك ما ملأ الخافقين).. وأين علماء الوهابيين من تصريح إمام الحنابلة الذي ينتسبون له مذهبياً بزعمهم عندما سأل عن علي أمير المؤمنين فأجاب (ما جاء لأحد من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب). فمن أين ورث هؤلاء حقدهم وبغضهم لإمام الحق وما هو سر حقدهم المكنون في صدورهم ولماذا يورثوه أبنائهم؟. ولماذا يشن الوهابيون السلفيون ومن يسير بنهجهم المنحرف عدوانهم على علي (عليه السلام) وشيعته وهل عجزهم في نجاح موجة السموم المبثوثة في فضائياتهم الفاسدة وكتب ضلالاتهم المنحرفة والتي توزع ملايين النسخ منها كل عام إلى حجاج بيت الله الحرام والى مدن الإسلام في الشرق والغرب والجنوب والشمال والتي جرت لهم سخط المسلمين المعتدلين ولعناتهم هي السبب في تغيير مخططاتهم ومنهجيتهم التكفيرية لشيعة أمير المؤمنين والتحول إلى لغة العنف والتدمير وإلحاق أكبر مقدار من القتل بحق الأبرياء من أتباع أهل البيت والتدمير لمراقدهم المقدسة ومساجدهم وحسينياتهم وبتحريض ومباركة علماء السوء والضلالة، ففي العراق واليمن وباكستان - على وجه الخصوص - تعرض الموالون لمحمد وآل محمد لمختلف صنوف الإرهاب التكفيري الأعمى من جنود الشيطان الوهابيين وتسبب مفخخيهم المجانين الموعودين بالعشاء مع النبي في شهادة الآلاف من أتباع أهل البيت وهدمت الصوامع واندلعت شرارة المواجهات الطائفية بين أبناء الشعب الواحد بسبب أولئك المتحجرين القساة الذي سيلتحقون في سقر مع من سبقهم من الناصبين العداوة لمحمد (صلى الله عليه وآله) وذريته الطاهرة . وعندما المقارنة بين موقف الناصبين وبين المسيحيين المنصفين تجاه أمير المؤمنين (عليه السلام) سوف نجد الفارق الكبير في مذهب الوهابيين السقيم وفكر المسيحيين المنصفين السليم، فهذا جورج جرداق يكتشف بعد متابعته لسيرة علي (عليه السلام) أنه صوت العدالة الإنسانية ويتحدث عن علي (عليه السلام) بهذا الحديث الاستبصاري «وفي شخصية ابن أبي طالب تجسيم لأقصى ما عرفه الفكر العربي والحسّ العربي من ثورية الحياة وخيرية الوجود ووحدة المعرفة الإنسانية وفي شخصيته أعمق ما عرفته الشخصية العربية من روح الثورة العارمة على الطغيان والاستبداد بأشكالها جميعا وأعمق ما عرفته من روح الفداء في سبيل الإنسان» ويقول في مقطع آخر «وفي شخصية ابن أبي طالب تحدٍ كثير هو تحدي المحبة للبغضاء والبساطة للتعقيد والثورة للجمود والإنسان للتاجر والصدق للنفاق والحياة للموت». ويقول أيضاً "هلا أعرت دنياك أذناً وقلباً وعقلاً فتلقي إلى كيانك جميعاً بخبر عبقري حملت منه في وجدانها قصة الضمير العملاق يعلو ويعلو حتى لتهون عليه الدنيا وتهون الحياة ويهون البنون والأقربون والمال والسلطان ورؤية الشمس المشرقة الغاربة.. وحتى يندفع بصاحبه ارتفاعا فما هو من الآدميين إلا بمقدار ما يسمون بمقياس الضمير والوجدان.» وهذا الأديب الكبير المسيحي الآخر جبران خليل جبران عشق علياً (عليه السلام) وانبهر بسيرته الزاكية حيث يرى جبران أن علياً (عليه السلام) أول عربي بعث في مسامع الدنيا أناشيد هذه الروح الشاملة حتى لكأنّ قلبه ينهل منها فتعيها شفتاه أناشيد سماويةً تلو أناشيد فإذا هو مع الواقفين على قمة الدنيا يرون ويحدثون بما يرون ويقولون فإذا حديثهم وحي وإذا قولهم نجومُ سماء.. ويرى جبران أن علياً (عليه السلام) نبي شأنه شأن جميع الأنبياء الذين يستشعرون الغربة بين الأهل والوحدة بين الناس والوحشة في الوطن إذ يأتون إلى قوم ليس بقومهم في زمن ليس بزمنهم، وطالما كان جبران يردد اسم علي بن أبي طالب (عليه السلام) في مجالسه الخاصة والعامة، وحين يخلو إلى نفسه وطالما كان يقول.. عظماء الدنيا ثلاثة «المسيح ومحمد وعلي».. ومن جبران إلى الكاتب والشاعر المسيحي ميخائيل نعيمة حيث يقول «إن الإمام علي سيد العرب على الإطلاق في كل فكر وكل خلق وكل بيان بعد الرسول أن علياً لمن عمالقة الفكر والروح والبيان في كل زمان ومكان». أما بولس سلامة وهو مسيحي أيضاً ومن كبار الشعراء العرب الذي اهتز لبيعة الغدير وبيعتها الكبرى فغمره الشوق إلى وقائعها فعاشها في ساحة خياله الشعري ولتتفتق رؤياه بملحمة الغدير الشعرية ولا يخفي افتخاره بأن يكون شيعياً مادام التشيع يعني الانتماء لعلي (عليه السلام) وانظر إليه وهو يقول في مقدمة ملحمته (أما إذا كان التشيع حباً لعلي وأهل البيت الطيبين الأكرمين، وثورة على الظلم وتوجعاً لما حل بالحسين وما نزل بأولاده من النكبات في مطاوي التاريخ فإنني شيعي) ثم ينطلق بملحمته مصرحا بهذا الاعتقاد الواثق الصادق: هو فخر التاريخ لا فخر شعب يدّعيـــه ويصــطفـــيـــه وليّــــا لا تقـــل شيعــــة هـــواة علـي إن في كل منصف شيعيا أتأسى بــــالأكـــرميـــن خصـــالاً لم يسيغوا في العمر شُرباً مريـاً جلجل الحــق في المسيحي حتى عـــدّ مــــن فـــرط حبــــه علـويّا أنا من يعشــق البطولـة والإلهام والعدل والخلاق الرضيّـــا ثم يعرج على الغدير فيقول : بث طه مقالة في علي واضحا كالنهار دون ستور لا مجاز ولا غموض ولبس يستحث الإفهام للتفسير فأتاه المهنئون عيون ال ـقوم يبدون أية التوقير عيدك العيد يا علي فأيصـ ـمت حسودا وطامس للبدور تنطق البيد ناثرات على الصـ ـحراء رشيا من كل زهر نضير ثم يعترف بولس بأن ما يسطره من كلمات ليست إلا الحق الذي أجراه وانطقه الله تعالى على لسانه: يا إله الكون أشفق علياً لا تمتني في العذاب شقيا أولني أجر عامل في صعيد الخير ، يبغي ثوابك الابديا مصدر الحق لم أقل غير الحق أنت أجريته على شفتيا أنت أنعمتني مديح علي فهمي غيدق البيان عليا ثم يرجم ذلك الشاعر المسيحي المنصف أعداء علي وحساده ومبغضيه من المتحجرين الناصبين التكفيريين بالحقيقة التي حضرت هذا المسيحي وغابت عن حقد وحسد عن أذهان أعداء علي ومعاديه المتسترين بجلباب الإسلام ... يقول سلامة عن أمير المؤمنين : هو فخر التاريخ لا فخر شعب يدعيه ويصطفيه وليا لا تقل شيعة هواة شيعة علي أن في كل منصف شيعيا إنما الشمس للنواظر عيد كل طرف يرى الشعاع السنيا ويختتم شاعرنا ألغديري ملحمته: يا سماء اشهدي ويا أرض قري واخشعــي، إنني ذكرت عليّا ولا أعرف كيف استعصى على المعادين لعلي (عليه السلام) من الناصبين فّهْم واكتشاف إمامة علي (عليه السلام) وولايته، وهم يدًعون الإسلام والالتزام بالكتاب والسنة، بينما نجد هذه الثلة من الأدباء والمفكرين المسيحيين يصلوا إلى هذه الحقائق مع انتمائهم لغير دين علي (عليه السلام) فضلاً عن الانتماء إلى خطه الصادق . فهنيئاً لم عرف الحق ونصر أهله وتعساً لمن صدق عليهم قوله تعالى {أُولئِكَ الذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُم وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} . |