![]() |
|
|
الحسين.. الخروج للسلطة
موقع الإمــام الشيرازي 29/ذو الحجــة/1430 يفسر البعض حركة السبط الشهيد الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب بن فاطمة الزهراء بنت رسول الله (ص) في عاشوراء عام 61 للهجرة، على انها (خروج على السلطة) والصحيح هي انها (خروج للسلطة) والفرق، كما هو واضح، كبير جداً، فالتفسير الأول يقصد منه الطعن بشرعية الحركة، أما الثاني فيعني بأن الحركة تتمتع بالشرعية الذاتية، أي انها تحمل شرعيتها بذاتها وليس بعوامل خارجية او مساعدة. ولقد بثت السلطة الأموية الغاشمة، بعيد واقعة عاشوراء عام 61 للهجرة مباشرة، هذا التفسير بين الناس لإسقاط الشرعية عن حركة الإمام وسلبها موقعها الرائد في نفوس الناس، باعتبارها حركة غير شرعية سعت الى الإطاحة بالنظام السياسي القائم، فوظفت من أجل ذلك كم هائل من الأحاديث المزورة وغير الصحيحة التي انبرى وعاظ السلاطين وفقهاء الجور الى وضعها ونسبتها الى رسول الله (ص) مقابل حفنة من الأموال أو منصب دنيوي زائل. واستمر هذا النوع من التثقيف حتى شب عليه الطفل الرضيع ومات عليه العجوز والعجوزة. والغريب في الأمر، ان هذا التفسير أضحى، بمرور الزمن، قاعدة فقهية عند الكثير من (العلماء والفقهاء) وعلى مر التاريخ والى يومنا هذا، يلجأ اليه الطغاة والجبابرة والمستبدين من حكام الجور والظلم والظلال كلما سعت الشعوب الى ممارسة التغيير والتجديد في السلطة السياسية، وكأن الحكم الأموي الجائر تحول الى قاعدة فقهية عند أمثال هؤلاء (الفقهاء) ليبرروا به ظلم الحكام الجبابرة، والقمع والسحق المنظم لحقوق الإنسان والامتهان المستمر لكرامته المهدورة، والتي تمارسها الأنظمة الجائرة ضد الشعوب المقهورة باسم الدين وباسم الإسلام. لقد ظل هذا النوع من التفسير والتثقيف، المبرر الأول لكل عملية استيلاء على السلطة بالإكراه والقوة، بعد أن تحولت السياسة عندهم الى عمل يخص من يطلقون عليه عبارة (الأصلح) وهو بمعنى الاستيلاء على السلطة بالقوة والمكر والخديعة، بعد ان أحاطوا هذا المصطلح وأمثاله بحشد من الأحاديث الأموية المكذوبة منها ما ترويه الصحاح عن رسول الله (ص) قوله {من رأى من أميره شيئاً فليصبر عليه فإن من فارق الجماعة شبراً فمات مات ميتة جاهلية} ليغلقوا، بمثل هذا التنظير، كل الأبواب التي قد تؤدي الى التغيير السياسي والقيام ضد حكام الجور والظلم. وهذا القاضي أبو يوسف صاحب الإمام (أبي حنيفة) يقرر هذا المبدأ في خطابه لـ (هارون الرشيد) العباسي، وهو الذي اعتلى السلطة بالقتل والفتك والتآمر، في مقدمة كتاب (الخراج) الذي ألفه له، فيقول: يا أمير المؤمنين، إن الله، وله الحمد، قد قلدك أمراً عظيماً، ثوابه أعظم الثواب وعقابه أشد العقاب، قلدك أمر هذه الأمة، وأنت تبني لخلق كثير، ولاك أمرهم، فلا تضيعن ما قلدك الله من أمر هذه الأمة والرعية، فأقم الحق فيما ولاك الله وقلدك، ولو ساعة من نهار، وإني أوصيك يا أمير المؤمنين بحفظ ما استحفظك الله، ورعاية ما استرعاك الله، وإنما لك من عملك ما عملت فيمن ولاك الله أمره، وعليك ما ضيعت منه، فلا تنس القيام بأمر من ولاك الله أمره. هذا النص يعني أن الخلافة عند (أبي يوسف) أمر قلده الله للخليفة، وسلطة مكنه الله منها ليحكم بها عباده، وليس بعد ذلك كيف تقلدها أبالسيف أم بالتآمر أم بالقتل والفتك أم بالانقلاب العسكري، إذ ليس للأمة دور في هذه السلطة. وبالعودة قليلاً الى الوراء، نلحظ أان هذا الفهم توارثه (المسلمون) جيلاً عن جيل حتى نصل الى الخليفة الثالث، الذي قال لمن طلب منه أن يستقيل من منصب الخلافة: لا أنزع قميصاً ألبسنيه الله عز وجل. ويقول أيضاً: أما أن أتبرأ من خلافة الله، فالقتل أحب إليَّ من ذلك. الى هنا ليس في الأمر غرابة، إذ ان من الطبيعي أن يلجأ الطاغوت، أي طاغوت ومن حوله من جيوش وعاظ السلاطين وفقهاء البلاط وأصحاب الأقلام المأجورة والضمائر الميتة، وما أكثرهم في كل زمان ومكان، الى تشويه سمعة الحركة الثورية التي تنشد التصحيح والإصلاح في البلاد، خوفاً على سلطته من الانهيار والزوال. إلا ان الذي يبعث على الدهشة والغرابة حقاً، هو طريقة تفكير بعض ممن يذوب في الحسين (عليه السلام) وثورته وحركته وأهدافه ومبادئه، والتي تدفعه الى عدم الاعتقاد بتفسير حركة الإمام (عليه السلام) على أنها (خروج للسلطة) على اعتبار أن مثل هذا التفسير يعطي معنى (طلب الإمام للسلطة) وهذا ما يقلل من قيمة الإمام، ويخدش بعصمته ومكانته في قلوب المؤمنين، ولذلك يكفر أمثال هؤلاء بمثل هذا التفسير والمنطق ليحفظوا للإمام منزلته وقدسيته في قلوبهم، على حد زعمهم، ثم تراهم يلجأون الى التفسيرات الغيبية لمجمل واقعة عاشوراء هرباً من إعمال العقل والمنطق السليم في تفسير حركة الإمام الحسين (عليه السلام) التفسير الصحيح والصائب والمعقول. إنهم يرفضون أي تفسير (مادي) لحركة الإمام الحسين (عليه السلام)، ويحصرون وعيهم بالغيب والعواطف فحسب، فيعتقدون بأن الحسين السبط خرج للشهادة أولاً وأخيراً، وليس قبلها أو بعدها أي خطط أو رؤية كان الحسين (عليه السلام9 قد تبناها من أجل التغييروالإصلاح. إنهم يعتقدون أن (طلب السلطة) أمر حرام في كل الأحوال، لا ينبغي لمثل الحسين السبط أن يرتكبه، أو يتورط فيه، فالسلطة لأصحابها والإمامة لأهلها. في هذا المقال، سأحاول أن أثبت بأن حركة الإمام الحسين (عليه السلام) كانت خروجاً من أجل السلطة وليست خروجاً على السلطة، بمعنى آخر، انها كانت خروجاً شرعياً طلباً للسلطة وليست خروجاً غير شرعياً على السلطة. وفي البدء، دعونا نطرح السؤال التالي، وهو، هل يحق لأحد أن يطلب السلطة؟ أم إن ذلك حرام لا يجوز شرعاً؟. القرآن الكريم يجيب على هذا السؤال بالإيجاب في قوله تعالى على لسان النبي يوسف الصديق (عليه السلام) {اجعلني على خزائن الارض إني حفيظ عليم} وكذلك في قوله (عز وجل) على لسان نبي الله سليمان (عليه السلام) {قال رب اغفر لي وهب لي مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب} كما يذكرها القرآن الكريم في قصة النبي داوود (عليه السلام) مع جالوت بقوله (عز وجل) {فهزموهم باذن الله وقتل داوود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين} وفي أخرى متحدثاً عن عدة أنبياء {أولئك الذين آتاهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين} وفي قصة النبي يحيى (عليه السلام) {يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا}. ما يعني أن طلب السلطة أو ممارستها ليس عيباً كما انه ليس عملاً مشيناً أبداً، شريطة أن يكون طالبها على قدر المسؤولية، خاصة عندما يكون مثل هذا الطلب لتحقيق العدل وإنصاف المظلومين، إذ يكون في مثل هذه الحالة واجب شرعي على القادر على تحمل مسؤوليته أن يتصدى له مهما كان الثمن، والى هذا المعنى أشار الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي طلب السلطة أكثر من مرة منذ وفاة الرسول (ص) كما في قوله (عليه السلام) مثلاً: {أما والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ألا يقاروا على كظة ظالم، ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز}. وبهذا النص يحدد الإمام (عليه السلام) الشروط التي يجب أن تتوفر لمن يطلب السلطة، والتي هي: أولاً؛ البيعة، أي قبول الناس به، فلا يطلب السلطة أو ينزو عليها بالقهر والقوة، لأن ذلك بمثابة الاستيلاء على حق الناس والذي لا يجوز لا شرعاً ولا عرفاً. ثانياً؛ العلم بها والقدرة عليها والتمكن منها. ثالثاً؛ أن يكون طلب السلطة من أجل ردع الظالم والانتصار للمظلوم، أي إقامة الحق والعدل. كما أن الإمام الحسن السبط (عليه السلام) حدد شروط طلب السلطة في محاججة رائعة مع معاوية بن أبي سفيان بن هند آكلة الاكباد، حين قال له الأخير بعد الصلح، اذكر فضلنا، أي فضل بني أمية، فخطب الحسن السبط قائلاً، بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد النبي وآله، ثم قال: مَنْ عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن رسول الله، أنا ابن البشير النذير، أنا ابن المصطفى بالرسالة، أنا ابن من صلت عليه الملائكة، أنا ابن من شرفت به الأمة، أنا ابن من كان جبرائيل السفير من الله اليه، أنا ابن من بعث رحمة للعالمين (صلى الله عليه وآله) أجمعين، فلم يقدر معاوية أن يكتم عداوته وحسده، فقال: يا حسن، عليك بالرطب فانعته لنا، في محاولة منه لتغيير مسار الحديث خوف الفتنة إذا ما اطلع أهل الشام على الحقيقة التي ظل يخفيها عليهم معاوية عقود طوال بالتضليل الإعلامي والتزوير والتحريف وشراء الذمم، فقال الحسن السبط: نعم يا معاوية، الريح تلقحه، والشمس تنفحه، والقمر يلونه، والحر ينضجه، والليل يبرده، ثم أقبل (عليه السلام) على منطقه فقال: أنا ابن المستجاب الدعوة، أنا ابن من كان من ربه كقاب قوسين أو أدنى، أنا ابن الشفيع المطاع، أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن من خضعت له قريش رغما، أنا ابن من سعد تابعه وشقى خاذله، أنا ابن من جعلت الأرض له طهوراً ومسجداً، أنا ابن من كانت أخبار السماء إليه تترى، أنا ابن من أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، فقال بن هند، أظن نفسك يا حسن تنازعك الى الخلافة؟ فقال السبط (عليه السلام): ويلك يا معاوية إنما الخليفة من سار بسيرة رسول الله (ص) وعمل بطاعة الله، ولعمري أنا لأعلام الهدى، ومنار التقى، ولكنك يا معاوية ممن أبار السنن وأحيا البدع واتخذ عباد الله خولاً ودين الله لعباً فكان قد أخمل ما أنت فيه، فعشت يسيراً وبقيت عليك تبعاته. وفي النص، كما هو واضح، تصريح بطلب الحسن (عليه السلام) للسلطة بعد أن ثبت مواصفات الحاكم الصالح الذي يستحقها، نافياً أن يكون معاوية ذلك الحاكم المأمول لا من قريب ولا من بعيد. وهنا يشخص الفارق بين طلاب السلطة، فبينما يطلبها المؤمن من أجل إقامة الحق والعدل وتحقيق المساواة بين الناس من خلال تمتعهم بالحرية والكرامة بلا تمييز لا على أساس الدين ولا على أساس المذهب أو العنصر أو الجنس، بالإضافة الى سعيه لإنجاز مبدأ تكافؤ الفرص، وحمايته لبيت المال وتحقيق الأمن، ترى الآخر يطلبها من أجل السطوة وتمكين أهله وعشيرته من رقاب الناس وأموالهم وكرامتهم، وباختصار، فإنه يطلبها ليتخذ مال الله دولاً وعباده خولاً. إن المضحك المبكي حقاً، هو ما نراه من حالنا التعيس إزاء السلطة، فبينا ترانا نرقص فرحاً إذا ما نزى على السلطة جاهل أو قاتل أو لص أو سكير أو منافق أو عميل، فنملأا الشوارع بمسيرات التاييد ولافتات الترحيب، وتهتز الارض برقصات الطرب وتتمايل الأشجار بأصوات قرع الطبول والمزامير، إذا بنا نتصرف عكس ذلك اذا ما سعى مصلح الى السلطة لتغيير الحال، وكأن السلطة حكر على كل متجبر ومستبد وهي ممنوعة على المؤمنين الصالحين؟. لماذا؟ لأننا بتنا نعتقد بأن السلطة حلال زلال على قلوب اللصوص والخمارين والدجالين والقتلة، وحرام على الإمام والعالم والمتدين والملتزم والعادل والذي يخاف الله في عباده. ان كل ذلك نتيجة تراكمات الثقافة السلبية التي تعودنا عليها وتعلمناها من التاريخ، لتصبح اليوم واقع الحال، اذا بشعوبنا تحكمها أنظمة ظالمة وحكام مردة، لتتحول هي في ظلها الى قطيع من الاغنام يذبحها الطاهي متى يشاء ليقدمها لقمة سائغة على مائدة السلطان، وكل ذلك شئ طبيعي الفته الشعوب من دون ان ينبس احد ببنت شفة، وكأن الله تعالى خلق الناس صنفين، الأول للسلطة والثاني للخدمة، الاول للسيادة والثاني للعبودية. ان طلب السلطة امر مشروع، وان طموح المرء لنيلها امر مستحسن، شريطة ان لا تكون أدواتها الدم والقتل وجماجم الأبرياء والغش والخداع والتضليل، كما هو حال الأنظمة الشمولية الاستبدادية القائمة حالياً في جل بلادنا العربية والاسلامية، والتي لم يصل فيها الحاكم الى سدة الحكم إلا بالتآمر والقتل والاغتيال ومطاردة الشرفاء وتكميم الأفواه وسحق حقوق المواطنين، وحجته أنه دون غيره الأكفأ لهذه المسؤولية وان (الله تعالى) هو الذي ألبسه قميص الخلافة والإمرة، وهو المصطلح الذي توارثه الطغاة منذ ما بعد صدر الاسلام ولحد الان. فضلا عن ذلك، فإن السلطة آنئذ، كانت باسم الدين وباسم الاسلام وباسم رسول الله (ص) فكان كل من يستولي عليها يتسمى اما بالخلافة او بامرة المؤمنين، وبمرور العقود والقرون راح السلطان يتسمى باسم الله مباشرة من دون واسطة، فكيف يحق لسكير، مثلا، او طريد او طليق، ان يتسمى بالخلافة والامرة ورب العالمين، ولا يحق ذلك لمؤمن؟ ولسبط الرسول الكريم (ص) تحديدا؟. ان العقل والمنطق وكذلك الواقع يحتم على الانسان ان يقبل بسلطة ما فلا يبقى من دونها فتعم الفوضى، والسلطة هي من اجل اقامة العدل بين الناس، وليس بعد ذلك كيف يجب ان تكون هويتها أو زي من يتصدى لها، والى هذا المعنى أشار الإمام علي (عليه السلام) بقوله {وانه لا بد للناس من امير بر او فاجر يعمل في امرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ فيها الله الأجل، ويجمع به الفئ، ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي، حتى يستريح بر، ويستراح من فاجر} الا ان العقل والمنطق وكذلك الواقع يحتم كذلك على الانسان ان يختار الامرة الخيرة والبارة من اجل اقامة العدل والقسط، اذا ما خير بين امرتين واحدة صالحة واخرى فاجرة، وان كان الهدف الذي يسعى الى تحقيقه واحد لا يختلف في جوهره، وهو، كما اسلفت، قامة العدل بين الناس. نعود الان الى صلب الموضوع، لأعيد السؤال مرة أخرى، ولكن هذه المرة فيما يخص الحسين السبط (عليه السلام)، فنقول؛ هل يحق للإمام الحسين (عليه السلام) ان يطلب السلطة؟ ام انها شأن غيره وانها حرام عليه وحلال لغيره؟ وان طلبه لها يقلل من شانه ويقدح بعصمته؟. وهل ان كل طلب للسلطة بمثابة الميل للدنيا وتعبير عن هوى النفس؟ فلماذا قال أمير المؤمنين (عليه السلام) إذن: اللهم انك تعلم انه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان، ولا التماس شئ من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، فيامن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك. أليس في هذا النص دفاع معقول عن طلب السلطة بالحق؟ أوليس فيه ما يشير الى ان الإامام كان قد طلبها بالحق، فبرر بهذا النص ما بدر منه لتفسير طلبه بشكل سليم، من أجل أن لا يفسره من يشاء بما يشاء فيشوه الصورة ويقلب الحقيقة، ليحولها الى سيف مسلط على رقاب كل مؤمن قد يطلب السلطة في يوم من الايام؟. الجواب: اولا؛ من الناحية الشرعية، فان السلطة جزء لا يتجزأ من كيان الإمامة، والى هذا المعنى أشارت الصديقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بقولها في خطبتها المعروفة {وطاعتنا نظاما للملة، وإمامتنا أماناً للفرقة} ولذلك نحن نعتقد بأن مشكلة الأمة الإسلامية بدأت منذ تلك اللحظة التي عطل فيها المسلمون مبدأ الإمامة، والذي هو برأي (الشيعة الإثني عشرية) أصل من أصول الدين أو على الأقل المذهب. ولهذا السبب ظل الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) يتحدث بالسلطة وأهميتها وفلسفتها وجوهرها وخطورتها، والتي كان يجب ان تنتهي اليه بعد رحلة رسول الله (ص) الى العالم الآخر، مستغلا كل مناسبة وموظفا كل فرصة، من اجل تنبيه الأمة الى الخطأ الكبير الذي ارتكبته عندما تركته وذهبت الى غيره، كما هو واضح في قوله (عليه السلام) في خطبته المعروفة بالشقشقية، مثلا والتي يقول فيها {أما والله لقد تقمصها فلان وانه ليعلم ان محلي منها محل القطب من الرحا، ينحدر عني السيل، ولا يرقى الي الطير، فسدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا، وطفقت ارتئي بين ان اصول بيد جذاء، او اصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه، فرايت ان الصبر على هاتا احجى، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا، ارى تراثي نهبا، حتى مضى الاول لسبيله، فأدلى بها الى فلان بعده (ثم تمثل بقول الأعشى): شتان ما يومي على كورها ويوم حيان أخي جابر فياعجبا، بينا هو يستقيلها في حياته اذ عقدها لآخر بعد وفاته، لشد ما تشطرا ضرعيها، فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ويخشن مسها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة ان اشنق لها خرم، وان اسلس لها تقحم، فمني الناس، لعمر الله، بخبط وشماس، وتلون واعتراض، فصبرت على طول المدة، وشدة المحنة، حتى اذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم اني احدهم، فيا لله وللشورى، متى اعترض الريب في مع الاول منهم، حتى صرت أُقرن الى هذه النظائر؟ لكني أسففت إذ أسفوا، وطرت اذ طاروا، فصغا رجل منهم لضغنه، ومال الآخر لصهره، مع هن وهن، الى أن قام ثالث القوم نافخا حضنيه، بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو ابيه يخضمون مال الله خضمة الابل نبتة الربيع، الى ان انتكث عليه فتله، واجهز عليه عمله، وكبت به بطنته}. بالنسبة للإمام الحسين السبط (عليه السلام)، فان حديث رسول الله (ص) بحقه وبحق أخيه السبط الإمام الحسن المجتبى (عليهما السلام) {الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا} دليل شرعي صريح على أحقيته في السلطة، من الناحية النظرية على الأقل، بل على حقه في طلبها، نظرياً أولاً ثم عملياً وواقعياًَ إذا استوفى الطلب شروطه، لأنه إمام قام أو قعد، ولأن السلطة جزء لا يتجزأ من الإمامة، كما أسلفت قبل قليل، فلذلك فإن طلبه للسلطة لا يخرج عن واجباته ومسؤولياته المنصوص عليها في إطار الإمامة التي جعلها الله تعالى للإمام بنص قوله (عز وجل) مخاطباً نبي الله ابراهيم (عليه السلام) {إني جاعلك للناس إماماً). ثانيا؛ من الناحية القانونية، فلقد نصت بنود (الصلح) التي تم التوقيع عليها بين الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) ومعاوية بن أبي سفيان بن هند آكلة الأكباد، على ان يكون الخليفة بعد موت الأخير الإمام الحسن فإن مات فأخيه الإمام الحسين. يقول النص: أن يكون الأمر، يعني السلطة، بعد معاوية للحسن، وإن حدث بالحسن قبل معاوية حدث يكون الأمر بعد معاوية للحسين. ولذلك فإن طلب الحسين السبط للسلطة بعد هلاك معاوية كان مدعوماً بقوة القانون، بلغة اليوم، اما اعتلاء يزيد للسلطة بعد أبيه الذي وطَّأ له، بتشديد الطاء وفتحها، سبيلها بالترغيب والترهيب والقتل وشراء الذمم، وأخيراً بالتوريث الذي أسس للملكية في الإسلام الى يومنا هذا، فلم يكن مدعوماً بالقانون أبداً، بل انه كان خروجاً عن القانون الذي ضربه معاوية عرض الحائط بتوريثه ابنه يزيد شارب الخمر واللاعب بالقرود للسلطة. ومن خلال هذا البند، يتضح لنا جلياً بأن الإمام الحسين (عليه السلام) كان قد طلب السلطة قبل أن يعتلي يزيد الخلافة بعشرين عاماً. أما من يستشكل على مثل هذا النص، ويورد نصاً آخر يقول؛ لقد اتفق الحسن بن علي ومعاوية بن ابي سفيان على أن يسلم له الحسن ولاية أمر المسلمين على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الخلفاء الصالحين، وليس لمعاوية أن يعهد بالأمر الى أحد من بعده بل يكون الأمر شورى بين المسلمين. فإن هذا النص كذلك يمنح الحسين السبط الحق في الاعتراض على سلطة يزيد لأنها غير قانونية، كذلك، بقوة القانون ونص الوثيقة. ثالثا؛ من الناحية الواقعية، فإن طريقة توريث معاوية للسلطة الى ابنه الفاجر يزيد انتجت أخطر بدعة سياسية في حياة الأمة، وباسم الاسلام، الامر الذي كان يجب على الحسين السبط أن يتحرك لوءدها وهي بعد في المهد، كونه العالم المسؤول عن الامة، والإمام المسؤول عن تصحيح مساراتها، من خلال التصدي والعمل على كشف البدع التي تظهر فيها، خاصة البدع السياسية التي تنتج انحرافات خطيرة لا تكتفي بان تترك أثرها السلبي في جيل أو جيلين فحسب، وانما في أجيال قادمة، كما لو ان (الخليفة) قرر تحويل النظام السياسي من الشورى الى الملك العضوض، وكل ذلك باسم الاسلام وباسم الله وباسم الدين، وهذا ما حصل في عهد الإمام الحسين (عليه السلام)، ولذلك كان يجب عليه ان يتحرك لتصحيح المسار، ودافعه في ذلك قول رسول الله (ص) {اذا ظهرت البدع، فعلى العالم ان يظهر علمه} وهل هناك أخطرمن البدعة السياسية؟ ليتركها الحسين السبط وشأنها من دون تغيير؟. بالاضافة الى ان توريث معاوية السلطة (الدينية) ليزيد تعارض مع كل النصوص النبوية الشريفة التي تتحدث بل وحذرت المسلمين من تولية السلطة الى الطلقاء وابناء الطلقاء، وهو الامر الشرعي المتفق عليه بين المسلمين كافة، علماءهم وفساقهم. لقد احتج الامام امير المؤمنين (عليه السلام) بذلك في جواب له على احدى رسائل معاوية اليه، والتي حاول فيها تبرير تمرده على ولايته وخلافته بعد بيعة الناس له، بقوله: واعلم انك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة ولا تعرض فيهم الشورى. كما احتج بها عبد الله بن عباس عندما كلم أبا موسى الأشعري وهو يهم بالذهاب الى لقاء عمرو بن العاص في قصة الحكمين المعروفة، مذكراً إياه بحال معاوية، بقوله: واعلم ان معاوية طليق الاسلام، وان اباه رأس الأحزاب، وانه ادعى الخلافة من غير مشورة وليس فيه خصلة تقربه من الخلافة، فإن صدقك فقد حل خلعه، وإن كذبك فقد حرم عليك كلامه. هذا بشأن معاوية الطليق، فما بالك بيزيد ابن الطليق؟. رابعا؛ لقد جاء طلب الحسين السبط للسلطة منسجماً مع الواقع، فلم يكن تعسفيا، فالطلب، بمصطلح اليوم، كان ديمقراطيا، لم يفرضه على أحد او يجبر احد عليه، ولذلك جاء طلبه للسلطة منسجما مع ادوات طلب جده رسول الله (ص) وابيه امير المؤمنين (عليه السلام) وأخيه الإمام الحسن السبط للسلطة، أالا وهي البيعة العامة وعدم الإكراه، ورفض التسلط بقوة الحديد والنار، كما أن طلبه هذا جاء ليشكل الامتداد الطبيعي والحقيقي لسلطة جده وأبيه وأخيه، فهو، أولا، لم يطلبها في مصر لم يبايعه، فلم يذهب مثلا الى اليمن او مصر او حتى ان يبقى في مكة او المدينة، وهي مدينة جده رسول الله (ص) وانما طلبها عند اهل مصر بايعوه فالقوا عليه الحجة التي ذكرناها في قول ابيه امير المؤمنين عليه السلام {لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر}. ان وجهة مسير حركة الامام الحسين كانت الكوفة تحديداً وليست كربلاء او اي مصر آخر، لأن الحجة على التصدي للمسؤولية جاءت هذه المرة من المسلمين والمؤمنين في الكوفة وليست من غيرها، ولذلك فهو (عليه السلام) عزم التحرك من المدينة المنورة إليها حصراً. ولقد تحدث الحسين السبط عن هذه الحقائق في وصيته التي تركها عند اخيه محمد بن الحنفية قبل ان يغادر مكة المكرمة، بقوله {الا واني لم اخرج اشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما، وانما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي، اريد ان آمر بالمعروف وانهى عن المنكر، واسير بسيرة جدي وأبي علي بن ابي طالب} ومن الواضح فإن معنى السير بسيرة الرسول وأمير المؤمنين، هو الالتزام أولا بادوات المسير، والتي تشخص في مقدمتها البيعة وعدم الفرض والاكراه. ولأن طلب الإمام للسلطة كان استجابة لبيعة الناس له، والتي وردت في أول كتاب بعثه اليه أهل الكوفة بقولهم (انه ليس علينا امام فاقبل) لذلك فانها تحولت الى مسؤولية شرعية ما كان له ان يختار الا ان يستجيب لها، بل انه بذل كل جهده من اجل تحقيقها على أرض الواقع، حاله حال ابيه الامام امير المؤمنين (عليه السلام) الذي تقبل السلطة بعد ان بايعه المسلمون ولم يتخلف عنها أحد، في ظل تلك الظروف القاسية التي مرت عليهم وعلى الإمام، والتي دافع عنها (عليه السلام) بكل ما يملك، ليس من باب تهالكه على السلطة أبداً، وهو القائل لعبد الله بن عباس الذي يروي انه دخل مرة على أمير المؤمنين بـ ذي قار وهو يخصف نعله، فقال لي: ما قيمة هذا النعل؟ فقلت، لا قيمة لها، قال (والله لهي أحب إليَّ من إمرتكم، إلا أن أقيم حقاً، أو أدفع باطلاً) وانما بسبب كونها مسؤولية شرعية تقلدها بثقة الناس ولم يفرضها على أحد، وهو القائل (عليه السلام) {والله ما كانت لي في الخلافة رغبة، ولا في الولاية اربة، ولكنكم دعوتموني اليها، وحملتموني عليها} فيما يصف في مكان آخر كيف ان الناس تهالكوا على بيعته بقوله {فما راعني الا والناس كعرف الضبع الي، ينثالون علي من كل جانب، حتى لقد وطئ الحسنان، وشق عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم}. ذات الأمر ونفس الظروف تكررت مع الحسين السبط، ولذلك تحرك صوب الكوفة من المدينة المنورة، متحملا المسؤولية بعد ان القت بنفسها عليه. وان اكبر دليل على هذه الحقيقة التي ترجمها الإمام الحسين السبط (عليه السلام)، هو انه سعى، حال تغيير الموقف السياسي في الكوفة، الى الانسحاب من (المعركة) كأعظم حجة ألقاها على السلطة الغاشمة، ليثبت للجميع بأنه إنما قبل السلطة بعد بيعة الناس له، أما إذا تغير الموقف وانقلبت الأمور رأساً على عقب، ولأي سبب من الأسباب، فإنه في حل من المسؤولية، ولذلك فعل الامام المستحيل من أجل ان لا يورط جيش البغي بدمه الطاهر، فقال لهم في أكثر من موقف (إن أنتم كرهتمونا، وجهلتم حقنا، وكان رأيكم غير ما أتتني به كتبكم، وقدمت به علي رسلكم، انصرفت عنكم) اما عقبة بن سمعان، فينقل المؤرخون عنه قوله (صحبت الحسين من المدينة الى مكة، ومن مكة الى العراق، ولم أفارقه حتى قتل، وسمعت جميع مخاطباته الناس الى يوم مقتله، فوالله ما أعطاهم ما يتذاكر به الناس من انه يضع يده في يد يزيد، ولا أن يسيروه الى ثغر من ثغور المسلمين، ولكنه قال: دعوني أرجع الى المكان الذي أقبلت منه، أو دعوني أذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر الى ما يصير اليه أمر الناس، فلم يفعلوا) إلا إن إصرارهم على قتله أثبت بما لا يدع مجالاً للشك من أن النظام السياسي الأموي الحاكم كان قد اتخذ قرار التصفية بحق الإمام السبط، مهما كانت الظروف، لأنه شعر منذ اليوم الأول لهلاك معاوية أن السبط هو مصدر القلق الوحيد الذي يمكن أن يقض مضاجع الحكم المنحرف، فيفضحه ويكشف عوراته ويعريه عن أية شرعية قد يتقمصها لتضليل الأمة، لأنه صاحب الحق الوحيد بالسلطة (الدينية والدنيوية) لما يتمتع به من موقع في قلوب الناس، مشفوعاً بالموقف الشرعي والقانوني والواقعي. والآن، تعال معي عزيزي القارئ، لنقرأ حقيقة كون حركة الإمام الحسين (عليه السلام) (خروج للسلطة) وليس عليها، من خلال استنطاق خطب وأقوال الإمام (عليه السلام) منذ لحظة هلاك معاوية ولحد استشهاده (عليه السلام) في كربلاء المقدسة في اليوم العاشر من محرم الحرام عام 61 للهجرة. إن عاشوراء ثورة ضد السلطة من أجل السلطة. إنها ضد سلطة الجور من أجل سلطة الحق والعدل. اولا: لقد رفض الامام الحسين (عليه السلام) البيعة ليزيد بقوله لواليه على المدينة الوليد بن عتبة {أيها الأمير، إنّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، بنا فتح الله، وبنا ختم، ويزيد فاسق، فاجر، شارب الخمر، قاتل النفس المحترمة، معلن بالفسق والفجور، ومثلي لا يبايع مثله}. ان هذا الرفض كان له أحد معنيين، لا ثالث لهما، فأما أن الإمام رفض بيعة يزيد ليعطيها لغيره، او انه أرادها لنفسه، ولم يحدثنا التاريخ أبداً بأن الإمام همس في اذن أحد بنيته في اعطاء بيعته لأحد من المسلمين، عدا يزيد، ما يعني انه أرادها لنفسه، الأمر الذي يعني قطعاً أنه طلب السلطة وإن طلبه هذا كان شرعياً مائة في المائة، لأنه إمام معصوم لا يمكن أن يطلب شيئاً ليس له أو ليس له فيه حق، وكلنا يعرف فإن البيعة عملية سياسية وعقد سياسي أولا وأخيرا، وهي ليست عملية اقتصادية او اجتماعية او أي شئ آخر، ولذلك فالبيعة هنا تعني السلطة فحسب. قد يقول قائل، بإن الإمام رفض البيعة ليعتزل الناس، فيجلس في بيته ويغلق الباب على نفسه، متفرغاً للعبادة، كدرويش لا يتدخل بالشان العام، وليس كما اسلفت. الجواب: إن سيرة الإمام الحسين (عليه السلام) منذ ولادته، لا تنتهي الى مثل هذا التصرف أبدا، وهو الذي عاش الاسلام وتحولاته بكل تفاصيلها، اولا في كنف جده رسول الله (ص) ومن ثم في كنف أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) وأخيه الحسن السبط (عليه السلام). لقد كان الحسين السبط الفارس المقدام الذي يدافع عن الإسلام منذ نعومة أظفاره، فكان الأول في الصفوف حروب أبيه الثلاثة، وكان المتصدي الشجاع لكل انحراف أصاب الأمة، خاصة فترة تصديه لإمامة المسلمين بعد استشهاد أخيه الحسن السبط، لم تكن تأخذه في الله لومة لائم وهو يرد على معاوية وعنجهيته. هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن التاريخ يشير الى ان الحسين (عليه السلام) بدأ بتهيئة ظروف الثورة لحظة استشهاد أخيه الحسن السبط وتوليه إمامة المسلمين، لدرجة أن جماعة من عيون معاوية ممن كانت السلطة الأموية قد نشرتهم كجواسيس يراقبون الإمام، كانوا قد نقلوا عنه (عليه السلام) أخباراً لا تسر لمعاوية، فكتب الى الإمام يحذره من أية حركة مناهضة ضد السلطة، فرد عليه الإمام بكل شجاعة وبسالة، ساعياً الى التخفيف من هلع معاوية من مثل هذه التحركات التي يقودها الإمام، لأنه، كما هو معروف، كان يسعى لتاجيل المعركة الى ما بعد هلاك معاوية لأسباب عدة، ليس هنا محل ذكرها. فكتب مرة الى معاوية رداً على كتاب له: أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه انه انتهت إليك عني أمور أنت لي عنها راغب، وأنا بغيرها عندك جدير، فإن الحسنات لا يهدي إليها ولا يسدد إليها الا الله تعالى. وأما ما ذكرت أنه رقي إليك عني، فإنما رقاه إليك الملاقون، المشاؤون بنميم، المفرقون بين الجمع، وكذب الغاوون. ما أردت لك حرباً، ولا عليك خلافاً، وإني لأخشى الله في ترك ذلك منك، ومن الإعذار فيه إليك، والى أوليائك القاسطين الملحدين، حزب الظلمة وأولياء الشيطان. ثم راح الإمام (عليه السلام) يعدد جرائم معاوية ومثالبه وأخطاءه التي لا تغتفر كقتله حجر بن عدي، وقتله ابن الحمق صاحب رسول الله (ص) وادعاءه زياد بن سمية والمسمى بابن أبيه، واصداره الأوامر بقتل الحضرميين بعد أن كتب فيهم زياد بأنهم على دين علي (ع) وغير ذلك. من جانب ثالث، فإن الإمام نوه في أكثر من رسالة الى من سأله أن يعلن الثورة بوجود معاوية في السلطة، الى أنه يعد لها العدة لما بعد هلاكه، فقال لهم مرة: أما أخي فأرجو أن يكون الله قد وفقه وسدده فيما يأتي، وأما أنا فليس رأيي اليوم ذلك، فالصقوا، رحمكم الله، بالأرض، واكمنوا في البيوت، واحترسوا من الظنة ما دام معاوية حياً. إن هذا وغيره الكثير من الأدلة والبراهين، تؤكد على إن نية الإمام برفضه البيعة ليزيد لم يكن الهدف منها الاعتزال والجلوس في البيت، أبداً. ثانيا: لقد اعتبر الإمام نفسه أنه أحق من غيره في ممارسة عملية التغيير المرجوة في الأمة بعد الانحراف الخطير الذي أصابها جراء توريث معاوية ابنه يزيد السلطة، والتغيير المقصود في قول الإمام بلا شك هو التغيير السياسي، وكلنا نعرف فإن نهاية سعي المرء لتحقيق التغيير السياسي هو وصوله للسلطة، وبمعنى آخر السعي لطلب السلطة من اجل اجراء التغيير السياسي الذي يتحدث عنه ويبشر به، يقول الإمام الحسين (عليه السلام) {أيها الناس ان رسول الله (ص) قال: من رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرام الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغير ما عليه بفعل ولا قول كان حقاً على الله أن يدخله مدخله، ألا وإن هؤلاء - ويعني السلطة الحاكمة - قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود، واستاثروا بالفئ، وأحلوا حرام الله، وحرموا حلاله، وأنا أحق من غير}. إن الفقرة الأخيرة في خطبة الإمام، لخصت الهدف من حركته التي استندت على ما قدمه من شرح للوضع العام، وهو كله حديث عن السلطة الغاشمة التي انحرفت عن جادة الصواب فظلمت ونهبت وأفسدت، ما يعني ان أصل حركته كانت سياسية من أجل تغيير السلطة، وتاليا من اجل طلب السلطة، اذ ليس من المعقول أن يطالب ويسعى الإمام الى تغيير السلطة السياسية ثم يترك حبل الأمور على غاربها عائدا الى منزله، من دون أن يقيم السلطة السياسية التي يعتقد بانها أفضل من تلك التي سعى الى اسقاطها، أليس كذلك؟ لأن مثل هذا العمل عبث لا يقدم عليه مبتدئ في العمل السياسي، فما بالك بالإمام المعصوم وهو ربيب رسول الله (ص) وأمير المؤمنين (عليه السلام)؟. كما أن حديث الإمام مع الحر بن يزيد الرياحي، يشير الى ذات المعنى، فهو دعوة صريحة من الإمام للحر ومن معه لنقض بيعتهم (السياسية) ليزيد واستبدالها ببيعة صحيحة مستقيمة للإمام المعصوم، ما يعني أن الإمام طلب من الحر أن يعينه على اسقاط السلطة الغاشمة ليقيم عوضاً عنها سلطة الحق بقيادته وإمامته وامرته، وان كل ذلك، طلب للسلطة بلا جدال. لقد خاطب الإمام، الحر ومن معه، بقوله (عليه السلام) {أما بعد أيها الناس، فإنكم إن تتقوا الله، وتعرفوا الحق لأهله، يكن أرضى لله، ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر عليكم، يعني السلطة السياسية، من هؤلاء المدعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجور والعدوان}. ثالثا: لقد تبادل الإمام الكتب مع المسلمين في حاضرة البلاد الإسلامية، أعني بها الكوفة آنئذ، ولقد كان مدار نصوص أحاديثها بشأن السلطة الغاشمة وكيفية إزاحتها واستبدالها بالسلطة الحق، على اعتبار أن سلطة الطلقاء وابناء الطلقاء، ليست شرعية، كما ان النظام الوراثي الذي سنه معاوية في (الإسلام) ليس له اي أساس شرعي بالمطلق. فمن هذه الكتب، وهو أول كتاب ورد للإمام من أهل الكوفة يعلنون فيه البيعة له والتسليم لقياده، كان نصه: أما بعد، فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزل على هذه الأمة، فابتز أمرها وتآمر عليها بغير رضى منها، فبعداً له كما بعدت ثمود، انه ليس علينا إمام، فاقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الحق، والنعمان بن بشير، الوالي، في قصر الإمارة، لسنا نجتمع معه في جمعة ولا عيد، ولو قد بلغنا انك قد أقبلت، أخرجناه حتى نلحقه بالشام). وتوالت كتب البيعة على الإمام، حتى قامت عليه الحجة بوجود الناصر على حد قول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فكتب إليهم جميعاً ما نصه: الى الملأ من المؤمنين والمسلمين، أما بعد.. قد فهمت كل الذي اقتصصتم وذكرتم ومقالة جلكم انه ليس علينا إمام فاقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الهدى والحق، وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي، وأمرته أن يكتب إليَّ بحالكم وأمركم ورأيكم، فإن كتب إليَّ انه قد اجتمع رأي ملئكم وذوي الفضل والحجى منكم على مثل ما قدمت علي به رسلكم، وقرأت في كتبكم، أقدم عليكم وشيكاً إن شاء الله، فلعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب والآخذ بالقسط والدائن بالحق والحابس نفسه على ذات الله، والسلام. بهذه النصوص يتبين لنا جلياً بأن الإمام ومن كاتبه من المؤمنين والمسلمين كان هدفهم إسقاط السلطة الجائرة، وإقامة سلطة الحق محلها، ما يعني أن الحسين السبط طلب السلطة بالفعل من أجل الهدف الأسمى، ألا وهو إقامة الحدود والعمل بكتاب الله وسنة نبيه، وإنصاف المظلوم، والأخذ على يد الظالم، وهي القيم والمبادئ التي جاء بها جده رسول الإسلام (ص) واستقام عليها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وأخيه الحسن السبط (عليه السلام). فعندما يحدد عليه السلام شروط الإمام (الحاكم) والتي يعلم المخاطبين في كتابه، انها لا تنطبق إلا عليه، يعني انه دعا الناس الى نفسه ليقيم سلطة الحق، ما يعني انه طلب السلطة بالفعل، فلم يكن مازحاً أو منظراً بعيداً عن الواقع أبداً، وهو الذي يعلم انه محاسب على كل كلمة يقولها، لما ستشكل من عوامل تخلق واقعاً جديداً وخطيراً تذهب فيها نفوس وأرواح. رابعا: ان كل خطب الإمام تصب في أمر استراتيجي واحد، ألا وهو طلبه للسلطة من أجل الحق. ففي أول رد فعل له (عليه السلام) على محاولات معاوية لتوطئة الأمور لإبنه يزيد لتوليته السلطة بعد موته، كتب إليه الحسين السبط يقول: وفهمت ما ذكرت عن يزيد من اكتماله، وسياسته لأمة محمد، تريد أن توهم الناس في يزيد، كإنك تصف محجوباً، أو تنعت غائباً، أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص، وقد دل يزيد من نفسه على موضع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ فيه من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش، والحمام السبق لاترابهن، والقيان ذوات المعازف، وصرب الملاهي، تجده باصراً، ودع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى الله من وزر هذا الخلق بأكثر مما أنت لاقيه، فوالله ما برحت تقدح باطلاً في جور، وحنقا في ظلم، حتى ملأت الاأقية، وما بينك وبين الموت إلا غمضة. إن هذا النص بمثابة فتح النار من قبل الإمام على خطط معاوية ومحاولاته توريث السلطة لابنه يزيد، في أخطر بدعة سياسية يسنها في تاريخ الإسلام، ولذلك تصدى لها الإمام بكل قوة وشجاعة دون سواه، كونه أحق من غير على حد تعبيره. وفي نص آخر، يعتبر الإمام أن بيعة يزيد ذلة لا ينبغي لمؤمن أن يعطيها ويقبل بها أبداً، لماذا؟ لأن البيعة للحاكم الظالم المستبد لا تجوز بأي شكل من الأشكال، وهي، البيعة، مسؤولية في عنق الإنسان، عليه أن يمحص الأمور قبل أن يختار لمن سيعطيها، فيمنحه ثقته، ويقلده دينه ودنياه. يقول (عليه السلام): ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وجدود طابت، وحجور طهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبية، لا تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا واني قد أعذرت وأنذرت، ألا واني زاحف بهذه الأسرة، مع قلة العدد وكثرة العدو، وخذلان الناصر. إن ميزان الحق عند الإمام ليس العدد، كثر أو قل، وإنما في قرب الموقف او بعده عن رضا الله تعالى، أولم يقل أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) في معرض رده على من قال عنده بكثرة عدد العدو {انا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة، وانما كنا نقاتل بالنصر والمعونة} ولقد أكد الإمام في أكثر من مناسبة من أن بيعة الطاغية يزيد لا ترضي الله أبداً، فهي ليست من حقه ولا تليق به أبداً، إنما البيعة الحقيقية يجب أن تعطى لمن هو أهل لها ألا وهو الإمام نفسه دون سواه، كما قال ذلك بصراحة في أكثر من موقف. إن هذا الموقف جاء منسجما تماماً مع رأي أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما قال محدداً صفة الإمام الذي له الحق في تولية أمور الناس، بقوله: وقد علمتم انه لا ينبغي ان يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والاحكام وامامة المسلمين البخيل، فتكون في اموالهم نهمته، ولا الجاهل فيضلهم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول فيتخذ قوما دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق، ويقف بها دون المقاطع، ولا المعطل للسنة فيهلك الامة. كما انه جاء مترجما لقول أمير المؤمنين (عليه السلام)، في وصفه للحاكم الظالم: وان شر الناس عند الله إمام جائر ضل وضل به، فامات سنة ماخوذة، واحيا بدعة متروكة. وقوله (عليه السلام): أيها الناس، إن أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه، وأعلمهم بأمر الله فيه. ولكل ذلك، صمم الإمام على الخروج للسلطة لإسقاط سلطة الطاغوت وإقامة سلطة العدل. خامسا: لقد لخص الحسين السبط (عليه السلام) فلسفة حركته في نص وصيته التي تركها مع أخيه محمد بن الحنفية، والتي أشار فيها الى ان حركته هذه هي امتداد لحركة جده رسول الله (ص) وأبيه أمير المؤمنين، وبالتالي لحركة الإسلام العظيم، وإن مما لا شك فيه هو ان جوهر حركة الإسلام هي (السلطة السياسية) القائمة على أساس رضا الناس من أجل إقامة الحق والعدل، بعيداً عن التعسف والظلم والقهر. وقبل أن نفصل في جوهر هذه الحركة، دعونا نقرأ معاً نص وصية الإمام السبط، والتي يقول فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب الى أخيه محمد المعروف بابن الحنفية ان الحسين يشهدأان لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، جاء بالحق من عند الحق، وان الجنة والنار حق، وان الساعة آتية لا ريب فيها، وان الله يبعث من في القبور، واني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي (ص) أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين، وهذه وصيتي يا أخي إليك وما توفيقي الا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. ان في النص ثلاثة مصطلحات دقيقة ذكرها الإمام لتحديد هدفه من حركته ونهضته، وهو لم يوردها من باب الترادف اللغوي مثلا، وانما قصد كل واحدة منها على وجه الدقة، وهذه المصطلحات هي كالتالي: الإصلاح. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. السيرة المحمدية والعلوية. وكأن الامام أراد أن يتقدم بحركته بما يمكن تسميته بالمرحلية العلمية، فهو أولا، يبغي الإصلاح إذا وجد لذلك طريقا سهلة، من خلال الموقف الايجابي الذي يمكن أن تبديه الأمة، برفضها البيعة ليزيد الطاغية، والقبول ببيعته كحاكم حق مفترض الطاعة. وهو، ثانيا، سيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إذا ما شعر بأن موقف الأمة لا زال متذبذباً بين الحق والباطل، أما خشية من سوط الحاكم الجديد، يزيد، أو طمعا في دنياه. ثم تنتهي حركة الإمام باقامة سلطة الحق السياسية على غرار سيرة جده وأبيه، فالسيرة التي يقصدها هنا، بلا شك، تختلف عن الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا كانت المرحلتين الأولى والثانية تأخذ الطابع النظري، من خلال الخطاب والقول والحديث والرسائل والكلام، لتوضيح المعاني والمفاهيم والرؤى، فإن السيرة عادة تأخذ الطابع العملي، من خلال المشروع والمنهج الفعلي، بالضبط كما فعل رسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع) فعندما يقول القرآن الكريم يصف لنا رسول الله (ص) بقوله {ولكم في رسول الله أسوة حسنة} لا يقصد بذلك في حديثه وقوله فحسب، وإنما في فعله ومشروعه وممارساته، تلك التي خلفها للمسلمين كبرنامج عمل يمكن أن يكون سبباً لإصلاح حالهم إذا ما أخذوا به، كما أننا اليوم عندما نسعى للالتزام بنهج أمير المؤمنين (عليه السلام)، إنما من خلال ما تركه لنا خلال فترة حكمه التي تعد نموذجاً يحتذى في الممارسة، وليس في التنظير فقط. ومن أجل أن نفهم سيرة الإسلام وملامحها العامة التي قصدها الحسين السبط في وصيته والتي قال انه عازم على السير على نهجها والالتزام بها، تعالوا نقرأها من خلال النصوص التالية التي وردت على لسان امير المؤمنين (عليه السلام). يقول (عليه السلام) {ولكني آسي أن يلي أمر هذه الأمة سفهاؤها وفجارها فيتخذوا مال الله دولاً، وعباده خولاً، والصالحين حرباً، والفاسقين حزباً}. لذلك رفض الحسين السبط سلطة يزيد وطلبها لنفسه لأنه أحق من غير. ويقول (ع) {الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه}. لذلك صمم الحسين السبط على التغيير السياسي أولاً، لأن الحق لا يقام في ظل سلطة جائرة أبداً. ويقول (عليه السلام) {أما بعد، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى، ودرع الله الحصينة، وجنته الوثيقة، فمن تركه رغبة عنه، البسه الله ثوب الذل، وشمله البلاء، وديث بالصغار والقماءة، وضرب على قلبه بالإاسهاب، وأديل الحق منه بتضييع الجهاد، وسيم الخسف، ومنع النصف}. لذلك، فعندما صمم الحسين السبط على المقاومة من خلال رفضه البيعة وطلبه السلطة لإقامة الحق، اعتبر ذلك جهاد في سبيل الله يمكن أن ينتهي بالشهادة، ولذلك ظل يرحب بها طوال مسيره من مكة المكرمة وحتى استشهاده في كربلاء في عاشوراء عام 61 للهجرة. أخيراً، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) {أأقنع من نفسي بأن يقال: هذا أمير المؤمنين، ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش، فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات، كالبهيمة المربوطة، همها علفها، أو المرسلة شغلها تقممها، تكترش من أعلافها، وتلهو عما يراد بها، أو أترك سدى، أو أهمل عابثاً، أو أجر حبل الظلالة، أو أعتسف طريق المتاهة}. ولأن هذا الشبل من ذاك الأسد، لذلك رفض الحسين (عليه السلام) أن يسكت عن الحق لأنه سمع رسول الله (ص) يقول {الساكت عن الحق شيطان اخرس} فآثر الشهادة على الذل والقتل على السكوت على الظلم، رافضاً أن يترك الطاغوت وشأنه، والأمة وما تعاني من ظلم وحيف من دون أن يواسيها محنتها، بل صمم على أن يعيش معاناة الأمة ويتفاعل مع ما تتطلع اليه، من خلال تقديم النموذج السليم وتحديد معالم الجادة الصحيحة والمستقيمة، على أن يكون أولهم في الصف، حتى لا يظن أحد من المسلمين انه يريدهم جسراً ليعبر عليهم الى السلطة، كما هو فعل الكثير من القادة والزعماء، فقال لهم {نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهليكم، فلكم في أسوة}. فسلام على الحسين السبط، يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيا في مقعد صدق عند مليك مقتدر. |