الدّم الذي اكتشف العالم


 

قيس قاسم العجرش

 

 

موقع الإمــــام الشيرازي

28/محرم الحرام/1431                  

الولايات المتحدة فقدت في يوم واحد أربعة آلاف وريدٍ للدم, كان ذلك الصباح من أيلول أكبر من أن تحتمله التجربة الأميركية بالحسنى وطيب النفس والصبر، لكنها برهنت على أنها لم تنظر الى الخلف مطلقاً.

أولياء الدم ، وهنا هم الأميركيون، سيجعلون من هذه الأرواح مفتاحاً لتغيير العالم ولن يعود الكوكب بعد إراقة دمائهم كما كان قبلها كما سنرى... التغيير هنا سيأتي متوافقاً مع روحٍ عمومية تسمى "الحلم الأميركي" تعمل على خلق أمة بلا إنقلابات منذ العام 1796.

ثمة شيء في هذه الأمة (الأميركية) الواحدة جعلها تقبل وتلتف حول بوش في حربه الاستباقية ضد الإرهاب وهو عين الشيء الذي صير دماء الأميركيين جاهزة للسفح ومباحة للإراقة في افغانستان والعراق مقابل قناعة ما بأنها تبني مجداً للولايات المتحدة، مجدٌ وَقعُهُ إنساني وضَميره مرتاح في أغلب الأحيان ولنترفع قليلاً عن سذاجة دأب على طرحها الإعلام منذ تسع سنوات مفادها أن الشعب الأميركي مغلوب على أمره من قبل (جلاديه) الساعين الى الحرب والبائعين لدمائه بالمجان، محض خرافة أن الأميركيين لم يلتفوا حول بوش وهو يفــتِل الدكتاتورية في العراق كالخيط بيده ويشرّد بالقبائل الباكستانية والبشتونية التي تعيش مثل أكلة لحوم البشر.

وعندما كتب (بوب ودوورد) كتابه الوثائقي الشهير (بوش في حالة حرب)، وهو من أعداء بوش اللدودين، لم يستدل فيه ولا بكلمة واحدة أو خبر واحد مفرد على أن أهالي المجندين من الذين قــُتلوا في العراق كانوا حانقين على النظام السياسي الذي صيرهم وصير أبناءهم بيادق بيد الرئيس الأميركي.

الفرق أن (البيدق – المواطن - المجند) هنا قد تجنـّد عن قناعة وفهم ووعي مشترك بين "النـاظم" للنظام السياسي والمنتظم فيه إنما يرتجي هدفاً واقعياً وعملياً، كان بوش يستثيرهم ويستنهض الهمم عبر التذكير بالمكتسب وهو هنا نمطية الحياة الأميركية التي يحاربها الإرهاب.

بوش هنا هو القائد الشرعي للأمة الأميركية الذي يفتقر كل قادة "الأمم" لشرعيته، نطق بفكرٍ ورؤيةٍ لمستقبل أفضل لـ "دافعي الضرائب" الأميركيين، كناية "دفع الضرائب" بدلاً من صفة المواطنة هي الأقوى مصلحة والأعظم إقناعاً من الدّم الذي يتتبع حوافر السلالات من الكهوف الى البيوت الشعر وأوراقها الصفر من نوع تلك التي تزخرف كتب تاريخ العشائر والقبائل في مكتباتنا. هؤلاء بلا تاريخ يكتبون تاريخاً للمواطنة كما لم يكتب من قبل.

هل ثمة بيننا من استوعب هذا الدرس الكوني المدموغ بالمحلية الأميركية؟ علينا أن نسأل ونتحرى كل يوم عن طلاب الحياة وعابدي الموت.

مرة أخرى علينا أن نترفع ونستنكف عن قبول الفكرة الشوهاء التي تقول إن المال في العالم يتحكم بالسلاح والجيوش وإن دهاقنة الإمبريالية العالمية إجتمعوا في ظلمات الأقبية ليقتلوا الشعوب، نترفع وننظر بعين مغسولة الى مقاتل تلك الشعوب التي نبكيها ونـُبصر أي النصول كانت أكثر فعلاً في لحومها، أو بأكثر دقة، لحومنا.

الموت صار قارعة طريق تستدل عليها عقائدنا بالرائحة أو باقتفاء الأثر وتتلقف مقترباته أناشيد الأطفال في المدارس، ورضيعـُنا ما عاد يشيب لما يشهد من الهوائل، بل إن شعوباً بأسرها في اصقاع من الأرض صارت تشيب لبشاعة ما نزّق به أطفالنا الرُضّع.

الموت صار أكلة شعبية ورياضة وطنية لا يستسيغها أحد على وجه الأرض غيرنا، ثم نعود لنسأل، ماذا أراد العالم منا؟ لماذا يحذر العالم من سحنة وجه أو اسم مشرقي أو صوت منحوس يسعى لتغيير كل كلمات كتاب الخليقة عبر نقعه بحوض من الدماء.

آن لنا أن نرى على أية شاكلة يمكن للإنسان أن يبذل الدّم. آن لشركائنا في الأرض أن يطمئنوا لمجاورتنا في بلد أو في شقة أو في سوق أو في مقعد طائرة.

الوجل والخوف لا يخلف إلا الخراب، وأبناء الخرائب سيقضون أعمارهم إما في سلب الآخرين كل شيء مقابل الخراب أو في لعنهم.

وبين هذين، أين يمكن أن نستلهم معنى للحياة؟

الصباح