تساقط الطغاة وبقيت حلبجة


 

د. كريم شغيدل

 

موقع الإمـــام الشيرازي

1/ربيـــع الثانـي/1431

 (حلبشيما) هو الإسم الذي أطلقه الإعلام على مدينة (حلبجة) تيمناً بما تستحضره مدينة هيروشيما اليابانية من صور الرعب والدمار، فصلة القربى بين المدينتين هي الكارثة البشرية وبشاعة الفعل، في صور الأطفال النازفين بين صدور أمهاتهم والرماد في صور النساء والرجال الذين أغلقوا عيونهم على مناظر عيون أطفالهم وهي تنط من محاجرها محتضنين برك الدم. ولطالما سمعنا وشاهدنا الكثير من التقارير والصور، إلا أنها مهما بلغت لا تغني عن زيارتها وتلمس ذكريات جراحها عن كثب، في كلمات سكانها ممن نجوا من الأمطار السامة للأسلحة الكيمياوية، في بقايا أشجارها وأكواخها وعشبها وطيورها وحيواناتها التي لم يستثنها الإعصار الوحشي يوم 16- 3- 1988، الذي تصادف اليوم ذكراه الحادية والعشرين، في الوقت الذي كانت تستعد فيه لاستقبال نوروز بكامل حلتها الربيعية الزاهية التي استحالت رماداً، يقال إن اسمها مأخوذ من العبارة الفارسية (عجب جا) أي المكان الملفت للنظر، وقيل مأخوذ من كلمة تعني (أجاص) لاشتهارها ببساتين الفاكهة، وقيل مشتق من (ألب أرسلان)، ويذهب جمال بابان إلى أن اسم حلبجة أطلقه بعض الذين كانوا يذهبون لأعمال التجارة إلى مدينة حلب السورية إعجابا بها، وتعني (حلب الصغيرة)، لكن آلة الدمار العمياء قد خربت كل ذلك الجمال، في لحظة غائبة من قاموس القيم الإنسانية، لا أحد يتخيل، كم كان مروعا حجم الدمار، في ذلك الربيع الكارثي، كانت القوات الإيرانية قد اجتاحت المدينة وعبرتها حتى جسر (زه لم) ولأيام قلائل كان السكان قد اعتادوا دوي المدافع والقصف من كلا الجانبين، حتى جاء الوعد المشؤوم، الساعة الحادية عشرة والنصف قبل الظهر من يوم 1988-3-16، إذ امتلأت أجواء المدينة بأسراب من الطائرات القاصفة، يحمل بعضها بالونات لمعرفة اتجاه الريح، كان عدد الأسراب يتراوح بين 6 إلى 12 طائرة تتناوب بقصف مكثف على المنازل والمزارع والشوارع والناس، فما كان من السكان إلا الفرار العشوائي باتجاه الجبال، ولكن، إلى أين؟ كانت الطائرات تلاحق الفارين من الجحيم، وتتعقب آثارهم خلف الجبال، داخل الأراضي الإيرانية. لم يستعمل المجرمون آنذاك نوعاً واحداً من الأسلحة الكيمياوية، بل جربوا جميع ما بحوزتهم من أنواع الخردل، وغازات الأعصاب، والدليل على ذلك تلبد سماء المدينة بسحب دخانية ذات ألوان فاقعة، كما ذكرت بعض الوثائق.. يا إلهي أي احتفال بشع بالموت!! والدليل الآخر تنوع أشكال الموت وطبيعة الإصابات، لقد استهانوا بالنفس البشرية، بالروح هبة الباري عز وجل، وبالجسد البشري الذي خلق في أحسن تقويم، فكان الموت محتوماً، لكن صوره متنوعة، فمنهم من مات حرقاً، ومنهم من مات اختناقاً أو انتفاخاً، ومنهم من إزرق جسده وجحظت عيناه حتى خرجتا من محجريهما، ومنهم من بكى أو ضحك بهستريا حتى فارق الحياة، أفهل كان العالم في سبات يا ترى؟ أم أن الضمائر كانت منزوعة ساعتها؟ ألهذه الدرجة كان العالم متواطئاً مع الدكتاتور؟ ألهذا الحد كان العرب يعدونه (بطل الأمة ومخلَّصها) فيغضوا الطرف عن جرائمه أو يعدونها انتصارات للعروبة ودفاعاً عن البوابة الشرقية؟ يذكر أن أنباء تسربت، بصورة ضئيلة ومبتسرة من هنا وهناك، لكن الآذان - على ما يبدو - كانت متخمة وقد أصمها رنين الخطب، فلم تجد متسعاً، ليشنفها خبر، لا يعني سوى خمسة آلاف ضحية بين شاب وصبية وطفل رضيع وشيخ وامرأة وعجوز، وعدد من المعاقين والجرحى والمشوهين، ومئات الحيوانات من الأغنام والشياه وغيرها، التي نفقت في الطرقات، ومئات الطيور التي تيبست جثثها البريئة على أغصان الشجر المحترق، في حلبجة التي تحولت إلى مختبر كيميائي لحمم الجحيم في وضح النهار، حتى إن المؤتمر الإسلامي الذي عقد بعد أيام قلائل من الكارثة لم يكلف نفسه عناء الاستفسار، عمّا إذا كانت تلك الأنباء صحيحة أم لا... دفنت الشفلات ما يقارب 1500 جثة من الشهداء وقد أقامت الجهات المسؤولة مقبرة رمزية من الشواهد على كل شاهدة كتب عدد من أسماء الشهداء البالغين (5000) خمسة آلاف ضحية، بحسب أكثر الإحصاءات، عدا من وافتهم المنايا في المخيمات والمستشفيات الإيرانية، ودفنوا خارج الوطن، يتوسط المقبرة نصب تذكاري من المرمر لفتاة رفعت يديها إلى السماء، صارخة مقطعة سلاسل العبودية والموت، كأنها تستصرخ الإنسانية جمعاء، وتشق ستار الصمت الذي أطبق حول الكارثة، وتستحضر في ذاكرة العالم عقدة الذنب، لكي لا تكون على الأرض حلبجة ثانية، تلك هي حلبجة التي لم يتحرر سكانها الناجون من الجحيم، وشهود الكارثة من عقدة ذلك الربيع الأسود، فكم حلبجة ستظل خالدة في ذاكرة التأريخ، وكم ضحية ستحرم من حقها في الحياة حفاظاً على عروش المستبدين، ومتى سيفهم الطغاة: أنهم سرعان ما يتساقطون، وتبقى الضحية خالدة في ضمير الزمن؟

الصباح