قصور ومقابر


 

كاظم غيلان

 

 

موقع الإمـام الشيرازي

23/ربيع الآخر/1431

ذكرت إحصائية موثوقة تداولتها وسائل الإعلام قبل فترة قصيرة بأن مجموع قصور صدام في تكريت وحدها بلغ (76) قصراُ عدا (6) قصور في مسقط رأسه (العوجة)، وتشير الإحصائية ذاتها الى إن مجمل قصوره في وسط وجنوب العراق (160) قصراً من بينها (60) قصراُ في بغداد وحدها.

إن هوس صدام في بناء هذا العدد من القصور الفارهة مؤشراً واضحاً لحالتين، الأولى هي الشعور الأزلي بالحياة، أما الثانية فهي محاولة للتعويض عن حياة التشرد التي عاشها في طفولته، وفي الوقت الذي شيد كل هذا العدد من القصور كان يستحدث نمطاً آخر مختلفاً تماماً عن كل أنواع الموت والجريمة حيث ابتكر المقابر الجماعية التي غصت بالآف الضحايا من أبناء شعبنا التي لم تزل عمليات الكشف عنها مستمرة ليومنا هذا منذ سقوط صنمه الأجوف في ساحة الفردوس بالتاسع من نيسان 2003.

فأين هي رحمته وإنسانيته وأصالته التي يتشدق بها ايتامه والبعض من حكام على شاكلته؟

أية تركيبة شاذة كونت هذه الشخصية التي خلت من أية ذرة شرف ومروءة؟

ونحن نستعيد ذكرى سقوط هذا الدكتاتور إنما نشيع الأمل في أرواحنا بأن تجربة عراقنا الجديد لن تسمح بأي حال من الأحوال صناعة نموذج مماثل لهكذا حاكم سولت له نفسه الانحراف التام عن كل قيم الإنسانية.

فما من حاكم ولو (شبه عادل) بل ولو (شبه وطني) يسمح لنفسه بتشييد كل هذا العدد من القصور على حساب شعب هرسته طواحين الحروب والدمار والمجاعات التي افتعلها لأجل ديمومة عرشه.

وهنا أتذكر زيارتي قبل أكثر من عام لقصره في (بابل) الذي أصبح الآن مخصصاً لاستقبال حديثي الزواج من شباب العراق، راحت عيني تتنقل للعبارات الساخطة التي تكيل له الشتائم على جدران القصر، إلا إن عبارة واحدة استوقفتني برغم ركاكة خطها ورسخت في ذاكرتي ..

كانت تقول (الحليم يآخذ عبره من الزمن) هذه العبارة فيها الكثير من الدلالات التي لها علاقة بنهاية الطغاة المذلة والمزرية.

"الصباح" العراقية